الجرمنت والفينيقيون

أشكال صخرية في جبال أكاكوس

سكان شمال إفريقيا الأصليون هم من شعوب العصر الحجري الحديث الذين هاجروا إلى المنطقة في الفترة الممتدة بين 15,000 و 10,000 قبل الميلاد. وكانوا من الرعاة الرحّل الذين كانوا يمارسون الزراعة والصيد وفق المواسم.
يعود أقدم دليل على وجود مستوطنات (شبه) دائمة في ليبيا إلى عام 8000 قبل الميلاد. ويتمثل المصدر الرئيسي لهذه الحقبة في النقوش الحجرية في جبال أكاكوس (بالقرب من غات) ووادي متخندوش (جنوب غرب سبها) وطاسيلي ناجر والهقار (كلاهما في الجزائر).

كان الفينيقيون أوائل القادمين. في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، جاب تجار ما وراء البحار، ومقرهم فيما يعرف اليوم بلبنان، منطقةَ البحر المتوسط. وحوالي عام 700 قبل الميلاد، قام فينيقيون، كانوا يسعون إلى توسيع تجارتهم في الذهب والفضة والعاج والمواد الخام، بإنشاء مستوطنات في لبده (لبتيس ماغنا) وأويا (طرابلس) وصبراتة. ويذكرنا اسم "طرابلس" بازدهار هذه المدن القديمة الثلاث التي تاجر منها الفينيقيون مع القبائل الأمازيغية في الداخل. وتشكل آثار الحضارات القديمة هذه في ليبيا - لبتيس ماغنا (لبده) وصبراتة وأبولونيا (مرسى سوسة) وميناء قورينا – وجهة استقطاب سياحية مهمة في وقتنا الراهن.

كانت تتم إدارة المستوطنات الفينيقية من قرطاج، في تونس الحديثة، والتي تأسست عام 814 قبل الميلاد. ومع حلول عام 400 قبل الميلاد تقريباً، سيطرت قرطاج على ساحل شمال إفريقيا بين إقليم طرابلس والمحيط الأطلسي. وبعد عدة حروب ضد روما، خسرت قرطاج أهميتها بشكل تدريجي. عام 146 قبل الميلاد، دحر الرومان الفينيقيين ودمروا قرطاج: تقول الروايات إن أرضها أُتلفت ورُشّت بالملح.

في مستوطنة جرمة الحديثة في فزان آثار مدن كبيرة. يعتقد علماء الآثار أن هذه المدن كانت بؤراً استيطانية على الطرق التجارية ازدهرت بالأسواق والساحات. أُطلق على سكان هذه المستوطنات اسم "الجرمنت" المتحدرون على الأرجح من شعوب العصر الحجري الحديث. اشتهر البعض منهم بالزراعة، وربما بقدومهم من واحات ليبيا الشرقية.

أسس الجرمنت دولة قوية في فزان في الفترة الممتدة بين 900 قبل الميلاد و 500 بعد الميلاد. ويعتقد بأنه كان لهم كتاباتهم ويستخدمون الخيول والعربات ذات العجلات. وفي القرن الخامس قبل الميلاد، كتب المؤرخ الإغريقي هيرودوت أن الشعوب الكائنة في فزان استخدمت عربات تجرها أربعة خيول لملاحقة "الأثيوبيين سكان الكهوف"، ربما إشارة إلى التبو الساكنين في جبال تيبستي.

هيمن الجرمنت على طرق القوافل عبر الصحراء إلى مصر والدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. وقد استخدموا الملح، الذي كانت تتم مقايضته بالذهب والعبيد، لحفظ الأطعمة واللحوم. ووصف هيرودوت أساليب الزراعة التي اعتمدها الجرمنت: نثروا الملح على الأرض لإنبات البذور معتمدين على مئات من قنوات تحت الأرض (فقارات) في الواحات لازدهار الزراعة. يُرجح بأن مملكة الجرمنت انهارت بعد استنزاف إمدادات المياه الجوفية.

اعتمد الأمازيغ/البربر قسماً كبيراً من ثقافة الفينيقيين ولغتهم التي كانت، على غرار سائر اللغات السامية، تكتب من اليمين إلى اليسار. وساد الاعتقاد لفترة طويلة بأنه تم استبدال اللغة الفينيقية باللغة اللاتينية التي كان يستخدمها الرومان المحتلون خلال قرنين، بعد تدمير قرطاج. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن النخبة الإقليمية استخدمت هذه اللغة لفترة أطول بكثير. وتضمنت هذه النخبة القديس أوغسطينوس (354 – 430 للميلاد) والإمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس (حكم من عام 193 حتى عام 211 ب.م).

صور