فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان: فرصة الاتحاد الإفريقي لتحسين دعمه للدول المتأزمة

السودان: فرصة الاتحاد الإفريقي لتحسين دعمه للدول المتأزمة

Translation- African union
مبعوث الاتحاد الإفريقي إلى السودان محمد الحسن لبات على هامش فعاليات مؤتمرٍ صحفي عقده في العاصمة السودانية الخرطوم يوم ١٣ يونيو ٢٠١٩. المصدر: AFP. ©AFP ⁃ Ashraf SHAZLY

نشر موقع “The conversation” مقالةً سلطت الضوء على تعامل الاتحاد الإفريقي مع الأحداث الجارية في السودان وما قدمه من حلولٍ مرنة لتخطي التعقيدات التي تعيشها هذه الدولة. ويقوم صاحب المقالة آدم أبيبي، محرر موقع “ConstitutionNet” والمحاضر البارز في المعهد الدولي للديمقراطية والدعم الانتخابي بجامعة بريتوريا في جنوب إفريقيا، باستعراض ما يواجهه الاتحاد الإفريقي من وضعٍ معقد أثناء التعامل مع الاحتجاجات الشعبية وما تلاها من استيلاء الجيش على السلطة في السودان. كما يقدّم أبيبي طرقاً مختلفة يمكن أن يساعد بها الاتحاد السودان على نقل السلطة إلى حكومة مدنية، ابتداءً برعاية الحوار بين الأطراف الرئيسية، وانتهاءً بتوفير ميسرين وخبراء دستوريين لمساعدة السودانيين في وضع تفاصيل النص الدستوري المؤقت.

وقام مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الإفريقي بتعليق عضوية السودان في كل أنشطته “حتى تتشكل سلطة انتقالية مدنية”.

كما هدد الاتحاد باتخاذ تدابير عقابية ضد الأفراد والمؤسسات التي تعيق تشكيل سلطة انتقالية مدنية. وأمهل الاتحاد المجلس العسكري الانتقالي السوداني، الذي أشرف على عملية إطاحة عمر البشير في أبريل الماضي، ٦٠ يوماً لإتمام تشكيل الحكومة الانتقالية.

وجاء قرار الاتحاد بتعليق العضوية في أعقاب فض الاعتصامات التي دامت قرابة الشهر بطريقةٍ وحشية، حيث أسفر العمل العسكري عن مقتل ما يزيد عن مئة متظاهر.

وقبل عمليات القتل التي شهدتها عملية فض الاعتصامات، قام المجلس العسكري الانتقالي بإلغاء جميع الاتفاقات المؤقتة مع قوى “إعلان الحرية والتغيير”، وهو التحالف الذي يتفاوض مع المجلس نيابةً عن المتظاهرين. كما علّق المجلس المفاوضات، وأعلن عن خطط تتضمن إجراء انتخابات في غضون تسعة أشهر.

وقام رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي وعدد من الدول الغربية بإدانة الهجمات التي تم تنفيذها بحق المتظاهرين المدنيين. كما تمت المطالبة بضبط النفس وبإجراء تحقيق مستقل في الموضوع.

ويرى الكاتب أن قتل المتظاهرين يدل على التعثر في تشكيل حكومة انتقالية مدنية، ويكشف إحجام المجلس العسكري عن تسليم السلطة. ويعد هذا الشرط المسبق الذي وضعه مجلس السلام والأمن الإفريقي لتأجيل التعليق الكامل لعضوية السودان، وهو الإجراء الذي عادةً ما يُتخذ فوراً.

وضع معقد

على الرغم من تعامل الاتحاد الإفريقي مع الإطاحة بالبشير في أبريل الماضي باعتباره انقلاباً عسكرياً، إلا أنه أقر بشرعية الاحتجاجات الشعبية التي سبقت تدخل الجيش. ونتيجةً لذلك، أمهل الاتحاد المجلس العسكري في البداية أسبوعين لتشكيل حكومة مدنية انتقالية، ثم مدّ المهلة لاحقاً لتصبح ٦٠ يوماً.

لكن الظروف التي تسببت في حسن الظن بالمجلس العسكري سابقاً قد تبددت بسبب الفض الوحشي للاعتصامات. وعلى هذا النحو، اتخذ الاتحاد الإفريقي قراراً مبرراً بإنهاء المهلة المحددة. ولو تصرف الاتحاد بأي طريقة أخرى، لقوّض ذلك مبادئه الراسخة ضد الانقلابات العسكرية وأولوية الحكم المدني لديه.

واستقر الاتحاد الإفريقي في عمله على التعليق الفوري لعضوية البلاد التي تشهد انقلابات عسكرية، تماشياً مع ما جاء في إعلان لومي لعام ٢٠٠٠. إلا أن تعامله مع الانقلابات العسكرية في بوركينا فاسو عام ٢٠١٤، وزيمبابوي عام ٢٠١٧، والسودان في عام ٢٠١٩، أظهر التحديات الناجمة عن وصول العسكريين إلى السلطة لدعم الانتفاضات الشعبية.

ففي حالة بوركينا فاسو، حقق تدخل الاتحاد نجاحاً ملحوظاً حين تم إنذار الجيش لتسليم السلطة للمدنيين. وشجع ذلك على اتخاذ الإجراء نفسه في حالة السودان. ومع ذلك، لم يحقق هذا الإجراء الغرض المطلوب منه حتى هذه اللحظة.

Translation- Protests sudan
متظاهرون سودانيون أثناء تقدمهم باتجاه مقر الجيش في العاصمة الخرطوم يوم ٦ إبريل ٢٠١٩. المصدر: AFP.

لكن ذلك لا يجب أن يثني الاتحاد عن اتخاذ تدابير مماثلة في المستقبل. وقد ينطوي ذلك على تعليق غير فوري خاصة في الحالات التي ينحاز فيها الجيش للاحتجاجات الشعبية ضد المستبدين.

ويرى الكاتب أن الاتحاد الإفريقي لجأ لحلولٍ مبتكرة ومرنة بمنح مهلة زمنية تتيح الانتقال إلى حكم مدني، وهذا يقرّ بشرعية المعارضة الشعبية ضد الأنظمة الاستبدادية. ويحاول الاتحاد في سعيه هذا عدم الإخلال بسياسته الحازمة تجاه الانقلابات العسكرية.

ويبرز ذلك النهج التزام الاتحاد بأولوية التدخل في مقابل المواجهة. ويضمن الانتقال السريع للسلطة من الجيش إلى حكومة مدنية.

تعليق وليس إقصاء

أدان رئيس الاتحاد الإفريقي قتل المدنيين، ليؤكد بذلك على عزم الاتحاد في التدخل ودعم الشعب السوداني. وأشار مجلس السلام والأمن أيضاً إلى أن السودانيين هم وحدهم المعنيون بتقرير مصيرهم.

كما يعارض المجلس أي تدخل خارجي، في إشارةٍ محتملة إلى الدعم المزعوم الذي يتلقاه المجلس العسكري السوداني من مصر والإمارات والسعودية.

ويتضمن هذا التأكيد على أحقية السودانيين بقيادة المرحلة الانتقالية التشديد على أولوية المبادرات الإفريقية التي يقدمها الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية. كما يدعو إلى رفع مستواها حتى تُحل الأزمة. ولذلك، أكد مجلس السلام والأمن على أهمية اجتماع كل الأطراف المعنية للحوار بهدف تشكيل سلطة انتقالية مدنية بسرعة.

كما طلب المجلس من رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بذل كل ما في وسعه لتسهيل إجراء حوار بين الأطراف السودانية الرئيسية. ودعا الجيش منذ ذلك الحين إلى استئناف المحادثات، إلا أن الرد الأولي لممثلي المحتجين كان رفض هذه الدعوة.

ويكمن التحدي الآن في إقناع المحتجين بأن قضيتهم لم تضع هباءً، وهو ما قد يتطلب تقديم الجيش تنازلات واضحة، ناهيك عن التأكيد على التزامه بإنجاز عملية انتقالية بقيادة مدنية.

وقد يكون تعليق عضوية السودان عاملاً مؤثراً في هذا السياق.

وتُعدّ سياسة التعليق مع استمرار المشاركة ضروريةً لتمكين الانتقال السريع نسبياً إلى حكم مدني. ولكن قد لا يكون تسهيل الحوار كافياً للخروج من المأزق الحالي، فتشكيل حكومة انتقالية سينطوي على صعوبات وتعقيدات في الهيكلة المؤسسية واعتماد إطار دستوري مؤقت.

مساعدة قارية

تم تعليق دستور السودان المؤقت، الذي اعتُمد في عام ٢٠٠٥، في أعقاب استلام الجيش للسلطة في أبريل من عام ٢٠١٩. ويعني هذا ضرورة وجود إطار دستوري انتقالي لإضفاء الشرعية على ممارسة السلطة. وكان المجلس العسكري قد أصدر بالفعل مسودة وثيقة دستورية لاعتمادها أساساً لحكومة انتقالية، وذلك رداً على مسودة أولية أعلنها ممثلو المحتجين. إلا أن الاتفاق على تفاصيل هذا الإطار ما يزال بعيد المنال حتى الآن. ووصلت المحادثات إلى طريق مسدود قبل مقتل المتظاهرين هذا الأسبوع.

ولأن الخيارات الدستورية تُعدّ تعبيراً عن السيادة، فلا بد من أن يحسم هذه الخيارات السودانيون وحدهم وممثلو الشعب. ومع ذلك، يمكن للمفاوضين الاستفادة من الخبرات والتجارب الإفريقية والعالمية، ما قد يؤدي إلى توسيع أفق البدائل وتحسين فرص الوصول إلى حلول وسط.

ويجب أن يضم فريق الاتحاد الإفريقي المسؤول عن الملف ميسرين بارزين وشخصيات سياسية بارزة، بالإضافة إلى مجموعة منتقاة من الخبراء الدستوريين.

ويختم أبيبي مقالته بالتالي: “تُعدّ التحديات التي تطرحها الأحداث الجارية في السودان فرصةً عظيمةً للاتحاد الإفريقي ليحسّن نهجه في دعم البلدان المتأزمة، خاصةً عندما ينطوي الوضع على إصلاح دستوري”.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ Ashraf SHAZLY

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • العنف المنزلي في الشرق الأوسط

    كما لا ينبغي الاكتفاء بسن التشريعات فحسب، إذ يجب الحرص أيضاً على تنفيذ التشريعات التي تجرّم جميع أشكال العنف الممارس بحقّ المرأة، بما في ذلك ما يتم ارتكابه من عمليات اغتصاب تحت اسم الحياة الزوجية. وينبغي أيضاً إلحاق هذه القوانين بخططٍ مخصصة للقيام بإجراءاتٍ وطنية محددة على هذا المستوى.
  • لا آثار سلبية للاجئين السوريين على سوق العمل الأردنية

    تخلص نتائج البحث بصفةٍ عامة إلى أن توفير فرص العمل بصفةٍ قانونية للاجئين لا يعود بنتائج سلبية على سوق العمل المحلي. ومن المحتمل أن يلعب تدفق المساعدات الخارجية إلى الأردن للمساعدة في تلبية بعض احتياجات اللاجئين، ناهيك عن شروط الاتفاقية التي تضمنت دعم مالي وامتيازات تجارية ودعم توظيف الأردنيين، دوراً مهماً في خلق الطلب على العمالة بين الأردنيين. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية ضمان وجود الموارد الكافية والخدمات العامة الكفيلة بدعم اللاجئين والاقتصاد المضيف على حدٍّ سواء.
  • تنظيم "الدولة الإسلامية" في طريقه للعودة والغرب لم يتعظ من الدروس

    بات من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن الحركة في حالة تحوّلٍ بمعدلٍ أسرع بكثير مما كان متوقعاً، حتى وإن سعى الرئيس الأمريكي في الوقت ذاته إلى سحب القوات من أفغانستان والعراق وسوريا. قد يربح الرئيس على المدى القصير بعض المزايا السياسية، وقد يساعد ذلك حتى في إعادة انتخابه، لكننا في الواقع نعيش في حالة هدوءٍ نسبي ضمن صراعٍ طويل للغاية، حتى لو بقي القادة الغربيون على قناعة بأن القوة العسكرية هي الإجابة الصحيحة على هذه الإشكالية رغم الفشل المستمر في مواجهتها منذ 19 سنة.