تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الجزائر في ظل جائحة فيروس كورونا: مسارٌ أكثر خطورة

Covid 19 algeria
محامون يهتفون خلال مظاهرة أمام محكمة الجزائر في العاصمةالجزائر في 27 سبتمبر 2020 ، مطالبين بـ “استقلال القضاء”. Photo: AFP

صوفيا أكرم

قلب فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) حياة الكثيرين في جميع أنحاء العالم رأساً على عقب، بيد أنه في الجزائر وضع البلاد على مسارٍ أكثر خطورة مما كانت عليه الأمور قبل الجائحة. واليوم، تحوم في الجمهورية العديد من الأسئلة حول القيادة الجديدة، بعد فترةٍ قصيرة من الانتخابات والاستفتاء الدستوري، فضلاً عن عواقب أخرى تتعلق بمستقبل البلاد من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

عانت الدولة الواقعة في شمال افريقيا من اضطراباتٍ سياسية منذ فبراير 2019 في أعقاب اندلاع احتجاجاتٍ مناهضة لولايةٍ خامسة لرئاسة عبد العزيز بوتفليقة.

وبالرغم من تنحي قائد جبهة التحرير الوطنية في أبريل 2020 ، إلا أن المظاهرات استمرت مطالبةً بكبح جماح الشبكة ذاتها من النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية المُبهمة، والمعروفة باسم “السلطة،” ومنعها من إدارة الحكومة.

ولإرضاء أولئك الذين يقودون الحراك، وعدت الحكومة بإجراء انتخاباتٍ تلاها تعديلٌ دستوري، إذ يرى الكثيرون أن مثل هذه التدابير لم تكن سوى تدابير سطحية لم تُسفر عن تغيير حقيقي للشعب الجزائري. وعلاوةً على ذلك، دفعت جائحة كورونا البلاد في أزمةٍ أعمق وحالة من عدم اليقين، مما أدى إلى تفاقم التصدعات الموجودة بالفعل في المجتمع الجزائري.

ومن الجدير بالذكر أن حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا تجاوزت الـ85000 حالة، كما سجلت أكثر من 2400 حالة وفاة مرتبطة بفيروس كورونا منذ بدء إنتشار الوباء، بينما أصيب زعيم البلاد نفسه، الرئيس عبد المجيد تبون، بالفيروس.

أدخل تبون إلى مستشفى في ألمانيا في 28 أكتوبر 2020 لإجراء “فحوصات طبية معمقة،” وذلك بحسب مصادر رسمية بعد إصابته بفيروس كورونا بعد تفشي الوباء بين مساعديه. منذ نهاية نوفمبر 2020 لم ترد أي أنباءٍ عنه.

Abdelmadjid Tebboune
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. Photo: RYAD KRAMDI / AFP

ترك هذا الغياب والشك فراغاً يذكرنا بغياب بوتفليقة بعد تعرضه لجلطةٍ دماغية عام 2013 أجبرته على البقاء في أحد المنشآت الفرنسية للعلاج لمدة 80 يوماً، مما ترك البلاد بلا حكم على عكس الإملاءات الدستورية.

وعليه، شكك البعض بمصداقية الرسائل الواردة من المكتب الرئاسي، الذي لم يقدم سوى تحديثاتٍ غامضة حول علاجه. يُعتقد أيضاً أن ما يُسمى بـ”الحيلة الدعائية” في الأول من نوفمبر2020، اليوم الذي شهد آخر استفتاءٍ تجريه البلاد والذي شاركت فيه زوجة الرئيس بالإدلاء بصوتها، يهدف إلى الإشارة أيضاً أنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق.

وبحسب ما قاله الخبير السياسي الجزائري محمد هناد لوكالة فرانس برس “فإن الغياب الطويل لـ(تبون) بسبب المرض، وبرتوكولات الإعلام ذات اللغة الخشبية يُشيران إلى أن الرئيس مريض فعلاً.”

ومع ذلك، وبحسب الدستور الجزائري في حال وجود “مانع مؤقت” لمدة أقصاها 45 يوماً يوجب ذلك استقالة الرئيس وتعيين رئيس مؤقت.

علاوةً على ذلك، لم يُفصح أحدٌ من مكتب الرئيس ما إذا كان تبون ما يزال لائقاً للحكم، مما يزيد من حالة عدم اليقين المقترنة بالوضع غير المستقر أصلاً في البلاد. بيد أن آخر الأخبار الواردة في 30 نوفمبر 2020 أشارت إلى أن تبون فد يعود إلى البلاد في الأيام القليلة المقبلة بعد استكماله العلاج من فيروس كورونا.

وعلى صعيدٍ متصل، فقد عانى الاقتصاد الجزائري لبعض الوقت وذلك في ظل الآثار المركبة الناجمة عن سنواتٍ من الخيارات الاقتصادية السيئة.

ومن المقرر أن تنخفض احتياطيات النقد الأجنبي من ما كانت عليه عام 2019 حيث بلغت 60 مليار دولار إلى 44 مليار دولار بنهاية عام 2020. وتوقع صندوق النقد الدولي انكماشاً بنسبة 5,2% في الناتج المحلي الإجمالي في 2020. كما أن أي ضربةٍ أخرى لأسعار النفط سيكون لها أثرٌ إضافي على عائدات الحكومة.

تمنح هذه التوقعات البلاد القليل من الموارد لمكافحة ويلات الوباء، الذي لن يؤثر على القطاع الصحي فحسب، بل أيضاً سيلقي بثقلٍ على البنية التحتية الاجتماعية في بلدٍ ترتفع فيه نسب البطالة بين الشباب بالفعل.

لمواجهة هذه الآثار، أعلنت الحكومة عن تجميد ضرائب الشركات وتأجيل سداد القروض، ولكن في ظل تحويلاتٍ نقدية تعادل 80 دولاراً للأسر ذات الدخل المنخفض، بالكاد سيكون لهذه التدابير أي تأثير يذكر على شريحة كبيرة من السكان. بالمجمل، يمكن أن تؤدي إلى حرمانٍ أوسع من الحقوق، بل إن هذا النوع من القلق الاجتماعي ما حشد عناصر الحراك في المقام الأول.

ففي الوقت الذي تعرض فيه الحراك للقمع منذ صعوده، إلا أن السلطات باتت تتحلى بما يكفي من الحكمة لإظهار ضبط النفس والامتناع عن أي ردٍ عنيف.

ومع ذلك، تحت ستار القيود الصحية، استخدمت تدابير الإغلاق لسحق المعارضة الشعبية من خلال زيادة الاعتقالات التعسفية ومراقبة المعلومات.

ففي شهر أبريل 2020، وقع تبون على قانونٍ لتجريم “نشر الأخبار الكاذبة،” ليعاقب مرتكب المخالفة بغرامة قدرها 3,900 دولا والسجن لخمس سنوات. ومن الواضح أن التشريع الأخير يستهدف على وجه الخصوص منتقدي الحكومة، إلا أنه أيضاً يستهدف أعضاء الحراك.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن تدهور حالة حقوق الإنسان في الجزائر قد لفت إنتباه البرلمان الأوروبي الذي أولى إهتماماً خاصاً للحكم الصادر بحق الصحفي خالد درارني في سبتمبر 2020؛ القضية التي تسلط الضوء على تزايد القمع لدوافع سياسية.

عندما وصل تبون إلى السلطة، كان يهدف إلى استرضاء أجزاء من البلاد من خلال وعود بالإصلاح؛ حيث استغل أداة إجراء الاستفتاء الذي تم تجربته واختباره ولكن لم يحظى بتأييد واسع بشأن التعديلات المقترحة على الدستور الجزائري.

وبدلاً من إضفاء الشرعية على الحكومة، إذ كان هذا هدفها المنشود، فشلت الحكومة في تحقيق أكثر من 23% من الإقبال الذي يعدّ مستوى قياسي منخفض لأي استفتاء. ومن بين الذين صوتوا، أيد ما نسبته 66,8% التعديل الدستوري بالتصويت بـ”نعم.”

جرت عملية التصويت في يومٍ يحمل رمزية تاريخية في الأول من نوفمبر الذي يصادف ذكرى حرب الاستقلال الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي عام 1954، مما عقد مقارناتٍ مع “يوم التحرير.”

فقد قال رئيس المجلس الدستوري كمال فنيش إن عملية التصويت كانت “شفافة” وتمت “في ظروفٍ جيدة،” وباتت توصف اليوم بأنها ركيزة “جمهورية جديدة” أو”جزائر جديدة.”

ومع ذلك، استنسخت العملية الكثير من الأساليب القديمة للتعديلات الدستورية في عهد بوتفليقة، حيث عيّن تبون أعضاء اللجنة الموكل إليها صياغة النص.

فقد استبقى الدستور الناتج عن الاستفتاء على موقع الرئيس المهيمن، ويحفظ لهم وحدهم سلطة الشروع في تغيير دستوري. كما يقول المعلقون إن تعديلات المواد الأخرى ظاهرية وبالكاد تنطوي على أي قيمةٍ تذكر بالنسبة للشعب الجزائري.

فقد أثبتت حملة القمع التي تستهدف الصحفيين والمتظاهرين أن التعديل الدستوري لحماية الحريات لا يولى له سوى القليل من الاعتبار، تماماً كحال سابقيه.

ومع الوضع الصحي الغامض للرئيس، وبحلول الـ12 من ديسمبر 2020، يبقى أن نرى ما إذا كان سيتم تطبيق المادة 102 من الدستور.

وفي حال حصل ذلك، سيتولى صلاح قوجيل، رئيس المجلس التشريعي (الأمة) بالإنابة والبالغ من العمر 89 عاماً، منصب الرئيس بشكلٍ مؤقت إلى حين إجراء إنتخاباتٍ جديدة.

وفي هذا الصدد يجدر بنا ذكر أن إقبال الناخبين الجزائرين قد شهد ترجعاً حتى قبل الإقبال الهزيل على المشاركة في الإستفتاء الأخير، إذ لم يتم إضفاء الشرعية على إنتخاب تبون إلا بنسبة 40% من السكان.

سيتم الإشراف على الخطوات التالية من قبل المحكمة الدستورية التي ستحل محل المجلس الدستوري الفاقد للمصداقية، على الرغم من أن الرئيس في هذا الهيكل الجديد يتمتع بقدرٍ أكبر من الإشراف على تعيين أعضائه.

وإن كانت الأمور سيئةً قبل إنتشار الوباء، فهي بلا أدنى شكٍ أسوء بكثيرٍ الآن. وقد يعني هذا تجدد الاحتجاجات بمجرد رفع القيود، فمطالب الحراك لم يطرأ عليها أي تغيير، بما في ذلك فصل الجيش عن الحكومة، والإفراج عن السجناء السياسيين، وانتخاب جمعية تأسيسية، وهي مطالب من غير المرجح أن يلبيها النظام.

وبالتأكيد، هناك معسكرٌ في الجزائر لا يرى أي تقدمٍ يذكر على يد الحراك، مطالباً بأساليب جديدة لإحداث التغيير من خلال إقامة روابط رسمية مع الدوائر السياسية أو من خلال المجتمع المدني والنقابات.

وهناك رأيٌ آخر مفاده أن الوباء يجهد “رأس المال البشري والبنية التحتية” للنظام، مما قد يجعل من الصعب إخماد انتفاضة أوسع وأكثر حدة.

الشيء الوحيد المؤكد هو أن مستقبل الجزائر بعيدٌ كل البعد عن الوضوح.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

في هذه المقالة: الجزائر | التاريخ | شؤون الساعة