الصفحة الرئيسية / وحشية نظام الأسد لا تغطي على عدم قانونية الضربة الجوية وطابعها الحزبي

وحشية نظام الأسد لا تغطي على عدم قانونية الضربة الجوية وطابعها الحزبي

Translation- Donald Trump
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوجه خطاباً للشعب الأمريكي من البيت الأبيض في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي حول سوريا يوم 13 إبريل 2018. وأكد ترامب في هذا الخطاب تنفيذ الضربة الجوية. المصدر: AFP.

نشر موقع “The Conversation” مؤخراً مقالة سلّطت الضوء على الضربة الجوية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا ردّاً على مزاعم استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية في مدينة دوما السورية خلال شهر إبريل الماضي.

المقالة التي قام بكتابتها كلٌّ من إيمي ماغواير، كبيرة محاضري القانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة نيوكاسل، وجايسون فون ميدينغ، كبير محاضري الحد من مخاطر الكوارث في نفس الجامعة، استعرضت مدى توافق هذه الضربة الجوية مع ميثاق الأمم المتحدة، بالتزامن مع كشف النقاب عن دخول الضربة في أتون الصراعات الحزبية الداخلية التي تشهدها واشنطن ولندن وباريس.

وتبدأ المقالة بالإشارة إلى تقبّل وسائل الإعلام البارزة لما ساقته الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وبريطانيا من مبرّراتٍ إنسانية للضربات الجوية الانتقامية التي تم توجيهها لنظام بشار الأسد في سوريا.

ويستشهد ماغواير وفون ميدينغ بتحليل الصحفي آدم جونسون لما قامت به وسائل الإعلام الأمريكية من تغطية لهذا الحدث، حيث لفت جونسن إلى تعامل “الصحف الرئيسية مع الجزء الأكبر من فرضيات الحرب كأمرٍ مسلّم به – وبشكلٍ خاص حق الولايات المتحدة الأمريكية القانوني والأخلاقي في خوض هذه الحروب – ليقتصر دور هذه الصحف ببساطة على تحليل التفاصيل”.

وبحسب صاحبي المقالة، فإن هذه الضربة العسكرية الجوية تم شنّها دون نشر دليل على مسؤولية سوريا عن الفظائع المزعومة في دوما، وذلك على الرغم من ظهور تقارير تلقي بظلالٍ من الشك على الرواية الرسمية “الأمريكية”.

وبصرف النظر عن تلك التقارير، فقد طُلب القيام بعملٍ سريع، وهو ما تم تنفيذه على وجه السرعة. ولم يحصل فريق مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إلا الآن على فرصة الوصول إلى “الحقائق المرتبطة بمزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية في دوما”.

الضربات غير قانونية بموجب القانون الدولي

يلفت صاحبا المقالة النظر إلى اعتماد القادة الفرنسيين والبريطانيين، فيما صدر عنهم من تصريحات، على مبرراتٍ خطابية مماثلة لتلك التي أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وزعم الرئيس إيمانويل ماكرون أن سوريا مسؤولة دون أدنى شك عن شن هجومٍ كيماوي على المدنيين، وذلك في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وقال ماكرون: “لا يمكننا تحمّل عبثية الأسلحة الكيماوية، خاصةً وأن هذه الأسلحة تشكّل خطراً مباشراً على الشعب السوري وعلى أمننا الجماعي”.

وبدورها، وافقت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي على هذا الطرح، حيث قالت: “لا يمكننا السماح بتآكل القاعدة الدولية التي تحول دون استخدام هذه الأسلحة”. واعتبرت ماي أن العامل الرئيسي للقيام بالعمل العسكري المشترك يتمثل في عدم وجود إجماع في مجلس الأمن الدولي على القيام بذلك.

وأضافت ماي: “علاوةً على ذلك، قام الروس خلال هذا الأسبوع باستخدام حق النقض للحيلولة دون صدور قرارٍ عن مجلس الأمن الدولي يؤدي إلى تأسيس لجنة تحقيقٍ دولية حول الهجوم الذي تعرضت له دوما. ولذلك، لم يكن هناك أيّ بديلٍ عملي لاستخدام القوة بهدف تحطيم وردع استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية”.

ويتضمن ميثاق الأمم المتحدة حظراً لإطلاق التهديدات أو استخدام القوة ضد دولةٍ أخرى. وتنحصر استثناءات هذه القاعدة من القانون الدولي في التالي:

• بموجب المادة 51 من الميثاق، تحتفظ الدول بحق الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلّح.
• بموجب الفصل السابع من الميثاق، قد يجيز مجلس الأمن استخدام القوة العسكرية لاستعادة السلم والأمن الدولي، إذا ما فشلت الإجراءات غير القسرية.

ونشرت الحكومة البريطانية ملخصاً أكدت فيه على شرعية الضربة الجوية على سوريا باعتبارها من الممارسات التي تدخل في إطار “التدخل الإنساني” (والتي تستند فعلياً على عقيدة “مسؤولية الحماية”، دون الإشارة إلى ذلك بطريقةٍ صريحة).

وتمثلت الحجة في حقّ المملكة المتحدة وحلفائها باستخدام القوة ضد سوريا لـ:

• وجود دليل مقنع على وجود ضائقة إنسانية حادة وواسعة النطاق؛
• عدم توافر أي بديل عملي لاستخدام القوة بهدف إنقاذ الأرواح؛ و
• تناسب استخدام القوة كردٍّ محدود الزمن للتخفيف من المعاناة الإنسانية.

بيد أن عقيدة “مسؤولية الحماية” لا تشكّل قاعدة قانونية جديدة يمكن من خلالها استخدام القوة. ولا تتيح هذه العقيدة استخدام القوة إلا من باب “التدخل الإنساني” في إطار أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفي حالة وقوع الجرائم الدولية الخطيرة.

ويشير صاحبا المقالة في هذا السياق إلى إصدار حزب العمال المعارض في المملكة المتحدة لرأيه القانوني المتناقض بشكلٍ حاد مع الحكومة البريطانية، حيث شدّد هذا الرأي على عدم قانونية الضربات.

ضربات غير قانونية ولكن شرعية؟

Translation- Nikki Haley
السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي أثناء التصويت في اجتماعٍ لمجلس الأمن عُقد نيويورك يوم 14 إبريل 2018. وفشلت روسيا في الحصول على دعم الأمم المتحدة لإدانة الضربة العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا ضد سوريا رداً على هجوم مزعوم تم فيه استخدام الأسلحة الكيماوية. المصدر: AFP.

لم يطالب الحلفاء المسؤولين عن الضربة الجوية بالحصول على تفويض صريح بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وبحسب ماغواير وفون ميدينغ، فقد تمثّل هدف هؤلاء الحلفاء في تأسيس شرعية لهذه الضربة عوضاً الاستناد إلى الميثاق. وحازت هذه المقاربة على تأييد الاتحاد الأوروبي ورئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تيرنبول.

وبحسب ما ذكره ترامب، فقد قامت “بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بحشد قوتها الصالحة في مواجهة البربرية والوحشية”.

وأضاف ترامب في إحدى تغريداته على موقع “تويتر”: “تم تنفيذ الضربة بشكلٍ مثالي ليلة أمس. شكراً لفرنسا وللمملكة المتحدة على ما لديهما من حكمة وقوة عسكرية. لا يمكن الحصول على نتيجةٍ أفضل. لقد تم إنجاز المهمة!”

ويرى صاحبا المقالة أنه لا يمكن غفران ما أظهره نظام الأسد من وحشية، مشيرين إلى أن أحد الأهداف الأساسية للنظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية يتمثل في إنقاذ البشرية من “ويلات الحرب” ودعم حقوق الإنسان.

ويلفت ماغواير وفون ميدينغ في مقالتهما إلى بعد النظام القانوني الدولي عن المثالية، في ظل إخفاقه في حماية الناس المنتشرين في جميع أنحاء العالم من الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

وشهدت سوريا قتل مئات الآلاف من الناس على مدار سبع سنوات من الحرب الأهلية، في الوقت الذي بات فيه ملايين الناس من اللاجئين المقيمين خارج سوريا أو من النازحين والمهجرين المقيمين داخل هذه الدولة. ودفعت الطبيعة المعقدة لهذا الصراع المراقبين للتوقف عن تقدير عدد القتلى.

ومع ذلك، لا بد من التصدي للمخاطر الناتجة عمّا يتم بذله من جهود لوضع أساس بديل للعمل العسكري، بخلاف ما هو قانوني في الوقت الحاضر.

وبحسب ماغواير وفون ميدينغ، فإن الإطار القانوني الحالي سيصاب في مقتل إذا ما أتيح للدول تحديد الوقت الذي ينبغي فيه استخدام القوة خارج هذا الإطار. وهنا، لا بد من طرح التساؤلات حول كيفية ضمان اتساق الرد وحول نوع المعايير التي يمكن الاعتماد عليها للتمييز بين الأنظمة الخيّرة و”المارقة.

وعلى هذه الأرضية، فقد قام جيرمي كوربين، زعيم المعارضة في المملكة المتحدة، باستخدام هذه الأسس لمواجهة رئيسة الوزراء ماي. وقال كوربين: “هل تستدعي الأزمة الإنسانية الحاصلة في اليمن أن تعطي الدول لنفسها حقّ ضرب المواقع السعودية في اليمن، خاصةً في ظل استخدام (الرياض) للقنابل العنقودية والفوسفور الأبيض؟”.

ومن المهم في هذا السياق معرفة أن المملكة العربية السعودية تعتبر من أبرز العملاء صناعة الأسلحة البريطانية. وبحسب منظمة “طفل الحرب المملكة المتحدة”، فقد وصل ما حصلت عليه المملكة من مبيعات إلى 6 مليار جنيه إسترليني منذ بدء الصراع في اليمن. وكانت المملكة المتحدة قد رفضت دعم تحقيق تقوم به الأمم المتحدة حول المزاعم المرتبطة بجرائم الحرب السعودية في اليمن.

وفي هذه الأثناء، فإن هناك مزاعم بوجود جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في ميانمار والفلبين وإسرائيل وغيرها من الدول، دون أن تستدعي هذه المزاعم نوع “التدخل الإنساني” الذي تم تنفيذه في سوريا.

تدخّل إنساني أو تغيير للنظام

اعتبر جيرمي كوربين أن الدبلوماسية هي الطريقة المعقولة الوحيدة التي يمكن استخدامها للمضي قدماً نحو الأمام. وبحسب ما يراه كوربين، لا ينبغي أن تكون سوريا مسرحاً لحربٍ تحظى فيها أجندات الأطراف الخارجية بالأولوية.

وبحسب صاحبي المقالة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تطلعت منذ فترةٍ طويلة لتغيير النظام في سوريا، حيث كثّفت من رعايتها لجماعات المعارضة منذ عام 2009.

وتتبع روبرت كينيدي الابن تاريخ التدخل الأمريكي في سوريا منذ التورّط الأول لوكالة الاستخبارات الأمريكية هناك في عام 1949. وبحسب ما يراه كينيدي، فإن هذه حربٌ نفطية أخرى، مشيراً إلى وجود تدخّل أوسع في الشرق الأوسط. وقال كينيدي: “لم يربح سوى المقاولون العسكريون وشركات النفط التي حقق أرباح تاريخية، ووكالات الاستخبارات التي نما نفوذها وقوتها بشكلٍ كبير على حساب حرياتنا والجهاديون الذين استخدموا على الدوام تدخلاتنا كأكثر الأدوات فعاليةً لتجنيد الناس”.

وتعتبر العلاقة بين سوريا وإيران من الجوانب المحورية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي على هذا المستوى. وبدا وكأن نيكي هايلي، سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، قد قالت إن أحد شروط الانسحاب الأمريكي يتمثل في توقف إيران عن التعامل كحليفٍ لسوريا.

وفي الوقت الذي تحدّق فيه الولايات المتحدة بثبات في وجه إيران وروسيا، فإن المنطق الكامن وراء “التدخّل الإنساني” يمكن ويجب انتقاده بشدّة.

  • دول شمال إفريقيا أمام تحديات كبرى بعد عودة المقاتلين الأجانب إليها

    قامت دول شمال إفريقيا حتى الآن بتبني مقاربة قانونية ساحقة تجاه المقاتلين الأجانب العائدين. وبات لدى معظم الدول (باستثناء ليبيا) أطراً قانونية لمقاضاة المقاتلين الأجانب تتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2178 الصادر في عام 2014، والذي دعا الدول لاتخاذ الخطوات الكفيلة بمعالجة ظاهرة المقاتلين الأجانب. وتستند معظم هذه الأطر القانونية إلى مقاضاة الانضمام إلى الجماعات الإرهابية خارج البلاد. وعلى هذا النحو، سيتم اعتقال المقاتلين الأجانب العائدين الذين يتم اكتشافهم على النقاط الحدودية الرسمية.
  • المظاهرات الأردنية: إعادة النظر في الربيع العربي ووضع معيار جديد

    أودى تدهور جودة الخدمات العامة وظروف سوق العمل، وتنامي عدم رضا الناس عن الفساد المرتبط بعدم قدرتهم على العمل دون الوساطة، أي دون التمتع بعلاقات وروابط مع النخب القوية العاملة في السياسة وقطاع الأعمال… وفي الوقت الذي أثّرت فيه هذه المظالم بشكلٍ سلبي على مستوى رضا الناس عن حياتهم، فقد كانت من الأعراض المرتبطة بانكسار العقد الاجتماعي. وعلى أية حال، فإن إرادة الملك عبد الله وقدرته على تطبيق التغيير باتت على المحك
  • إسرائيل تصب اهتمامها على العلاقات العامة لا لبناء السلام في الشرق الأوسط

    من الواضح أن إسرائيل تحافظ على خللٍ كبير في توازن القوة مع الفلسطينيين. وبرفض الدعوات التي وجهتها إسرائيل لهم ليكونوا من أدوات العلاقات العامة المحتملة، فإن هؤلاء الفنانين يرفضون الإسهام في اختلال توازن القوة الذي يشكّل عقبةً كبيرة في وجه السلام.