فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / قضية البشير تضع المحكمة الجنائية الدولية بين المطرقة والسندان

قضية البشير تضع المحكمة الجنائية الدولية بين المطرقة والسندان

Translation- Omar al-bashir
الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير أثناء حضوره للجلسة الافتتاحية لقمة الاتحاد الإفريقي الخامسة والعشرين التي أقيمت في مدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا. وكان البشير قد انضم في صورةٍ جماعية مع القادة على هامش فعاليات القمة الإفريقية على الرغم من طلب المحكمة الجنائية الدولية إلقاء القبض عليه في هذا الحدث. المصدر: AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالةً استعرضت تلافيف الوضع المعقد الذي تعيشه المحكمة الجنائية الدولية على خلفية التطورات الحاصلة في السودان وما تحمله هذه التطورات من تبعات على مستوى قضية الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير. ويحاول ماتيا كاكياتوري، محاضر العلاقات الدولية والأمن الدولي بجامعة باث، الإجابة في مقالته على سؤالٍ قد يبدو غريباً للوهلة الأولى ألا وهو: “هل ينبغي على المحكمة السعي لمحاكمة البشير؟”. كما يسعى كاكياتوري، عبر تحليل تداعيات الإجابات المحتملة على هذا السؤال، إلى كشف النقاب عمّا يعرقل عمل المحكمة الجنائية الدولية من إشكالياتٍ جوهرية.

وأدّى الانقلاب العسكري الذي شهدته السودان مؤخراً إلى إنهاء حكم عمر البشير الذي دام لمدة ٣٠ عاماً. وأعلن وزير الدفاع عوض بن عوف في مؤتمر صحفي نقلته وسائل الإعلام على نطاق واسع عن “اقتلاع النظام واعتقال الرئيس في مكان آمن”.

ويحظى مكان وجود البشير باهتمامٍ كبير، خاصةً وأن الرئيس السوداني المخلوع مطالبٌ بالمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ناهيك عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تم اقترافها في دارفور.

وتعود القضية التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية للبشير في عام ٢٠٠٥، إذ وجه أحد تقارير الأمم المتحدة حينها تهماً للحكومة السودانية بارتكاب انتهاكاتٍ ممنهجة في دارفور. وقام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد ذلك بإحالة المشتبه بهم إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في السنوات اللاحقة أمري اعتقال بحقّ البشير – في عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٠ – بسبب عدّة تهمٍ تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة بحقّ الإنسانية. وأصدرت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة أمراً بتعليق القضية في عام ٢٠١٤، وتم تبرير هذا القرار بسبب عدم التعاون للضغط باتجاه اعتقال البشير. ورأى كثيرون أن هذا التعليق يشكّل تجسيداً لما تفتقر إليه المحكمة من سلطة على الأفراد النافذين، لاسيما زعماء الدول.

ومن المنتظر أن يعيد إسقاط البشير التساؤلات حول إمكانية مثول الرئيس السوداني السابق أمام المحكمة الجنائية الدولية. وعبّر بعض المعلقين بالفعل عن آراءٍ مختلفة حول احتمالية محاكمة البشير في مدينة دن هاخ الهولندية “لاهاي”. ويرجّح بعضهم مثول الرئيس السوداني المخلوع للمحاكمة لأنه لم يعد يتمتع بالامتيازات المرتبطة بمركزه. في المقابل، يرى آخرون أن البشير ما يزال يتمتع بنفوذٍ في الحكومة الجديدة، وبالتالي فإن إحضاره إلى لاهاي سيكون معقداً للغاية.

ويرى كاكياتوري أن السؤال الأكثر صعوبة يكمن في إذا ما كان ينبغي على المحكمة الجنائية الدولية محاكمة الرئيس السوداني السابق من عدمه. وقد يبدو هذا السؤال بلا معنى، بل وحتى غير أخلاقي الطابع، فمن يستحق المحاكمة إن لم يستحقها هو. إلا أن الأمر لا يمكن التعامل معه، بحسب صاحب المقالة، بهذه البساطة.

ويشدد هنا كاكياتوري على عدم تعاطفه مع البشير أو أي ديكتاتورٍ تلحق سياساته “أو تحاول إلحاق” الضرر بالمدنيين.

ويرى صاحب المقالة أن الظروف الخاصة بقضية البشير تضع المحكمة بين المطرقة والسندان. ويعود السبب في هذا التصوّر إلى ظهور قضيتين يصعب للغاية التعامل معهما بسبب الظروف الحالية، لا سيما وأن هاتين القضيتين تحملان في طياتهما آثاراً خطيرة على المحكمة وعملها. كما تترتب هاتان القضيتان بتداعياتٍ على اعتقاد زعماء الدول بأنهم بمنأى عن العقاب.

المعضلة

Translation- ICC
فاتو بن سودة، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية أثناء عقدها لمؤتمرٍ صحفي في كينشاسا يوم ٣ مايو ٢٠١٨ للتعليق على إلغاء التأشيرة التي منحتها لها الولايات المتحدة الأمريكية لاحتمال إجراء تحقيقٍ مع جنودٍ أمريكيين حول ما قاموا به من أعمال في أفغانستان. المصدر: AFP.

يتمثل الهدف الكامن وراء السعي لملاحقة رؤساء الدول قضائياً أثناء توليهم لمناصبهم في التأكيد على ضرورة محاكمتهم في حال تم ارتكاب جرائم بشعة – وبصرف النظر عن المناصب التي يشغلونها.

وهدفت فكرة المحكمة في أصلها إلى إثناء رؤساء الدول عن ارتكاب الجرائم البشعة بوضعها حدود لممارسة الدولة لسيادتها. وبكلمةٍ أو بأخرى، فإن هذا الإجراء يسعى للحيلولة دون ارتكاب الزعماء لهذا النوع من هذه الجرائم عبر إعلامهم بأن تواجدهم في السلطة لن يحول دون ملاحقتهم قضائياً على المستوى الدولي.

وواجهت المحكمة الجنائية الدولية مع الأسف مقاومةً غير عادية عندما حاولت تحويل هذه الفكرة إلى برنامج عملي. وعلى سبيل المثال، شهدت كينيا إسقاط الدعوى الموجهة لرئيس الدولة الحالي أوهورو كينياتا في عام ٢٠١٤ بعدما أشارت فاتو بنسودة إلى استحالة إجراء المزيد من التحقيقات حول ما تم ارتكابه من جرائم. ويعود السبب في ذلك إلى ما اعترى الشهود من مخاوف حول إمكانية الإدلاء بشهاداتهم في هذه القضية، ناهيك عن رفض الحكومة الكينية للتعاون في هذا السياق.

وشهدت الأعوام الأخيرة توجه الاتحاد الإفريقي إلى حد اقتراح قصر عمل المحكمة مستقبلاً على المسؤولين من المستوى المتوسط.

ويرى كاكياتوري أن عدم مثول البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية سيعزّز من موقف منتقديها الذين يرون أنها بلا حولٍ ولا قوّة عندما يتعلق الأمر بأقوى الشخصيات السياسية الموجودة في بلدٍ ما.

أما إذا خضع البشير للمحاكمة، فإن هذا الأمر سيدل على عدم إمكانية محاكمة الأفراد النافذين إلا بعد رحيلهم عن السلطة. ويشير صاحب المقالة إلى أن اهتمامه ينصب على هذا الجانب.

وإذا ما قامت المحكمة في الوقت الراهن بمحاكمة البشير، فإنها سترسل بذلك رسالة مقلقة إلى مستبدين آخرين مفادها أن افعلوا ما شئتم طالما بقيتم في السلطة، أو حتى نكون أكثر وضوحاً ستعني الرسالة أن افعلوا كل ما بوسعكم للبقاء في السلطة. ويرى كاكياتوري أن هذه الرسالة بالغة الخطورة لسببين، حيث يقوم في القسم المتبقي من هذه المقالة بشرح التلافيف الكامنة وراء هذا الطرح.

رسالة خطرة

ستصل الرسالة الإشكالية الأولى لمثول البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية إلى الدول التي مزقتها الحرب.

وتتطلب طبيعة عمل المحكمة التحقيق في المناطق والدول التي تدور فيها الحروب. وعلى هذا النحو، من المحتمل أن تعيق هذه الرسالة حل النزاعات لأنها ستصبح عاملاً إضافياً يحفّز القائمون على السلطة نحو التمسّك بها بشكلٍ أكبر.

وتعد سوريا مثالاً مثيراً للاهتمام في هذا المجال. ويرى كاكياتوري أن محاكمة البشير في هذه المرحلة من الحرب الأهلية ستكون بمثابة رسالةٍ تحذيرية للأسد حول ما يمكن أن يحدث له في حال تنحيه عن السلطة. ونظراً لدوران المحادثات الدبلوماسية الأخيرة لإنهاء الصراع السوري إلى حدٍّ كبير حول تخلّي الأسد عن رئاسته، فإن رؤية البشير في المحكمة قد يجعل الأسد أكثر تمسكاً بالسلطة.

وتعتبر المشكلة الثانية مشكلة إدراك. فإخضاع البشير للمحاكمة في دن هاخ يعني تعاون الحكومة العسكرية التي تولت أمور البلاد مؤخراً. إلا أن البشير كان عنكبوتاً وسط شبكة بالغة التعقيد بحسب وصف الخبير الأكاديمي المختص في شؤون السودان أليكس دي وال. ومن المؤكد تورّط جزءٍ من الحكومة الجديدة على الأقل فيما اقترفه البشير من جرائم. ومن الناحية التاريخية، يعني التعاون حاجة المحكمة إلى الاتفاق بشكلٍ ضمني مع الحكومة الجديدة على عدم محاكمة أعضائها.

ويشير كاكياتوري في هذا الجانب إلى وجود سابقة غير مريحة على هذا المستوى. إذ ما تزال ذكرى لويس مورينو أوكامبو، المدّعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية، وتعامله مع حكومة يويري موسيفيني الأوغندية حيةً إلى يومنا هذا. وكان الشغل الشاغل في ذلك الوقت الوقوف على الحياد. وكما أشار مارك كيرستين، فإن هذه القضية تعبّر عن تجاهل المحكمة الجنائية الدولية للجرائم التي ارتكبتها الدولة. وبطبيعة الحال، فإن المحكمة ما تزال بحاجة إلى التعافي من هذا الحادث.

وعلى هذا النحو، فإنه من الصعوبة بمكان معرفة الوضع الذي ستستقر عليه المحكمة الجنائية الدولية. إذ يبدو أن النفوذ الذي ما تزال تحتفظ به الدول على المحكمة يشكّل عقبةً كبيرةً أمام محاكمة رؤساء الدول أثناء توليهم لمناصبهم. وتتمثل سلطتهم تحديداً في مدى رغبتهم في التعاون من عدمها.

وبهذا المعنى، فإن المحكمة الجنائية الدولية تتواجد في وضع خاسر على أي حال.

ويختم كاكياتوري مقالته بالتالي: “لسوء الحظ، من المستبعد أن تساهم التطورات المحيطة بأيّ من القضايا المرفوعة بحق البشير في حلّ هذه المشكلات. ومن المرجح أن تقوم هذه التطورات بتسليط الضوء بشكلٍ أكبر على القضايا الإشكالية المترتبة على وضع البشير”.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: GIANLUIGI GUERCIA ©AFP | GIANLUIGI GUERCIA ©AFP | John WESSELS ©AFP

ملف التحديث الإقليمي COVID-19

احصل على آخر تحديث عن تفشي فيروس كورونا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تطورات فيروس كورونا

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!

  • تحدياتٌ كثيرة تعزّز من صعوبة فرض حظر السلاح في ليبيا

    يقتضي حدوث هدنة مستقرة في ليبيا لإرساء نظام كفء وفعَّال لحظر الأسلحة. ومن المستبعد أن يشهد الشعب الليبي – المستفيد النهائي – أي تحسن في القريب العاجل. إذ أدَّت سنوات من التدخل الدولي إلى وجود العديد من الدول التي تملك مصالح راسخة في ليبيا، ولا أحد على استعداد لتحمل الخسائر حالياً.
  • الشرق الأوسط أكثر اضطراباً من أي وقتٍ مضى

    مع كلّ أسف، قد تزداد هذه التطورات سوءاً حتى ظهور جيلٍ جديد من القادة يحاول بجدّية الالتزام بحلّ هذه النزاعات بطريقةٍ إنسانية وعادلة لضمان دوام الاستقرار.
  • آن الأوان لإنهاء نظام المحاصصة الطائفية مع استمرار الاحتجاجات

    تحتاج مؤسسات تقاسم السلطة إلى تفكيك ما يعيشه لبنان من حالة تفسيرٍ ضيّقة للنص. وتمثّل هذه الاحتجاجات لحظة مفصلية لبدء حوارٍ وطني عن كيفية توسيع أسس احتواء الجميع في الحياة السياسية اللبنانية. المحتجون استطاعوا حتى هذه اللحظة التضامن مع بعضهم البعض، متجاوزين بذلك حدود الطائفية والطبقية والجندرية وهو ما كان مستحيلاً في السابق. وقد يكون هذا التضامن طريق العبور إلى مستقبل ما بعد طائفي، سواءً أكان ذلك بنظامٍ يكفل تقاسم السلطة أو بدونه.