فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / منظمات حقوق الإنسان تخوض صراعاً وجودياً مع تصاعد حضور “المجتمع المدني السيئ” في إسرائيل

منظمات حقوق الإنسان تخوض صراعاً وجودياً مع تصاعد حضور “المجتمع المدني السيئ” في إسرائيل

Translation- Separation Wall
مسيرة مشتركة لنشطاء سلام فلسطينيين وإسرائيليين على طول جدار الفصل الإسرائيلي بمدينة بيت جالا في الضفة الغربية بين بيت لحم والقدس. المصدر: AFP

نشر المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية دراسة مطولة سلّطت الضوء على ما تعيشه منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الليبرالية في إسرائيل من ضغوطٍ كبيرة وسط الحملات السياسية والإعلامية الممنهجة التي تشنها عليها منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية والأحزاب اليمينية. ويرى صاحب الدراسة الدكتور أمل جمال، رئيس برنامج الدراسات العليا الدولية في العلوم السياسية والتواصل السياسي ورئيس معهد “والتر ليباخ” للتعايش اليهودي – العربي المشترك بجامعة تل أبيب، أن المجتمع المدني في إسرائيل يعيش على أتون صراعٍ متنامٍ يعكس ما يعيشه المجتمع الإسرائيلي من توجهاتٍ واسعة النطاق. ويجري هذا الصراع بالتحديد بين القوى الاجتماعية المحافظة ذات النزعة القومية التي تشهد نمواً متواصلاً وبين المعسكر الليبرالي والإنساني المتراجع ممثلاً بمنظمات حقوق الإنسان.

وشهدت الأونة الأخيرة تصاعداً واضحاً في قوة منظمات المجتمع المدني المحافظة ذات النزعة القومية، إذ باتت هذه المنظمات تحصل على دعمٍ قوي من سياسيين يشغلون مناصب حساسة في الحكومة الإسرائيلية. وقادت هذه المنظمات الحملات السياسية والإعلامية العدائية ضد منظمات حقوق الإنسان، وبشكلٍ خاص في مواجهة تلك المنظمات الناشطة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين الذين يرزحون تحت نير الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وتحت الحصار في قطاع غزة. وتقوم منظمات المجتمع المدني المحافظة ذات النزعة القومية بتوجيه الاتهامات لمنظمات حقوق الإنسان بـ”عدم الوطنية والتعاون مع أعداء المجتمع والدولة”. وبحسب جمال، فإن هذه المنظمات المحافظة تعتمد على ثلاث إستراتيجيات للمضي قدماً بجدول أعمالها. وتكمن الاستراتيجية الأولى في نزع غطاء الشرعية عن منظمات حقوق الإنسان عبر الاعتماد على تكتيك “تحديد النشاطات والتشهير بها”. كما تقوم هذه المنظمات بقيادة حملات سياسية وإعلامية ممنهجة تهدف لربط منظمات حقوق الإنسان بالمنظمات الإرهابية. وتكمن الاستراتيجية الثانية في كم أفواه منظمات حقوق الإنسان عبر التشهير بالمؤسسات – التعليمية والثقافية والإعلامية – التي تقوم بدعوة هذه المنظمات للحديث مع جمهورها. أما الاستراتيجية الثالثة فتتمثل في قطع مصادر تمويل منظمات حقوق الإنسان عبر تنظيم أنشطة الضغط في الدول المانحة والضغط على الحكومات لإيقاف تمويل هذه المنظمات.

وبحسب صاحب الدراسة، لا يمكن أن يفوت أي مراقب للمشهد السياسي الإسرائيلي خلال السنوات القليلة الماضية ما يتم شنه من حملات قانونية وسياسية مدبرة بشكلٍ جيد ضد القوى الاجتماعية الليبرالية ومنظمات حقوق الإنسان في إسرائيل. وترتبط هذه الحملات، التي يقودها ائتلاف مكوّن من منظمات المجتمع المدني المحافظة ذات النزعة القومية وأبرز السياسيين والأحزاب السياسية الممثلة في الكنيست، بشكلٍ كبير مع القوة المتصاعدة للقوى الاجتماعية ذات النزعة القومية المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي.

ويستفيد التحالف غير المقدّس بين منظمات المجتمع المدني ذات النوعة القومية والمشرعين من الإجراءات الديمقراطية لإسكات ونزع غطاء الشرعية عن أية انتقادات يتم توجيهها للسياسات الحكومية، وبشكلٍ خاص تلك الانتقادات التي توجهها منظمات حقوق الإنسان لتسليط الضوء على تداعيات المشروع الإستيطاني المتزايد على الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية. وبحسب جمال، فإن الحملات الموجهة ضد منظمات حقوق الإنسان، والتي حصلت على دعم الشارع وقبول الحكومة، لا تعتبر سوى مكوناً واحداً من مكونات تحوّلٍ واسع النطاق يعيشه المجتمع الإسرائيلي والسياسات الإسرائيلية منذ سنواتٍ قليلة. وتم إضفاء الطابع المؤسسي على هذا التحوّل ضمن العمليات التشريعية والسياسات الرئيسية التي لا تستهدف منظمات حقوق الإنسان فحسب، بل أيضاً القوى الاجتماعية الليبرالية، والأقليات والجهات الإعلامية المنتقدة. ويمكن القول إن هذه العمليات نفسها مسؤولةٌ عن تصاعد التوترات الحاصلة بين مؤيدي حركة المستوطنين في المناطق الفلسطينية المحتلة – بما في ذلك القدس الشرقية – من جهة، وبين مناصري الانسحاب الإسرائيلي من هذه المناطق لحماية الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة الإسرائيلية من جهةٍ أخرى.

وبحسب ما يراه صاحب المقالة، فإن عملية التطرّف لم تكن خطية وتسلسلية الطابع، كما كان هناك تراجعاً كبيراً للقوى الديمقراطية الساعية لحماية الفضاءات الليبرالية في المجتمع الإسرائيلي. ومع ذلك، يبدو أن الرياح هبت بما تشتهيه الجهود المتناغمة للحد من الفضاءات الليبرالية – الديمقراطية التي ميّزت النظام السياسي الإسرائيلي، وذلك عبر الترويج للقيم غير الليبرالية المرتبطة بالنزعة الدينية والقومية والمناهضة لحقوق الإنسان. وتتجاوز عملية تعزيز التطّرف، كما يظهر في الحملات المناهضة لمنظمات حقوق الإنسان، عملية التمايز التقليدية والمعروفة بين اليمين واليسار في إسرائيل، سيما وأنها تكتسب زخماً على صعيد التنافس للتأثير على سياسات الدولة في مختلف المجالات، وبشكلٍ خاص على مستوى السياسات الاقتصادية والأمنية والخارجية، ناهيك عن شخصية وهوية دولة إسرائيل.

ويرتبط النزاع الدائر بين منظمات المجتمع المدني المحافظة ذات النزعة القومية ومنظمات حقوق الإنسان في إسرائيل بشكلٍ كبير بالنقاش الأوسع الدائر حول الأدبيات المهنية المرتبطة بطبيعة ودور المجتمع المدني في الثقافات الديمقراطية. ومن المعتقدات الشائعة في الأدبيات المهنية أن يتكون المجتمع المدني إلى حدٍّ كبير من تلك المبادرات المدنية والحركات والمنظمات الساعية إلى تعزيز وحماية القيم المدنية والليبرالية – كالتعددية والتسامح والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان – في مواجهة سياسات الدولة التقييدية. ويتعامل هذا التصوّر للمجتمع المدني، والذي يعرف بـ”جدل المجتمع المدني”، مع النشاط المدني المفعم بالحياة بوصفه سبباً – وضامناً – رئيسياً لظهور الأنظمة والمجتمعات الديمقراطية وديمومتها. ومع ذلك، فقد واجه التقارب أحادي الجانب بين النشاط المدني والديمقراطية والقيم الليبرالية تحدياً كبيراً خلال العقود القليلة الماضية. وأظهر العديد من الباحثين ضلوع منظمات المجتمع المدني بشكلٍ كبير في المبادرات المناهضة للديمقراطية والترويج الحصري للقيم ذات النزعة القومية أو الدينية أو المتطرفة. وقادت هذه التجارب إلى التفريق بين المجتمع المدني “الجيد” و”السيئ”، اعتماداً على ما تقدمه منظمات المجتمع المدني من مساهمات لتعزيز – أو تفكيك – المجتمعات المنفتحة والديمقراطية. ولا يمكن تمييز المجتمع المدني السيئ بمعارضة الرؤية الليبرالية العالمية أو انتقاد المكونات الليبرالية، بل عبر الجمع بين النهوض بالقيم ذات النزعة القومية أو الدينية المتشددة واستهداف الوجود الشرعي للمكونات الليبرالية عبر وسائل متعددة، وبشكلٍ خاص التشهير وتشويه السمعة وكم الأفواه وتكتيكات الضغط التي تهدف إلى تجريم أو تقليص ما يحصل عليه معارضيهم من موارد مالية.

ولا يعتبر هذا التمايز المعياري ثنائي التفرع أو متجاور. ويشير الكاتب إلى أن منظمات المجتمع المدني التي يعود الفضل في وجودها إلى التسامح مع الاختلافات باسم القيم المدنية – حتى عندما تروّج للرؤى المحافظة في العالم – تختلف عن منظمات المجتمع المدني التي تستغل المجال المدني لنشر رؤى قومية شوفينية، حيث تنظر هذه المنظمات من هذه الزاوية إلى المبادرات المدنية التي تنتقدها كمبادراتٍ مضرة بالمجتمع والدولة. وتعتبر منظمات المجتمع المدني الاختلافات الحاصلة في التصورات المرتبطة بالمجتمع والدولة مبرراً كافياً لإسكات الآخرين ونزع غطاء الشرعية عنهم. ويضيف صاحب الدراسة: “يمكن وصف المجتمع المدني السيئ بمنظمات المجتمع المدني التي تتخطى حدود النقاش القانوني حول الاختلافات، أو تلك الداعمة لنظرة قومية ضيقة في هذا العالم، أو تلك التي تتكاتف مع بعضها البعض لفرض ممارساتٍ حكومية تنزع غطاء الشرعية وتقوم بتشويه السمعة وكم الأفواه وتسعى إلى حظر منظمات المجتمع المدني المعارضة، لتحد بذلك من المساحة الموجودة للاختلافات والنقاش في المجتمع المدني”. ولا يمكن للمرء إلا أن يتحدث عن تصاعد المجتمع المدني السيئ في إسرائيل، خاصةً إذا ما نظرنا إلى ما يشهده المجتمع المدني الإسرائيلي من تحولات. وإلى جانب تلك المنظمات التي تم ذكرها أعلاه، فقد ظهر عددٌ متنامٍ من منظمات المجتمع المدني التي تتجاوز حدود المنافسة الشرعية بين نظرتين مختلفتين للعالم لتروّج لخطاب الكراهية والقيم والممارسات ذات النزعة القومية الخالصة، وتهاجم منظمات حقوق الإنسان وتنزع غطاء الشرعية عن دورها، وتتعاون مع الأحزاب السياسية لدعم التشريعات التي تسعى إلى كم أفواه منظمات المجتمع المدني الليبرالية وتضييق المساحات الديمقراطية في المجتمع والدولة.

ويمكن تفسير هذه العملية عبر التأثير المتنامي لمنظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية مثل “إم ترتسو”، و”إسرائيلي”، و”ريغافيم”، و”ليافا”، و”شورات هدين”، و”معهد الإستراتيجية الصهيونية”، ومؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” وغيرها الكثير، على الرغم من تباين مستويات تطرف هذا النوع من المنظمات وعدوانية تصوّرها للعالم وأهدافها والوسائل التي تعتمد عليها. ولا يمكن إدراج هذه المنظمات ضمن معادلة الثنائية السياسية التقليدية في إسرائيل بين “يمين ويسار”. ومع ذلك، تستخدم معظم هذه المنظمات خطاباً قومي النزعة للحصول على الدعم وتشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان وتأطيرها في مقام المنظمات السياسية غير الوطنية، لتشجع بذلك الإجراءات الحكومية التي تقطع الموارد المالية عن هذه المنظمات. ومن السمات المشتركة لسياسات هذه المنظمات عدم توضيح الاختلافات بين تسجيل انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين وتوجيه الاتهامات لمنظمات حقوق الإنسان بالدفاع عن الإرهابيين أو الأشخاص والمنظمات المرتبطين بهم – أو حتى مساعدتهم.

ويقوم هذا النوع من منظمات المجتمع المدني بالتكاتف وبدعم تبني سياسات حكومية ذات نزعة قومية أكبر، فضلاً عن تعبئة الدعم الشعبي ليس عبر تشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان فحسب، بل أيضاً عبر تشويه سمعة القوى الاجتماعية الليبرالية الداعمة لها. كما تقوم هذه المنظمات باستخدام الحملات الإعلامية لتأطير منظمات حقوق الإنسان في موقع “أعداء الدولة والمجتمع”. وتتخطى هذه الجهود حدود المنافسة الشرعية بين العديد من منظمات المجتمع المدني حول سياسات الدولة والرأي العام، ما يعكس جوهر المجتمع المدني بحسب الأدبيات المهنية. كما لا توافق منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية على القيم الأساسية للتعددية عندما لا تتطابق هذه القيم مع تصوراتها للواقع. وبحسب الكاتب، فإن تعاون “المجتمع المدني السيء” مع الوزارات الحكومية والأحزاب السياسية المركزية وما يحصل عليه من دعم يغذي الرأي العام الإسرائيلي بقيم ومعايير غير ديمقراطية، وهو ما يقوّض المعايير المدنية والديمقراطية والحريات الليبرالية ويضع النظام الديمقراطي بأكمله برمته على المحك. وفيما يلي، يقدّم جمال أمثلة أساسية تظهر الأدوات والسياسات التي تستفيد منها منظمات “المجتمع المدني السيئ” في محاولاتها لتحديد نتائج “حربها” ضد منظمات حقوق الإنسان وداعميها الليبراليين.

مهاجمة الحرية الأكاديمية وكم أفواه الأصوات الليبرالية

نشطاء محسوبين على اليمين في إسرائيل أثناء المشاركة في تظاهرة أمام محكمة بتاح تكفا احتجاجاً على ما وصفوه بمنهجيات الاستجواب التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لاستجواب المشبه بهم من المتطرفين اليهود في تفجير بيت عائلة فلسطينية في قرية دوما بالضفة الغربية وأسفر عن مقتل طفلٍ ووالديه في ديسمبر 2015. المصدر: AFP

من أفضل الأمثلة على السياسات والأدوات التي تستخدمها منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية كم أفواه الأصوات الليبرالية في الرأي العام الإسرائيلي، وبشكلٍ خاص في الأوساط الأكاديمية. وبدأت منظمة “إم ترتسو” و”معهد الإستراتيجيات الصهيونية” حملةً إعلاميةً في عام 2009 – 2010 في إطار المساعي الرامية إلى الحد من الحرية الأكاديمية في إسرائيل. وسعت المنظمتان إلى إخافة المؤسسات الأكاديمية استناداً إلى الآراء السياسية الدولية لبعض أساتذتها. كما طالبتا هذه المؤسسات بتحديد أعضاء الكادر الأكاديمي بحسب درجة ولائهم للقيم الصهيونية للدولة. وبدأت الحملة المنظمة لهاتين المنظمتين ذاتي النزعة القومية مع عرض بيانات انتقائية تتعلق بطرائق التدريس التي يتبعها الأساتذة وقياس مدى ولائهم وتوافقهم مع الالتزامات بالفكر الصهيوني أو فكر “ما بعد الصهيونية”. وجادلت المنظمتان في “دراستهما” بأن معظم الأدبيات التي يقوم معظم الأساتذة العاملين في أقسام علم الاجتماع والعلوم السياسية بتعليمها تنتقد إسرائيل. وبحسب ما تشير إليه دراسة المنظمتين، فإن معظم هذه الأدبيات تشكل تحيّزاً أيديولوجياً للاتجاهات المعادية للصهيونية أو تلك التي تحمل فكر “ما بعد الصهيونية”، كما أنها تشكك في المبررات الأخلاقية لقيام دولة إسرائيل. وسعت الحملة الممنهجة إلى فضح المؤسسات الأكاديمية الممولة من القطاع العام وتجييش الرأي العام ضدها. وضغطت هاتان المنظمتان على اللجنة التعليمية في الكنيست، والتي تهيمن عليها الأحزاب ذات النزعة القومية، لمناقشة تقاريرها ومطالبة الجامعات باتخاذ إجراءات بحق الأساتذة الذين ينتقدون الرواية الصهيونية الرسمية وسياسات الحكومة بحق الفلسطينيين.

وتجلّت هذه الحملة المناوئة للحرية الأكاديمية من جديد في مبادرةٍ دعمها وزير التعليم نفتالي بينيت وأطلقها حزب البيت اليهودي “هبايت هيهودي” لصياغة “قواعد السلوك الأخلاقي” لجميع المؤسسات الأكاديمية في إسرائيل. وعكست تصريحات الوزير وضلوع “إم ترتسو” وغيرها من منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية في تحالفٍ للضغط باتجاه تطبيق قواعد السلوك الأخلاقي تآزراً عميقاً بين منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية والوزارات الحكومية. وأوضحت تصريحات وزير التربية بشكلٍ جلي أن قواعد السلوك الأخلاقي تسعى إلى محاربة الأساتذة من مؤيدي فكر “ما بعد الصهيونية” في الأوساط الأكاديمية. وسعت منظمات المجتمع المدني الداعمة لهذا الموقف إلى تقييد الأكاديميين والحيلولة دون التعبير عن أية رؤى سياسية في المواضيع المتنازع عليها علناً أثناء التدريس. وعكست قواعد السلوك الأخلاقي المقترحة النوايا الحقيقية للوزير ومناصريه في المجتمع المدني، خاصةً وأنه تم تعريف “النشاط السياسي” بشكلٍ عام. وبحسب المبادرة، فإن أي نشاط يظهر “دعماً” أو “معارضة” لحزب سياسي أو ممثل عن حزبٍ سياسي – أو ما يمكن أن ينظر إليه على أنه اتخاذ موقف إزاء قضية عامة متنازع عليها ويتم مناقشتها في الكنسيت و/أو في الرأي العام – يمكن النظر إليه باعتباره عملاً غير أخلاقي وينبغي المعاقبة عليه. ومن شأن تطبيق مثل هذا الفهم الانتقال إلى وضعٍ يتم فيه كم أفواه الأصوات المنتقدة للوضع الحالي، وبشكلٍ خاص فيما يتعلق بحركة المستوطنين في المناطق الفلسطينية المحتلة.

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه معظم المؤسسات الأكاديمية والمفكرين الليبراليين واتحادات الطلاب هذه الخطوة محاولةً واضحةً للحد من الحرية الأكاديمية ولإسكات الأصوات الناقدة لسياسات الحكومة، فإن العديد من منظمات المجتمع المدني المحافظة ذات النزعة القومية عبّرت عن رضاها تجاه تطبيق مثل هذا النوع من قواعد السلوك الأخلاقي. وفي ردّ على هذه المحاولة، فقد وقّع 300 أكاديمي عريضة في ديسمبر 2016 تفيد بأنهم سيتجاهلون تعليمات قواعد السلوك الأخلاقي، معبّرين عن غضبهم من المحاولات التي تسعى إلى فرض الرقابة على الأوساط الأكاديمية. ولم تنتهي هذه الحملة بعد، إذ ما تزال الجهود الرامية إلى فضح المؤسسات الأكاديمية والموظفين الأكاديميين متواصلة.

نزع غطاء الشرعية عن منظمات حقوق الإنسان وتشويه سمعتها

Translation- Lev Haolam foundation
رئيس مجلس إدارة مؤسسة “ليف هعولام” يبتسم أثناء زيارة نشطاء مسيحيين من هولندا إلى المستوطنة الإسرائيلية “إيش كوديش” في الضفة الغربية المحتلة في نوفمبر 2015. وتجري مجموعة المسيحيين الأوروبيين جولة نظمتها مؤسسة “ليف هعولام” لإظهار دعمها للشركات الإسرائيلية الموجودة في المناطق المحتلة من الضفة الغربية. المصدر: AFP.

ومن الأمثلة الأخرى التي تظهر الشخصية الإشكالية لجيلٍ جديد من منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية انتقاداتها القاسية لعشرين منظمة من منظمات حقوق الإنسان، حيث تم تجميع هذه المنظمات في تقرير انتقائي ومنحرف للغاية نشرته منظمة “إم ترتسو” في عام 2015. ويصوّر تقرير “العملاء الأجانب 2015” 20 من منظمات حقوق الإنسان مثل “بتسليم” و”ييش دين” و”عدالة” وغيرها من المنظمات كـ”منظمات تحمل بروباغندا سياسية تعمل من الداخل بدعمٍ مالي واسع من دولٍ أجنبية مناهضة للمجتمع الإسرائيلي ولجنود جيش الدفاع الإسرائيلي وقدرة الدولة على حماية نفسها في حربها ضد الإرهاب“.

وترافق تقرير “إم ترتسو” مع حملة إعلامية وفيديو مثير للجدل حمل اسم “العملاء الأجانب – تم الكشف عنكم!” (The Foreign Agents – Revealed!)، حيث تم اتهام العديد من الناشطين المدنيين المعروفين والمرتبطين بمنظمات حقوق الإنسان بالعمالة لجهاتٍ أجنبية وبمساعدة أعداء الدولة عبر جمع الأموال من دولٍ أجنبية لدعم هؤلاء الأعداء أو الدفاع عنهم في المحاكم. وينص التقرير على ما يلي: “إنهم يحاربوننا في الوقت الذي نقوم فيه بمحاربة الإرهاب”، ما يظهر بوضوح تصوير هذا النوع من منظمات المجتمع المدني باعتبارها معادية للمجتمع الإسرائيلي. وكان الهدف الكامن وراء تصوير منظمات حقوق الإنسان كمتعاونة مع أعداء الشعب أثناء الحرب هو نزع غطاء الشرعية عن هذه المنظمات وتحريض الجمهور والدولة لاتخاذ الإجراءات بحقها. ونتيجةً لهذه الحملة، فقد أعرب العديد من نشطاء حقوق الإنسان عن تخوفهم من التعرض للهجوم في الشوارع.

ودفعت اللغة المتطرفة والتحريضية التي تم استخدامها في الفيديو لأن يعبّر السياسيون – وحتى من اليمين المحافظ – عن عدم رضاهم عنه، بما في ذلك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال إنه لا يحبّذ فكرة تسمية أولئك الذين لا يتفقوا معه بالأعداء. ومع ذلك، فقد دعمت العديد من منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية والسياسيين جوهر الفيديو وضغطوا لفرض تشريعاتٍ تضع حدّاً لهذه الظاهرة.

الضغط ضد تمويل منظمات حقوق الإنسان

ومن الأمثلة الأخرى على الشخصية الإقصائية المتصاعدة لمنظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية في إسرائيل الجهود الرامية إلى حظر الدعم المالي لمنظمات حقوق الإنسان. ومن القضايا التي ظهرت بين أيدينا ما بذلته مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” من جهود – بقيادة جيرالد شتاينبرغ، الأستاذ في جامعة بار إيلان – للوصول إلى المؤسسات والدول وتزويدها ببيانات تربط دعمها لمنظمات حقوق الإنسان مع الحملات المناهضة لإسرائيل – ومنها حركة مقاطعة إسرائيل “BDS” التي تهدف إلى المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات – ومع مبادرات معادية للسامية أو حتى منظماتٍ إرهابية. وتظهر نوايا مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” في وثائقها، وبالتحديد في “توفير المعلومات والتحليلات، وتعزيز المساءلة، ودعم النقاش حول تقارير ونشاطات المنظمات غير الحكومية، والتي تدعي تطويرها لحقوق الإنسان والأغراض الإنسانية”.

وعلى الرغم من تنسيقها القوي مع المسؤولين الحكوميين، فإن المنظمة تنأى بنفسها عن الحكومة، مشيرةً إلى أنه “تم تأسيسها بصورةٍ مشتركة مع مؤسسة عائلة ويتشسلر” وأن كامل تمويلها يعود إلى “متبرعين ومؤسسات من القطاع الخاص”، وأنها “لا تحصل على دعمٍ حكومي”. وبحسب جمال، لا يمكن للصيغ الدبلوماسية التي تطرحها مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” إخفاء تعاونها مع الدوائر الحكومية، مثل وزارة الشؤون الاستراتيجية ووزارة الشؤون الخارجية، أو مع الأعضاء ذوي النزعة القومية في الكنيست، بهدف دعم أهدافها المتمثلة في نزع غطاء الشرعية عن منظمات حقوق الإنسان وتقليص مواردها المالية. وتتمثل تكتيكات مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” في ظهور ممثليها إلى جانب مسؤولي الدولة الإسرائيلية في المحافل الدولية وتبني موقف مشترك؛ ومهاجمة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية؛ واتهامها بتقديم معلومات كاذبة عن السياسات الإسرائيلية تجاه المناطق الفلسطينية المحتلة؛ وربطها إما مع نشاطات حركة مقاطعة إسرائيل “BDS”، أو النشاطات المعادية للسامية، أو حتى بالمنظمات الإرهابية. وجادل شتاينبرغ، رئيس مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” بأن “التمويل الأجنبي الحكومي الضخم (وأغلبه أوروبي المصدر) للمجموعات السياسية في إسرائيل، سواءً أكانت تحت مسمى المجتمع المدني، أو حقوق الإنسان، أو بناء السلام أو الديمقراطية، والتي لا تحدث في أية ديمقراطية أخرى، ينظر إليها باعتبارها اعتداء على السيادة الإسرائيلية وحق تقرير المصير الديمقراطي”.

وبحسب ما تشير إليه مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية”، فإن أحد أبرز مهامها في أوروبا يتمثل في الحد بشكلٍ كبير من حجم التمويل الحكومي الضخم – لما تعتبره منظمات المجتمع المدني المتطرفة – والتي تحصل عليها بطريقةٍ مباشرة من الاتحاد الأوروبي، ومن الدول الـ28 الأعضاء فيه، ومن النرويج، وسويسرا، وأيضاً من القنوات غير المباشرة عن طريق أطر المساعدات الأوروبية المسيحية. وتقر المؤسسة في عام 2013 بأنها أحرزت تقدماً كبيراً في عددٍ من النقاط الرئيسية في أعقاب تبني استراتيجية حملت اسم “تحديد النشاطات والتشهير بها”. وتبعاً لذلك، تدعي هذه المؤسسة أن الجهود أفرزت نتائج مهمة، بما في ذلك وقف التمويل الأوروبي لعدد من منظمات المجتمع المدني المسيسة والناشطة على مستوى الصراع العربي – الإسرائيلي. ومن الأمثلة الجيدة التي تحاكي استراتيجية ضغطها في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ضد التبرعات لـ”الصندوق الجديد لإسرائيل”. ويستهدف ممثلو مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” المتبرعين المحتملين للصندوق الجديد لإسرائيل لإقناعهم بإيقاف دعمهم له، خاصةً وأن الصندوق يروّج، بحسب وجهة نظرهم، للمشاريع السياسية المناهضة لإسرائيل، مستشهدين في ذلك بالدعم المقدّم لـ”جمعية حقوق المواطن في إسرائيل” ومنظمة “عدالة”. وجاءت هذه الجهود في أعقاب اتهام “إم ترتسو” لمنظمات المجتمع المدني التي يدعمها “الصندوق الجديد لإسرائيل” بالوقوف وراء المعلومات الواردة في تقرير “غولدستون”، حيث تم اتهام الجيش الإسرائيلي بخرق القانون الدولي الإنساني أثناء عملية “الرصاص المصبوب” في غزة في عام 2008. ومن الأمثلة الأخرى “استراتيجية الدومينو” التي طرحتها مؤسسة “مراقبة المنظمات غير الحكومية” في تقريرها الصادر عام 2016. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى الضغط على الحكومات الأوروبية لمراجعة تمويلها لما تعتبره المؤسسة بـ”المنظمات غير الحكومية المناهضة لإسرائيل” من خلال الضغط على البرلمانات المعنية. وتم تطبيق ذلك في سبعة برلماناتٍ أوروبية، بما في ذلك هولندا، وسويسرا، والدنمارك، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والنرويج، وفنلندا، والبرلمان الأوروبي.

وترتبط هذه الجهود المبذولة لتشويه السمعة وكم الأفواه بشكلٍ كبير بالجهود التي قامت بها منظمات المجتمع المدني الأخرى ذات النزعة القومية للنهوض بالتشريعات ذات النزعة القومية، بما في ذلك “مشروع قانون الدولة القومية” الذي تقدّم به معهد الاستراتيجيات الصهيونية. وبصرف النظر عن العديد من مشاريع القوانين التي من المنتظر مناقشتها في الكنيست، فإن هذه الجهود تهدف إلى إعادة بناء الدولة والنظام في إسرائيل بالتزامن مع إخضاع الديمقراطية للقيم القومية والدينية. وبحسب ما تعكسه العديد من استطلاعات الرأي العامة، فإن رياح عملية التدين الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي تجري بما تشتهيه هذه الاتجاهات.

تشريع مراقبة منظمات حقوق الإنسان

Translation- Ayelet Shaked
وزيرة العدل الإسرائيلية إيليت شاكيد تلقي خطاباً أثناء مراسم أداء الرئيس الجديد للمحكمة العليا إستر حيوت للقسم الدستوري في مقر الرئاسة الإسرائيلي بالقدس في أكتوبر 2017. المصدر: AFP

كما تأتي الهجمات على منظمات حقوق الإنسان من أعلى المستويات في الحكومة. ويظهر ذلك في عمليةٍ تشريعية واضحة في الكنيست تحدّد الاختلافات بين النشاطات والترتيبات المشروعة وغير المشروعة. وتسعى هذه العملية إلى تجنّب وصفها بأنها مناهضة للنشاطات المدنية أو الليبرالية، في الوقت الذي لا تزال فيه تتمتع بالقدرة على وضع الضغوط والقيود على أشكال محدّدة من المشاركة في النشاطات المدنية وعددٍ محدد من منظمات المجتمع المدني، وبشكلٍ خاص تلك المرتبطة بـ”معسكر السلام” أو الترويج لشعار “حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية للجميع”، بما في ذلك الفلسطينيين.

ومن الأمثلة الجيدة على ذلك قانون “المنظمات غير الحكومية” المزعوم، والذي ظهرت نذره على الأقل في عام 2007. ومنذ ذلك الحين، شهد الكنيست العديد من المحاولات لإجراء تعديل يهدف إلى فرض إشراف ومراقبة الدولة على نشاطات وتمويل منظمات المجتمع المدني، وبشكلٍ خاص من قبل قسم تسجيل منظمات المجتمع المدني في وزارة العدل. ومن أبرز التعديلات على القانون التعديل “36a” من العام 2008، والذي يقتضي من منظمات المجتمع المدني الكشف عن مصادر تمويلها وتعزيز أحكام الرقابة السابقة التي تفرضها الدولة.

ولم يكن أعضاء الكنيست من ذوي النزعة القومية المتطرفة راضين عن التعديلات التي أجريت في عام 2008. وسعت الأحزاب السياسية في حكومة نتنياهو الثانية منذ عام 2009 – وبشكلٍ خاص حزبي “إسرائيل بيتنا” و”شاس” بمساعدة أعضاء بارزين في حزب الليكود الحاكم – لتشديد رقابة الدولة على منظمات حقوق الإنسان، مجادلين بأنها تعرّض الأمن الوطني للخطر وتخدم المصالح الأجنبية. واستندت تطلعات الأحزاب اليمينية إلى ادعاءات منظمات المجتمع المدني ذات النزعة المتطرفة، مثل “إم ترتسو”، بأن منظمات حقوق الإنسان يتم تمويلها عن طريق حكومات أجنبية ومؤسسات معادية.

واقترح عضو الكنيست عوفير أكونيس تعديلاً على قانون منظمات حقوق الإنسان نفسه (التعديل – حظر دعم الكيانات السياسية الأجنبية للجمعيات السياسية في إسرائيل) في مارس 2010 ومجدداً في نوفمبر 2011. وكانت الغاية منع المؤسسات في إسرائيل من قبول التبرعات التي تقدّمها الحكومات والمؤسسات الأجنبية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي) بما أن “منظمات حقوق الإنسان” تعمل بشكلٍ استفزازي، بحسب مشروع القانون، في محاولاتها للتأثير على الخطاب السياسي في إسرائيل وعلى طبيعتها وسياساتها.

وفي 27 فبراير 2012، تقدّم خمسة أعضاء محسوبين على اليمين – وهم مايكل بن آري، وأرييه إلداد، ونسيم زئيف، ورونيت تيروش وأوري آرييل – باقتراح يتعلق بتعديل الحد الأقصى للأجور في منظمات المجتمع المدني، حيث تمثل الهدف في “(إيقاف) محاولات الاستغلال غير الملائم وغير المتوازن للأموال العامة في منظمات المجتمع المدني”. وفي أعقاب انتخابات 2013، تواصلت الجهود لاقتراح تشريعات مناهضة لمنظمات المجتمع المدني التي يعتقد بأنها “تأذي” صورة إسرائيل و”تساعد” أعداء الدولة. وفي 15 ديسمبر 2013، صادقت اللجنة التشريعية الوزارية على مشروع قانون تقدمت به إيليت شاكيد، عضو الكنيست عن حزب “البيت اليهودي” والتي أصبحت وزيرة العدل بعد انتخابات 2015؛ وكانت هذه هي الخطوة الأولى قبل المضي قدماً بمشروع القانون إلى البرلمان. وسعى مشروع القانون إلى فرض ضريبة بنسبة 45 بالمئة على جميع المنظمات التي تحصل على تبرعات من جهاتٍ خارجية وتضمّن فرض تدابير عقابية ضد النشاطات التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل أو تسعى إلى محاكمة الجنود في المحاكم الدولية.

وأثارت الموافقة على مشروع القانون على المستوى الحكومي انتقادات قادة المعارضة. وأعرب قائد المعارضة حينذاك وعضو الكنيست عن حزب العمل إسحق هرتسوغ بوضوح أن قرار اللجنة كان “مظلماً وغير ديمقراطي الطابع وكمّ أفواه الذين يجرؤن على التفكير بطريقةٍ مغايرة عنها”، مضيفاً: “ستشهد مرحلة تطبيق القانون المقبلة تكوين شرطة الفكر التي ستحدد أولئك الذين سيدفعون الغرامات بسبب وجهات نظرهم والذين لن يفعلوا ذلك، ومن سيدخل القائمة السياسية السوداء ومن لن يتم إدراجه فيها. لقد باتت إسرائيل أقل ديمقراطية شيئاً فشئياً”. كما تواصلت الجهود التشريعية للحد من نشاط المجتمع المدني بعد انتخابات عام 2015. وكانت شاكيد، وزيرة العدل الحالية، تترأس نظام العدالة بأكمله وواصلت جهودها لفرض الرقابة على الانتقادات الموجهة للحكومة من قبل منظمات المجتمع المدني ذات التوجه الليبرالي وللحد من نشاطات منظمات حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية المحتلة والتي تكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني الأساسية الناجمة عما يروجه حزب شاكيد بصورةٍ أساسية من سياسات.

واعتمد تبرير دعم العملية التشريعية القمعية حينذاك على الحاجة إلى الشفافية. وفي 16 يوليو 2016، استطاعت الحكومة الحصول على أغلبية الأصوات (57 مقابل 48) ومرّرت “مشروع قانون الشفافية” في الكنسيت. وتظهر الطبيعة الأيديولوجية للقانون الجديد في عدم إشارته إلى منظمات المجتمع المدني التي يتم تمويلها من مصادر خاصة، وهي الحالة التي تعيشها معظم منظمات المجتمع المدني الرئيسية المرتبطة باليمين المحافظ ذي النزعة القومية. وعلى هذا النحو، فقد تمت صياغة القانون بطريقة متعمدة لحمايتها.

وأيّد رئيس الوزراء نتنياهو الخطوة، لافتاً إلى أن “الشفافية تتواجد في قلب العملية الديمقراطية. وعندما نسمع عن استخدام وإساءة استخدام منظمات حقوق الإنسان – فإن الشفافية هي أقل ما نريد وهي مضمونة للغاية ومنطقية. وبذلك، فإننا نقيم إسرائيل على معيارٍ مختلف”. وتعكس مقاربة نتنياهو – الذي كشف عن موقفه الشخصي بقراره القاضي بإلغاء اجتماعه المزمع عقده في إبريل 2017 مع وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل لاجتماع الأخير مع اثنتين من أبرز منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل – المحاولة الماكرة لاستخدام الشفافية الديمقراطية كأداة للضغط على منظمات حقوق الإنسان.

وأعرب سفراء ألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية عن قلقهم بشأن التشريع المقترح. وانتقدت المفوضية الأوروبية مشروع القانون، مشيرةً إلى أن المطالب التي يفرضها على منظمات المجتمع المدني تمضي “إلى ما هو أبعد من الحاجة المشروعة إلى الشفافية” وأنه المشروع يهدف بشكلٍ أو بآخر “إلى تقييد نشاطات هذا النوع من منظمات المجتمع المدني العاملة في إسرائيل”.

وبعد اجتماع السفير الأمريكي مع وزيرة العدل الإسرائيلية شاكيد، أصدرت السفارة الأمريكية في تل أبيب تصريحاً صحفياً غير اعتيادي أشارت فيه إلى أن “السفير شابيرو سعى للحصول على المزيد من المعلومات حول مشروع القانون من الوزيرة، معرباً عن مخاوف الحكومة الأمريكية تجاه هذه القضية”. وعلاوةً على ذلك، فقد أبدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قلقها من مشروع القانون المقترح حول شفافية منظمات حقوق الإنسان في اجتماعٍ تم عقده في برلين مع رئيس الوزراء نتنياهو في 16 فبرلير 2016. واعتبر ناشطو حقوق الإنسان أن العملية التشريعية تهدف إلى اتهامهم بـ”الخيانة”. وقال الكثيرون إن الأمر يبعث على القلق خاصةً وأنه يأتي من أعلى مستوى في الحكومة، وكذلك من وسائل الإعلام الرئيسية.

وأضيف مشروع القانون، الذي دعمته وزيرة العدل شاكيد، إلى قائمة القوانين الموجودة في إسرائيل والتي تشجّع فرض المزيد من الرقابة الحكومية على أنشطة ومشاركات الناشطين الليبراليين وناشطي حقوق الإنسان، وذلك باسم المثل العليا “التقدّمية”. وعبّرت كلمات زعيم المعارضة إسحق هرتسوغ عن طبيعة الحقبة الراهنة، حيث قال إن قانون منظمات حقوق الإنسان “يدل أكثر من أي شيءٍ آخر على الفاشية الناشئة التي تزحف إلى داخل المجتمع الإسرائيلي”.

التوصيات السياسية

Translation- Bedouin camp
نشطاء سلام فلسطينيين وإسرائيليين وأجانب يشاركون في إعادة بناء مخيم للبدو قام الجيش الإسرائيلي بتدميره في بلدة مخول البدوية بالضفة الغربية في أكتوبر 2013. المصدر: AFP.

1) من المهم أن تقوم الدول الديمقراطية الرائدة – وبشكلٍ خاص تلك المقربة من إسرائيل كألمانيا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وفرنسا، وإيطاليا، وأستراليا، وكندا – بالتعبير عن انتقاداتها للإجراءات التشريعية التي يتخذها البرلمان الإسرائيلي وفي العلن. وكانت اليد العليا للاتجاهات الشعبية المناهضة لليبرالية ولحقوق الإنسان، وبشكلٍ خاص بعدما حظيت هذه الاتجاهات بدعم قادةٍ بارزين من أمثال رئيس الوزراء نتنياهو. ومع ذلك، فإن الواقع السياسي في إسرائيل يتسم بالميوعة والديناميكية. وقد تكون ممارسة الضغط من الخارج – وبشكلٍ خاص من الدول التي لا توفر الدعم الاقتصادي لمنظمات المجتمع المدني ذات التوجه الليبرالي فحسب، بل أيضاً للحكومة الإسرائيلية والتي تقوم بدورها بتحويل بعض هذه الموارد لدعم المشاريع ذات النزعة القومية التي تنتهك حقوق الإنسان – ذات أهمية كبيرة في الإصرار على القيم الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان.

2) يجب على الجهات المانحة، سواءً أكانت من الحكومات أو من مؤسسات القطاع الخاص، الوقوع في شرك ما تروجه منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية من خطاب شعبوي تسعى من خلاله إلى طمس نقاط الاختلاف بين تمييز انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين وما توجهه منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية من اتهامات لمنظمات حقوق الإنسان بحماية أو حتى مساعدة الإرهابيين أو الأفراد والمنظمات المرتبطة بهم.

ويروّج هذا الخط الفكري لإحراج الحكومات الديمقراطية، لتقوم بعد ذلك منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية بتوجيه التهم لها بالتصرّف بما يخالف مواقفها الرسمية. وتسعى منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية إلى ربط عملية مساعدة منظمات حقول الإنسان في إسرائيل بمعاداة إسرائيل وحتى معاداة السامية، مدركةً بأن جميع هذه الدول المانحة لا تتحمل ربطها بمثل هذا النوع من النشاطات.

ولا تقتصر استراتيجيات وسياقات التواصل الخاصة بمنظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية، ومنها مؤسسة “مراقبة المؤسسات غير الحكومية”، على اللقاءات الفردية مع مسؤولي الدولة. كما أنها تتضمن مناشدات معقدة للغاية لأعضاء البرلمانات والرأي العام في الدول المستهدفة للضغط على الحكومات. ولا يمكن تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات دون تعاون المسؤولين الحكوميين والوزارات في إسرائيل. وبما أن الحكومات المستهدفة في أوروبا وفي المناطق الأخرى لم تحجم عن الاجتماع بممثلي منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية، فإنها مكنتها من ترجمة تهديداتها إلى مناشدة للجمهور ومن ثم إلى سياسة ناجحة. وبحسب ما يراه جمال، ينبغي ويجب على هذه الحكومات أن يكون لها رأي في مواجهة المقاربات التي وضعتها منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية لاتهامها بدعم “منظمات غير حكومية مناهضة لإسرائيل”. وإذا ما كانت هذه الحكومات ترغب بمساعدة إسرائيل في حماية ما تبقى من فضاءاتها الليبرالية والديمقراطية، فإن عليها وضع شروطها الخاصة لدعم الدولة الإسرائيلية عبر احترام حق منظمات حقوق الإنسان في الدفاع عن قيمها.

وعلاوةً على ذلك، يجب على هذه الحكومات توضيح أن دعمها لدولة إسرائيل لا يمكن نكرانه من قبل منظمات المجتمع الوطني ذات النزعة القومية ومسؤولي الحكومة الذين يضغطون بهدف تطبيق سياسات تمويل أحادية الجانب.

3) من الضرورة بمكان أن تكون الجهات المانحة الرئيسية لمنظمات حقوق الإنسان الليبرالية على دراية بالاختلافات الرئيسية بين هذه الأخيرة ومنظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية عندما يتعلق الأمر بقدرتها على التأثير على سياسات الدولة. إن ما يميز منظمات حقوق الإنسان الليبرالية مثل “جمعية حقوق المواطن في إسرائيل” هو ارتكاز جهودها للتأثير في سياسات الدولة على شرعية قرارات الحكومة وتجنب الجدل الأيديولوجي؛ إنها تركز على مطالبة الدولة بتطبيق قوانينها لا السعي لتغييرها. وتستند قوانين الدولة المعنية بحماية حقوق الإنسان والمواطنة على القيم التي تتقاسمها الدول الديمقراطية والليبرالية. ولا تقوم منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية باحترام هذه القيم بالضرورة، ولذلك فإن هذه المنظمات لا يمكن وضعها على قدم المساواة مع منظمات حقوق الإنسان الليبرالية.

وينبغي على هذه الأخيرة الاندماج في معركةٍ داخلية للحفاظ على وجودها في إسرائيل في وجه الهجمات المشتركة التي تديرها منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية بالإضافة إلى السياسيين من ذوي النزعة القومية في الكنيست والحكومة.

وينبغي ألا يفوت المرء توقف بعض الجهات المانحة مثل مؤسسة “فورد” عن دعم منظمات المجتمع المدني في إسرائيل، ما صعّب قدرة منظمات المجتمع المدني على القتال ضد المحاولات الرامية إلى نزع غطاء الشرعية عنها ودفاعاً عن وجودها. ومن الواضح أن منظمات المجتمع المدني ذات النزعة القومية تسعى لإشراك منظمات حقوق الإنسان الليبرالية في صراع وجودي عوضاً عن الدفاع عن الليبرالية وحقوق الإنسان. كما لا بد وأن تأخذ المؤسسات الليبرالية بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية التي يستفيد فيها أعداء القيم الليبرالية والديمقراطية من أدوات المجتمع المدني بهدف محاربة هذه القيم.

4) من الضروري للغاية أن تقوم الحكومات والجهات المانحة بدعوة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية وغيرها من منظمات المجتمع المدني الليبرالية والداعمة للقيم الديمقراطية للمشاركة في الأحداث والفعاليات العامة في أوروبا وغيرها من المناطق بهدف إظهار دعمها لهذه المنظمات وإضفاء الشرعية على نشاطاتها وفتح القنوات التي تمكن منظمات المجتمع المدني من إيصال المعلومات ونقل المعرفة.

5) من الضرورة بمكان أن يبدي الإعلام الغربي اهتماماً أكبر بالنشاطات والمعلومات التي تقدمها منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني الليبرالية في إسرائيل. وقد تلعب هذه التغطية الإعلامية دوراً أساسياً في عرقلة السياسات الحكومية التي تهدف إلى إسكات ونزع غطاء الشرعية عن أولئك الذين يسعون إلى تعزيز حضور القيم الديمقراطية.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • مستقبل نظام السيسي بين الديكتاتورية التنموية والانهيار السريع وتشكيل نسخة مستحدثة من نظام مبارك

    قد يبدو سيناريو النظام الديكتاتوري التنموي هو الأكثر منطقية، إلا أن رول وميهي يرجحان تحقّق السيناريو الثاني أو الثالث. ويشير صاحبا المقالة إلى ارتباط هذين السيناريوهين بمخاطر وتكاليف عالية ستتحملها ألمانيا والاتحاد الأوروبي. ويكمن الشرط الأساسي لحدوث سيناريو "مبارك الجديد" في تقديم مساعداتٍ مالية كبيرة ودائمة، وهو ما سيكون على حساب الميزانيات الوطنية الأوروبية بصفةٍ أساسية، ناهيك عن القبول بتدهورٍ أكبر على مستوى حقوق الإنسان. وفي مثل هذا السياق، فإن حالة التردي الاجتماعي والاقتصادي التي تعايشها مصر ستتباطأ في أفضل الاحتمالات. ومن المرجح أن يزداد ضغط الهجرة وميل الشباب المصري نحو التطرف.
  • الولايات المتحدة الأمريكية في خضم حربٍ اقتصادية تلحق الأذى بالأبرياء في إيران

    إن ألم العقوبات سيجبر الشعب على الانتفاض والإطاحة بقادته. وهو تصورٌ ساذج ويدعو للسخرية بالقدر ذاته. وتظهر المنهجية الأمريكية في التعامل مع إيران مدى الاعتماد على نظريةٍ فقدت مصداقيتها منذ زمنٍ طويل وترى أن السكان الخاضعين للعقوبة سيوجّهون إحباطهم وغضبهم تجاه زعمائهم وسيطالبون بتغيير السياسة أو تغيير النظام. إلا ان العقوبات لم تنجح في تحقيق هذه النتيجة قط.
  • لماذا لن يترك إردوغان إسطنبول تفلت من يديه

    ويشير هذا النوع من اللغة الخطابية إلى إمكانية استخدام الرئيس التركي لما يتمتع به من سيطرة على المحاكم التركية ووسائل الإعلام وهيئات مراقبة الانتخابات وغيرها من المؤسسات لاستهداف أعضاء المعارضة وكوادر الحملة الانتخابية، بل وحتى إمام أوغلو نفسه باعتباره “مجرماً”.