تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

حافيا في حذائي

منتظر الزيدي، الصحفي العرقي الشهير بإلقاء حذائه
صورة تم التقاطها يوم 4 مايو 2018 لمنتظر الزيدي، الصحفي العرقي الشهير بإلقاء حذائه على الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش عام 2008، وهو يشارك في حشد نظمه تحالف “سائرون” بين الزعيم الشيعي مقتدى الصدر والحزب الشيوعي العراقي وذلك قبيل عقد الانتخابات البرلمانية يوم 12 مايو من نفس العام. المصدر: AHMAD AL-RUBAYE / AFP.

حكيم مرزوقي

“ما فائدة أن يكون هذا العالم فسيحا وحذاؤك ضيق”، عبارةٌ قيلت في تكريم الحذاء وتبجيله كحاضن لقدم الإنسان التي أدماها الركض خلف الطرائد والحقائق منذ الأزمنة الأولى. ويستخدم الفرنسي جملة “أنا جيد وعلى ما يرام في حذائي” كناية عن مدى الانسجام والرضا على الحالة التي هو عليها.

الحذاء “بنية تحتية” يُقيّم من خلالها الرجل، ويُصنّف طبقيا في عيون الآخرين، ذلك أن المرء ـ وكذلك المرأة ـ يُعرف ويعرّف عن نفسه في الهيئة والهندام من خلال الأطراف أي ما يغطي القدم والرأس كالحذاء والقبعة.

الحذاء رفيق الطريق والمشاوير، ينتظرك أثناء ساعات النوم والاسترخاء ليصطحبك معه في صولات وجولات. يُخيّل لي أحيانا أن حذائي هو الذي يقرر جولاته بدلا عني، فالحذاء الجديد، مثلا، يأخذك إلى أماكن نظيفة وزاهية، بينما يتهور الحذاء المهترئ وقد يدفع بك نحو أماكن ومواقف لا تحمد عقباها.

يقف الشاعر “واقفا في حذائه” كما قال التونسي محمد الصغير أولاد أحمد. ويقرّ ويعترف بأن “لا شيء يربطه بهذه الأرض غير حذائه” كما كتب السوري محمد الماغوط. وقد يمشي “حافيا في حذائه” كما كتب طه حسين في سيرته الذاتية.

الأحذية تقترب وترتفع عن الأرض بحسب وضعيات وهيئات وغايات أصحابها.. قيل ـ مجازا ـ إن الكعب العالي قد اخترعته امرأة قصيرة من أجل قبلة. ومهما يكن من أمر، فإن الأحذية تشي بثقافات وأنماط تفكير تبتدعها العقول فتختزلها الأقدام.

الصينيون القدماء يسجنون الفتيات في أحذية خشبية للإبقاء على صغر أحجام أقدامهن كمقياس جمالي يتوارثه الأبناء عن الأجداد. رعاة البقر من الأميركيين يتباهون بأحذية تحفظ السيقان وتمكنهم من ركوب المخاطر. أما الرياضيون ولاعبو السيرك وراقصو الباليه فلهم أحذيتهم الخاصة.. باختصار، قل لي ما شكل حذائك أقل لك من أنت.

نُسجت حكايات وتقولات عن الأحذية في محاولة لتعريف الإنسان في مختلف تحولاته مثل نبتة تطلع وتنمو من حذاء، فهذه سندريلا تنسى فردة حذائها في بلاط أمير في محاولة للتأكيد بأن الحب يمحو الفوارق الطبقية وينتقم للمحرومين. وذاك حذاء أبي القاسم الطنبوري، وقد أمسى رمزا للبخل وسوء الطالع. أما خفا حنين فباتا تعبيرا عن خيبة المسعى.

العراقي منتظر الزيدي، خلده التاريخ المعاصر ـ أو يكاد ـ من خلال قذف زوج حذائه صوب الرئيس الأمريكي جورج بوش أثناء انعقاد مؤتمر صحفي في بغداد 2008. وقال بوش الذي تفادى الضربة بسرعة فائقة، معلقا على فحوى “رسالة الحذاء” التي تفتقدها ثقافته الأميركية “هذا أغرب شيء أتعرض له في حياتي”.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

في هذه المقالة: الثقافة - تدوينات
written by
veronica
المزيد veronica articles