الصفحة الرئيسية / البحرين / وُجوه / اسراء الشافعي: تمنح الصوت لمن لا صوت لهم

اسراء الشافعي: تمنح الصوت لمن لا صوت لهم

Esra’a Al-Shafei
اسراء الشافعي. المصدر: World Economic Forum

“إنه لأمرٌ محبطٌ ومُضعفٌ للقدرات، وحتى أنه يبعث على الكآبة، أن تعيش في مجتمعٍ لا يشجع المعارضة،” هذا ما تقوله الناشطة في مجال حقوق الإنسان، اسراء الشافعي. الشافعي (1986)، التي ولدت وترعرعت في البحرين، انزعجت من الانتهاكات الصارخة لحقوق الوافدين في بلدها، فهي تؤمن تماماً أن الصمت يُعادل التواطؤ، ولهذا أرادت إطلاق مبادرةٍ لتوثيق هذه الانتهاكات والدعوة إلى التغيير.

أصبح هذا ممكناً في بداية الألفية الثالثة بعد ظهور شبكة الانترنت، والتي سرعان ما أدركت الشافعي أنها ستكون مدخل حرية التعبير. فمع العيش في مجتمعٍ تنشر فيه وسائل الإعلام الممولة من قِبل الدولة، باستمرار، جانباً واحداً فحسب من القصة، أصبح الانترنت وسيلةً لتحدي الوضع الراهن.

إلا أن هذا لم يكن بالأمر السهل، فلم تكن الشافعي تملك المعرفة والخبرة اللازمة حول كيفية إنشاء منصة على شبكة الانترنت. وبتحليها بالعزيمة، أمضت ساعاتٍ لا حصر لها في البحث في المواقع الالكترونية ومشاهدة الدروس التعليمية، للتعلم من تلقاء نفسها كل شيء، بدءاً من استخدام موقعٍ الكتروني مفتوح المصدر، وصولاً إلى شراء اسم مجال (Domain Name). فقد أخبرتنا في Fanack “كنت جزءاً من جميع منتديات وورد برس.” وبالصبر والتصميم، ولدت شبكة شباب الشرق الأوسط (Mideast Youth)، وهي منظمة مظلة لجميع المبادرات التي ستُقام، عام 2006. فشبكة شباب الشرق الأوسط تطوّرالأدوات التجريبية والتطبيقات الجديدة لترفع الأصوات المتنوعة من المعارضة، وتحديداً من المجتمعات المهمشة والأقليات غير الممثلة التي انتهكت حقوقهم وأسكتت أصواتهم مرةً تلو الأخرى.

لم تكن هذه سوى البداية، ففي عام 2006 أيضاً، أطلقت الشافعي حملاتٍ خاصة بحقوق البهائيين، وبحقوق العمالة الأجنبية، وبحقوق الأكراد لفضح الاضطهادات وانتهاكات حقوق الإنسان التي تتعرض لها هذه الأقليات. نمت قاعدة المستخدمين بشكلٍ كبير، وجذبت المجتمعات المختلفة مثل المسيحيين العرب والبهائيين في إيران والأكراد والناشطين الأتراك وغيرهم الذين شعروا أنهم ممثلون.

إلا أنّ هذا لم يكن كافياً، فقد كانت الشافعي تتطلع لإنشاء مصدر للتطوع الرقمي لحشد المعلومات حول القضايا التي تؤرق مناطق مختلفة في الشرق الأوسط في مكانٍ واحد. فقد كان الأمر صعباً ويستهلك الكثير من الوقت لتقديم أدلة على انتهاكات حقوق الإنسان؛ بالإضافة إلى أنه على الرغم من توفر المعلومات إلا أنه لا يمكن الوصول إليها. وفي ضوء ذلك، قامت بتأسيس CrowdVoice في عام 2010، وهو موقع الكتروني يُصنف الأحداث والقضايا من جميع أنحاء الشبكة العالمية ولكن بصفة مميزة، إذ يُضيف الموقع سياقاً إلى جانب خلفية درامية وإنفوغرافيك تمكّن من الحصول على فهمٍ أعمق لأسبابه الجذرية. وبينما كان الموقع يستهدف بدايةً الشرق الأوسط، بدأ استخدامه في بلدان بعيدة مثل روسيا، وأندونيسيا، والصين، والمكسيك، ليخدم الحاجة العالمية للنشطاء والدعاة الشعبيين ليكونوا قادرين على الإشراف وتأطير المعلومات عن مختلف أنشطة حركات العدالة الاجتماعية.

أدى هذا التطور إلى تجربة مُلهمة لإسراء، فمع عملها مع متطوعين ساهموا من المكسيك، لاحظت التشابه بين قضاياهم وتكتيكاتهم مع تلك الموجودة في العالم العربي. ولدّ هذا تبادلاً قيّماً للمعلومات بين فريقين، يفصلهما عن بعضهما البعض المحيط، بشأن التعامل مع قضايا يواجهوها وتربطهم ، بدءاً من التكتيكات حول كيفية منع التعذيب وقتل الصحفيين والمدونيين، وصولاً إلى أدواتٍ حول تخطي الرقابة.

يوثق الموقع الإلكتروني أدلةً حول القضايا بعد فترة طويلة من عدم تسليط الضوء عليها كحدث حالي في وسائل الإعلام، والتي يمكن استخدامها لمساعدة النشطاء في تقديم الجناة إلى العدالة. كما يمكن للنشطاء التعلم من الحملات الناجحة في البلدان الأخرى ومحاكاة الاستراتيجيات والتكتيكات بعد إضفاء الطابع المحلي لتتناسب مع البنية السياسية لبلدانهم.

وتقول إسراء الشافعي “يموت العديد من الناس عبثاً، وعلينا أن نتأكد بأننا نذكرهم ونذكر هذه القضايا، وبأننا نفهمها ونضعها في السياق الصحيح لأننا عندما نقوم بتقديم تقريرٍ عنها… فإننا ندرك تماماً ما يجعلها مُلّحة.”

أحد مشاريعها المفضلة هو المشروع الممتع والمؤثر على حد سواء، ميد إيست تيونز (Mideast Tunes)، الذي أطلق عام 2010. ولكونها من عشاق الموسيقى، تعرفت الشافعي لأول مرة على القضية الكردية من خلال الهيب هوب الكردي. فقد أدركت ثروة المواهب والمعلومات التي تكمن في مشهد الموسيقى المستقلة (الأندرجراوند) في العالم العربي، التي لم يكن يصل إليها الناس بسبب استحالة عرضها. إلا أن هذا لم يستمر طويلاً، إذ يقدم ميد إيست تيونز منصةً لآلاف الموسيقيين ممن يتمتعون بوعيّ اجتماعي، أولئك الذين يستخدمون الموسيقى كشكلٍ من أشكال الفعالية للحديث عن الهوية الجنسية، وحقوق المثليين وحقوق المرأة والعدالة العنصرية والمساواة وما إلى ذلك. فقد أرادت إسراء تشجيع العرب على دعم الفرق في المنطقة التي تتحدث عن الصراعات المحلية والتي يمكنها أن تقدم أدائها في أي أسلوب لك أن تتخيله.

“من المهم أن نجعل هويتنا مرئية، وليس من خلال الشعر والأدب فحسب، ولكن في هذا اليوم والعصر، من خلال الموسيقى لأن الموسيقى تتكلم معنا، وأنا أعتقد أنها أقوى وسيلة للدفاع… عندما يتعلق الأمر بتحدي الآراء…”

إنّ فائدة وأهمية مبادرات شبكة شباب الشرق الأوسط واضحة في الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين يستخدمون المنصات للتعبير عن أفكارهم واهتماماتهم، التي يُحرمون منها غالباً. ويصل عدد زائري جميع منصات شبكة شباب الشرق الأوسط شهرياً إلى 400 ألف زائر، كما أن مستخدمي تطبيق الهاتف المحمول لميد إيست تيونز يتجاوز حاجز الـ300 ألف.

مبادرة أخرى من مبادرات الشافعي هي Making of a Century، وهي تطبيق تثقيفي وتفاعلي على الآي باد وشبكة الانترنت يؤرخ قادة المجتمع والثورات التي ساهمت في تشكيل القرن. ومن خلال الدعوة المفتوحة، يُطلب من الناس المساهمة في تدوين معلوماتٍ حول القادة الأقل شهرة ممن تركوا بصمة في تاريخ بلادهم، إلا أن الكتب المدرسية لم تذكرهم.

وكما هو متوقع، لا يأتي أيٌ من هذا دون عواقب، إذ ينبغي على الشافعي توخي الحذر الشديد للحفاظ على سلامتها. فلا تتوفر أي صورٍ لها على شبكة الانترنت، كما ترفض الظهور في المناسبات التي لا تتوافق مع حاجتها للتدابير الأمنية وعدم الكشف عن هويتها. وعلاوة على ذلك، يتم فرض رقابة على العديد من مواقعها الالكترونية في جميع أنحاء المنطقة، كما يواصل بلدها البحرين، فرض رقابةٍ على موقع CrowdVoice.

قد تكون الرحلة ضبابية في بعض الأحيان، إلا أن فريقها يُلهمها بمواصلة العمل.

وكما تقول “عندما تدرك أن هناك أشخاص آخرون يضحون بحياتهم ومعيشتهم، ووسائل راحتهم وأمنهم ليساعدوك فحسب في هذه الرؤية، فلا يمكنك خذلانهم.”

وانطلاقاً من التزامها بتحقيق أقصى تأثير، تتضمن خطط الشافعي وفريقها المستقبلية العمل على وضع استراتيجية لتطوير الأعمال على المدى الطويل لمنصة ميد إيست تيونز، وتوسيع نطاق CrowdVoice للاستخدام العالمي، وتوسيع أهواء، وهي منصة للمثليين، لتشمل المزيد من الميزات، وتطوير الحملات حول حقوق العمالة الأجنبية وأكثر من ذلك بكثير.

فقد حازت الشافعي، بسبب عملها الدؤوب في مجال حقوق الإنسان عبر وسائل الإعلام الرقمية، على جائزة بيركمان للابتكار على الانترنت من مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع بمدرسة الحقوق بجامعة هارڤارد الأمريكية عام 2008، وجائزة موناكو للإعلام عام 2011. وفي عام 2014 ذكرت مجلة فوربس أنها أوردتها ضمن قائمة تضم ثلاثين شخص من أصحاب المشاريع الاجتماعية الأكبر تأثيراً في العالم، وأدرجها المنتدى الاقتصادي العالمي باعتبارها إحدى أكثر خمسة عشر إمرأة ساهمت في تغيير العالم في عام 2015. كما أنها زميلة في مؤتمر تيد العالمي، وزميلة منظمة Echoing Green وShuttleworth، كما أنها أحد أعضاء مجلس شبكة AccessNow الرقمية.

تتخيل الشافعي مجتمعاً يحتفي بتنوع الناس والأفكار، وحيث “المساواة، وحرية الدين والتعبير هي القاعدة الأساسية، بدلاً من الرقابة، والرق، وتطبيع الاحتلال. أعتقد أن الوقت قد حان بالنسبة لنا لنقف ونقول سنضع كل شيء في مكانه الصحيح، بما في ذلك حياتنا، لضمان أن هذا هو المجتمع الذي نرغب في العيش فيه.”

ولعدم الرغبة في الحدّ من قاعدة الجمهور والمستخدمين في الشرق الأوسط مع اكتسابها أهمية عالمية، تم تغيير العلامة التجارية لشبكة شباب الشرق الأوسط إلى “مجال” في عام 2016. كلمة تحمل تراثاً لغوياً فريداً، مجال، في اللغة العربية والفارسية لتعكس “خلق الفرص.” كما تعني باللغة التاغلوغية “الحب،” وبالهندية والأوردو “التحلي بالجرأة لفعل شيء.” تحتضن مجال جميع الصفات التي تفتخر بها شبكة شباب الشرق الأوسط: العالمية، وحب الإنسانية، والتنوع والشجاعة؛ مبادرةٌ تمهد الطريق أمام النشطاء والموسيقيين للتعبير عن أنفسهم وفي الوقت نفسه تعزيز التغيير الاجتماعي.

image_pdfimage_print