تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

معركة السيطرة على روح الإسلام

رجال فلسطينيين وهم يؤدون صلاة الجمعة في آخر أيام شهر رمضان المبارك الإسلام
صورة تم التقاطها يوم 22 مايو 2020 لرجال فلسطينيين وهم يؤدون صلاة الجمعة في آخر أيام شهر رمضان المبارك على جبل الزيتون، وفي الخلفية تظهر مدينة القدس القديمة ومجمع المسجد الأقصى المغلق في خضم جائحة كورونا الجديدة. المصدر: AHMAD GHARABLI / AFP.

جيمس دورسي: هو صحفي حاصل على جوائز، وزميل رفيع في كلية S. Rajaratnam للدراسات الدولية بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة ومعهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية.

تختمر في الدول ذات الأغلبية المسلمة التي تتنافس على القوة الدينية الناعمة وزعامة العالم الإسلامي إشكاليات دفينة فيما يعد معركة من أجل السيطرة على روح الإسلام. ويهدد التحول الحاصل في توجهات الشباب صوب الدين والتدين بتقويض جهود دول كالسعودية، وتركيا، وإيران، التي تتنافس من أجل تعزيز تفسيراتها الحكومية المنفردة للإسلام باعتبارها الرواية الدينية المسيطرة على العالم الإسلامي. وترى كلٌّ من الدول المتنافسة أن جهودها تمثل أداة مهمة لتأمين حكمها الاستبدادي، بالإضافة إلى تعزيز مساعيها الرامية إلى تشكيل موقع لها في النظام العالمي الجديد الذي يعاد ترتيب توازنات القوى فيه.

وتظهر الأبحاث واستطلاعات الرأي باستمرار اتساع الفجوة بين طموحات الشباب الدينية – وطموحات الفئات العمرية المختلفة في حالة إيران – وتفسيرات الإسلام المفروضة من قبل الدولة. ويتمثل تغيّر توجهات الشباب في رفض مذاهب الأشاعرة، التي شكّلت دعامة رئيسية للحكم المستبد الذي يحظى بشرعية دينية في العالم الإسلامي السنّي على مدار قرون، فضلاً عن تأكيدهم لأهمية سلطة رجال الدين والشريعة. ويجادل مصطفى أكيول، وهو مفكرٌ إسلامي تركي بارز، بأن الأشاعرة سيطروا على السياسات الإسلامية لقرون على حساب تيارات دينية أخرى أكثر تحرراً “لا لسمات مميزة لهم، بل لأنهم كانوا يحظون بدعم الدولة التي كانت تسيطر على العالم الإسلامي في القرون الوسطى”.

وبالمثل، تشير نادية عويدات، وهي طالبة تدرس تاريخ الفكر الإسلامي، إلى أنه “ما من موضوع ترك أثراً بالغاً على المنطقة أكثر من الدين. فقد غيّر جغرافية المنطقة، ولغتها، وثقافتها. وظلّ يشكل المنطقة على مدار آلاف السنين […]. الدين يسيطر على كافة أوجه حياة الناس في العالم العربي”.

وتشير استطلاعات الرأي والأبحاث إلى أن شكوك الشباب تتزايد تجاه السلطة الدنيوية والدينية، وأنّهم يطمحون إلى عيش تجارب دينية أكثر فردية وروحانية. وقد أفضى بحثهم إلى عدّة اتجاهات تتراوح ما بين تغيّر سلوكهم الديني الشخصي، الذي يبتعد عن التعاليم المفروضة من قبل الدولة، والتحول سراً إلى ديانات أخرى رغم أن الردة محظورة وعقوبتها القتل، وترك الدين بشكله المنظّم من أجل تبني فلسفات أخرى كالربوبية، واللاأدرية، والإلحاد.

وقال ناصر الدين الشاعر، وهو باحثٌ فلسطيني ووزير تعليم سابق في حكومة حماس: “لا يعبأ الشباب بالمؤسسات والمنظمات. فهي لا تستهويهم ولا يجدون فيها أية حوافز، بل على النقيض، تستغل هذه المؤسسات وقادتها الشباب فقط عندما يكونون في حاجة لحضورهم لتعبئة الحشود”.

ويشير الملحدون والمتحولون من الدين الإسلامي إلى ديانات أخرى إلى اعتقادهم بوجود مواد تمييزية في القانوني الشرعي الإسلامي تجاه الطوائف الإسلامية، وغير المسلمين، والنساء كسببٍ لتركهم للدين. وقال هشام نوستيك، وهو مغربي ملحد يكتب تحت اسم مستعار: “إنّ السبب الرئيسي الذي دفعني إلى الإلحاد هو الجانب الأخلاقي في الإسلام. كيف يمكن، على سبيل المثال، أن يسمح إله رحمان ورحيم، يقال عنه أنه أرحم من الأم على طفلها، بالرّق وتجارة الرقيق في الأسواق؟ كيف يمكن أن يسمح باغتصاب النساء فقط لأنهن أسيرات حرب؟ هذه الأفعال لا يرتكبها إنسان رحيم ناهيك عن إله رحيم”.

إحياء، انعكاس

تشير الأبحاث واستطلاعات الرأي الأخيرة إلى انعكاس اتجاه الإحياء الإسلامي السائد، الذي لاحظه باحثون مثل جون إسبوزيتو في تسعينات القرن الماضي، وجان بول كارفالو في 2009، والذي حظي بدعم من الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ونتائج استطلاع القيم العالمي عام 1996 التي أظهرت تعزز القيم الدينية التقليدية في العالم الإسلامي، وصعود الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى السلطة، والانتصارات الانتخابية التي حققها الإخوان المسلمون في مصر وتونس في أعقاب ثورات الربيع العربي عام 2011.

وأشار إسبوزيتو في ذلك الوقت إلى: “وجود العديد من مؤشرات الصحوة الإسلامية في الحياة الشخصية: تزايد الاهتمام بالشعائر الدينية (الذهاب إلى المساجد، والصلاة، والصوم)، وانتشار المطبوعات والبرامج الدينية، والتشديد أكثر على الزي الإسلامي الشرعي والقيم الدينية، ونشاط الحركة الصوفية. وصاحب هذا التجدّد واسع النطاق إعادة التأكيد على وجود الإسلام في الحياة العامة: تزايد وجود الحكومات، والمنظمات، والقوانين، والبنوك، وبرامج الرعاية الحكومية، والمؤسسات التعليمية ذات التوجه الإسلامي”.

وجادل كارفالو بأن “انعكاس اتجاه النمو الاقتصادي، الذي أدى تباعاً إلى تراجع الحراك الاجتماعي، وفشل تحقيق طموحات الطبقة المتوسطة المتعلمة، واتساع هوّة عدم المساواة في الدخل، وإفقار الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة” هي العوامل التي أدت إلى إحياء الوجود الإسلامي. غير أن نفس هذه العوامل، حالياً، تغذّي الابتعاد عن القيم شديدة المحافظة والتقليدية، وقواعد التدين.

ويتناقض هذا التحوّل في الدول ذات الأغلبية الإسلامية مع توجه آخر يتبنى مفاهيم دينية تقليدية أكثر تشدداً في بعض مجتمعات الأقليات المسلمة في أوروبا. وأشار تقرير صدر عن مكتب التخطيط الاجتماعي والثقافي التابع للحكومة الهولندية في 2018 إلى أن عدد المسلمين من أصول تركية ومغربية، الذين يتبعون تعاليم دينية تقليدية بصرامة، تزايد بحوالي 8%. ويشكل المواطنون الهولنديون من أصول مغربية وتركية حوالي ثلثي المجتمع الإسلامي في هولندا. ويقترح التقرير أنه في المجتمعات التعددية، التي يكون فيها المسلمون أقلية، “يمكن أن يؤدي البحث الشخصي والفردي عن المعنى الحقيقي للإسلام إلى دفع الشباب نحو الالتزام بالتعاليم الدينية على نحو أكثر تشدداً من آبائهم”.

إن تغيّر التوجهات تجاه الدين والتدين، والتي تعكس تغيّر التوجهات في الدول غير المسلمة، يشكّل بصفةٍ خاصة مصدر خطر على القادة بغض النظر على سياساتهم، الذين يرتدون عباءة الدين والقومية ويسعون إلى استغلالها في مسعاهم الجيوسياسي بهدف السيطرة على السلطة الدينية الناعمة. وأدت الثورات الشعبية العربية في 2011، بالإضافة إلى التظاهرات الجماهيرية المعارضة للحكومة في العديد من دول الشرق الأوسط في 2019 و2020 إلى تسليط الضوء على التخريب المصاحب لحركة التغيير. وقالت عويدات، الباحثة المختصة في الفكر الإسلامي: “كان الربيع العربي هو نقطة الذروة في حركة التحوّل {…} كان نموذجاً للكيفية التي نرى بها التغيير. وكانت الدعوات تطالب بتأسيس دولة مدنية. إن وصف دولة مدنية هو أقرب ما يمكن أن تقوله {….} نريد دولة، حيث يصيغ الشعب القوانين حتى يمكننا تحدي الحكومات، وتغييرها، وضبطها. ليس قانوناً إلهياً، بل مدنياً، قانون الشعب”.

وذهب أكيول إلى أبعد من هذا بأن أشار في مقالة صحفية إلى أن “هناك العديد من الأمور البشعة التي حدثت مؤخراً في العالم العربي باسم الإسلام. ويشمل هذا الحروب الأهلية الطائفية في سوريا، والعراق، واليمن، حيث يتعارك غالبية المتحاربين باسم الله، وغالباً ما يستخدمون وحشية مروعة. وواجه ملايين الضحايا والمتابعون لهذه الحروب صدمةً، جعلتهم يتحررون من وهم السياسة الدينية، وبدأ كثيرون يطرحون أسئلة أكثر عمقاً”.

تردد صدى الثورات الشعبية العربية لعام 2011 عبر منطقة الشرق الأوسط، وأعادت تشكيل العلاقات بين الدول والسياسات المحلية رغم أن الإنجازات الأولية، التي حققها المتظاهرون، ارتدت على عقبيها في مصر، وأشعلت الحروب في ليبيا، واليمن، وسوريا.

وفرضت كلٌّ من السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر حصاراً اقتصادياً ودبلوماسياً على قطر لمدة 3 أعوام ونصف، بصفةٍ جزئية للحيلولة دون تواصل شبابها مع شبكة تلفزيون الجزيرة القطرية، التي دعمت الثورات والجماعات الإسلامية وتحدت الحكام الديكتاتوريين في المنطقة. وفي هذا السياق، قالت كريستين سميث ديوان، الباحثة المختصّة في شؤون الخليج، إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “سعى إلى استعادة تفويض التغيير، وإلباسه عباءة القومية، وقطع صلته بالربيع العربي. وكان الحصار والحملة القومية، التي تلته، ضد قطر محوراً رئيسياً لتحقيق هذا الهدف”، وكان الهدف وراء ذلك هو إحكام السيطرة على أجندة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي يقودها الشباب المفتونون بالانتفاضات.

وفي إشارة إلى الثورات، قال الصحفي المغربي أحمد بن شمسي: “إن الربيع العربي ربما توقف، أو تراجع، لكن عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات والتوجهات الدينية، لا تزال ديناميكية التغيير في هذا الجيل قيد الحركة. فالعديد من الأفراد يعدلون عن التديّن الأعمى، الذي اعتاد الغرب أن يربطوه بالعالم العربي”.

وبحسب بن شمسي، فإن “لم يعد جوهر التدين في الوقت الراهن حالة إلزامية بحدّ ذاتها في العالم العربي، بل ظاهره، إذ يمكن التسامح مع المعتقدات والتوجهات غير الدينية طالما ظلت مستترة. في هذا النظام، يتيح النفاق الاجتماعي مساحةً للتنفس وعيش أسلوب حياة علماني بينما نحافظ على الشكل الزائف للدين. فالإلحاد، في حد ذاته، ليس مشكلة. لكن الجهر به هو المشكلة. لذا، فإنّ هؤلاء الذين ينشرون أفكارهم الإلحادية في العالم العربي يكافحون من أجل حرية التعبير أكثر من الكفاح من أجل حرية الاعتقاد في حدّ ذاتها”. ويمكن قول الأمر ذاته بالنسبة للتحول إلى ممارسات دينية أخرى بخلاف الإسلام.

وتروي الصحفية السورية شام العلي قصة قريبة لها فرت من الحرب الأهلية في سوريا إلى ألمانيا، حيث قررت خلع الحجاب. وافق والدها، الذي يعيش في تركيا، على قرار ابنته، لكنه هددها بالتبرؤ منها إذا ما نشرت صوراً لها على موقع الفيسبوك وهي لا ترتدي الحجاب. وتقول العلي: “لم تكن مشكلته تتعلق بترك ابنته لفرض ديني، بل بإعلان هذا أمام عائلتها والمجتمع الأكبر”.

الأبوية الجديدة

تُعمق الأبوية الجديدة، التي تعد أحد دعامات الحكم الاستبدادي، المخاوف بشأن الإدراك والمظهر العام. وتتضمن الأبوية الجديدة، وهو مصطلح صاغه الباحث الأمريكي-الفلسطيني هشام شرابي، تمثيل الزعيم المستبد بشخصية الأب. ووفقاً لشرابي، فقد بُني المجتمع العربي الاستبدادي على مبدأ هيمنة الأب، الشخصية الأبوية التي تنتظم حولها الدولة والعائلة النواة. وتحاكي العلاقة بين الحاكم والمحكوم العلاقة بين الأب وأطفاله. وفي كلا النموذجين، فإنّ الإرادة الأبوية مطلقة، وتنقل هذه الإرادة إلى المجتمع والعائلة عبر اتفاق جماعي مفروض ومبني على الطقوس والإجبار.

ونتيجة لهذا، تفرض الأبوية الجديدة ضغوطاً للانصياع للسلوك الديني الذي تفرضه الدولة، وفي نفس الوقت، تغذي تغيّر التوجهات نحو الدين والتدين بين الشباب الممتعضين من عدم قدرتهم على شقّ طريقهم الخاص. ظهرت المدارس الابتدائية والثانوية كجبهة أمامية في الصراع من أجل تقرير حدود السلوك والتعبير الديني. وتوفر التطورات الأخيرة في مصر، التي يسودها نظام ديكتاتوري وحشي، وإندونيسيا، التي تعد أكبر ديمقراطية ذات أغلبية إسلامية في العالم، منظورين متناقضين حول الكيفية التي يتطور بها الصراع بين الطلاب والآباء، ومدرسين المدرسة والإدارات، والدولة.

وثَّق موقع “مدى مصر“، النافذة الإعلامية المستقلة الرئيسية في مصر، أن الطالبات المصريات، اللاتي رفضن ارتداء الحجاب، في 2020 تعرّضن للإجبار والخزي علناً. وامتنعت وزارة التعليم عن تفعيل سياستها الرامية إلى عدم فرض ارتداء الحجاب. وقالت لمياء لطفي، مستشارة في شؤون النوع الاجتماعي وناشطة حقوقية: “يتوقع من الفتاة المحترمة أن تكون محتشمة وترتدي الحجاب للتعبير عن فخرها بهويتها الدينية لأن الحجاب هو ما يميزها عن الفتاة المسيحية”. وقال المدرسون في المدارس الثانوية العامة إنهم يمتنعون عن مساءلة الأولاد عن خرقهم لمعايير الزي المدرسي لأنهم أكثر ميلاً للمقاومة وخلق المشكلات.

وفي اختلاف صارخ مع الحالة المصرية الآنفة الذكر، فقد أصدر وزير الشؤون الدينية الإندونيسية ياقوت شليل قماس قراراً في أوائل العام الجاري 2021، بالتعاون مع وزيري الشؤون الداخلية والتعليم، يهدد بمعاقبة المدارس الحكومية التي تسعى إلى فرض زي ديني لأنها تخرق القوانين والتشريعات الحكومية. وصدر القرار وسط حالة نزاع عام، اشتعلت بسبب رفض طالبة مسيحية الانصياع لتعليمات مدير مدرستها، يطالب بموجبها جميع الطلاب بارتداء زي إسلامي. وقماس هو زعيم مؤسسة نهضة العلماء، وهي أكبر حركة إسلامية في العالم والمدافع الأول والأهم عن إجراء إصلاحات دينية توافقاً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقال قماس: “لا تروّج الأديان للصراعات، ولا تبرّر التصرف بشكل غير عادل مع هؤلاء المختلفون عنا”.

كونها دولة الإسلامية، أطاحت بنظام مستبد حكم البلاد لعقود وشيدت بدلاً منه نظاماً ديمقراطياً بعد اندلاع ثورة شعبية في عام 1998، تعد إندونيسيا أسوأ كوابيس حكام الشرق الأوسط. ويلمح تغيّر توجهات الشباب في الشرق الأوسط نحو الدين والتدين إلى أن منهج التجريب في الدين، الذي نشأ في إندونيسيا بعد الثورة، يمثل مساراً يمكن أن يسلكه الشباب، إذا ما واتتهم الفرصة. وقال الباحث الإندونيسي، نور أمالي إبراهيم، إن إندونيسيا هي بلد “أدى إزالة القيود المفروضة من قبل نظام مستبد فيها إلى فتح آفاق الخيال، ما سمح لظهور أنماط خاصة من الممارسات والمعتقدات الدينية {…} إن دراسة الحالة الإندونيسية يُظهر بشكل جلي وجود تجارب أخرى تحدث في حياة إسلامية عادية بمكان آخر”.

وأظهر استطلاع رأي الشباب العربي لعام 2019 أن ثلثي المشاركين في المسح شعروا بأن الدين يلعب دوراً أكبر من اللازم في حياتهم مقارنةً بـ 50% منذ أربع سنوات. وجادل 80% منهم بأن المؤسسات الدينية في حاجة إلى الإصلاح، بينما قال نصفهم إن القيم الدينية تعرقل تطوّر العالم العربي. وأظهرت استطلاعات رأي، أجراها الباروميتر العربي على مدار العقد الماضي، وهي شبكة بحثية لدى جامعتي برينستون وميشيغان، أن هناك عدد كبير من الشباب يبتعدون عن الدين. وتوصّل استطلاع الرأي إلى أن “التدين الشخصي انخفض بنسبة 43% على مدار العقد الماضي، مشيراً إلى أن أقل من ربع السكان حالياً يعرفون أنفسهم بأنهم متدينون”.

بينما أصبح هذا التوجه هو الأقوى بين الليبيين، انجذب العديد من الشباب الليبي سراً إلى صفحات الإلحاد على موقع الفيسبوك. هم غالباً نتاج المحاولة الفاشلة للإمارات للمزج ما بين القوة الخشنة لتدخلها العسكري في ليبيا والقوة الدينية الناعمة. أدار سعيد ظهره للدين، وهو طالب يبلغ من العمر 25 عاماً من مدينة بنغازي، حيث معقل قوات المعارضة بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي عين نفسه بنفسه ويحظى بدعم الإمارات والسعودية، بعد أن قُطع رأس ابنه عمه عام 2016 بسبب حديثه المعارض للمسلحين. وتضمّن دعم الإمارات لحفتر تزويد جيشه بالمداخلة، وهو فرع في السلفية، سُمي تيمناً بعالم دين سعودي يدعو إلى الطاعة التامة للحكام ويقدم المملكة كنموذج للحكم الإسلامي. وقال سعيد: “قُتل ابن عمي في فترة كنت فيها شديد التدين، إذ كنت أصلي خمس مرات يومياً وأدرس عشر صفحات من القرآن كل مساء”.

وقال غالبية المشاركين في مسح، أجرته مؤسسة جون زغبي المتمركزة في واشنطن عام 2017، من مصر، ولبنان، والأردن، والسعودية، والإمارات، وتركيا، وإيران، إنهم يريدون أن تركز الحركات الدينية على الإيمان الشخصي والإرشاد الروحاني بدلاً من إقحام نفسها في السياسة. وكانت نتائج الاستطلاع في العراق وفلسطين مغايرة لبقية الدول، إذ فضل غالبية المشاركين تولي الجامعات الدينية دوراً سياسياً.

وتتناقض نتائج استطلاعات الرأي في النصف الثاني من العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين تناقضاً صارخاً مع التوجهات التي عبر عنها المشاركون في استطلاع رأي مسلمي العالم، الذي أجراه مركز بيو للأبحاث منذ عدة سنوات سابقة. وأشار استطلاع رأي مركز بيو إلى أن التوجهات شديدة المحافظة، التي روجت لها السعودية والإمارات وقطر لوقت طويل وتمنح شرعية للأنظمة المستبدة، لا تزال تحظى بشعبية. فضل 70% من المشاركين في استطلاع الرأي حينها في مناطق جنوب آسيا، وجنوبي شرق آسيا، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا جعل الشريعة مصدراً للقانون في بلادهم ومنح المحاكم الشرعية سلطة قضائية على قانون الأسرة ونزاعات الملكية.

وتباينت هذه الأرقام إلى حد كبير عندما سُئل المشاركين في الاستطلاع عن رأيهم في موضوعات محددة مثل الردة والعقوبات الجسدية. وفضل 75% من المشاركين في جنوب آسيا عقوبة الإعدام للردة مقارنةً بـ 56% في الشرق الأوسط، و27% فقط في جنوب شرقي آسيا. بينما أيَّد 81% من المشاركين في جنوبي آسيا العقوبات الجسدية مقارنةً بـ57% في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، و46% في جنوب شرقي آسيا. كانت جنوبي آسيا المنطقة الوحيدة في العالم الإسلامي، التي فضل فيها المشاركون الزعيم القوي على الديمقراطية بينما رأى غالبية المتدينين في المناطق الثلاث الأخرى الحرية الدينية كشيء إيجابي. وأراد نحو 65% إلى 79% من المشاركين في جميع المناطق أن يكون للزعماء الدينيين نفوذاً سياسياً.

وربما يكون القتل دفاعاً عن الشرف هو القضية الوحيدة التي لم تتغير فيها وجهات النظر كثيراً خلال السنوات الأخيرة. وأظهر استطلاع رأي الباروميتر العربي في عامي 2018 و2019 أن هناك المزيد من الناس يعتقدون أن القتل دفاعاً عن الشرف مقبولاً أكثر من المثلية الجنسية. وفي معظم الدول المشاركة في استطلاع الرأي، بدا أن الشباب العربي أكثر ميلاً من آبائهم للتغاضي عن القتل دفاعاً عن الشرف.

ويؤكد محتوى شبكات التواصل الاجتماعي والتظاهرات العرضية صحة هذا الواقع، إذ تظاهر آلاف الأشخاص في بداية 2020 في الخليل، وهي مدينة محافظة في الضفة الغربية، بعد أن وقعت السلطة الفلسطينية على اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

مع ذلك، فإن التأكيدات، التي تطلقها السعودية، التي تقدم نفسها باعتبارها تتزعم فهماً فضفاضاً للإسلام المعتدل الذي يدعو إلى الطاعة التامة للحكام، ويطلقها دعاة تيارات الإسلام السياسي المختلفة مثل تركيا وإيران، تبدو جوفاء في ظل التغير الجذري الحادث في آراء الأفراد تجاه الدين والتدين في المنطقة.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com/ في 30 مارس 2020