تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

هل فقدت سورية هويتها الوطنية للأبد؟

سوريا
يساعد الأطفال في تجميع الطاولات والكراسي لاستخدامها في الفصل أثناء حضورهم اليوم الأول من المدرسة في قرية في ريف محافظة إدلب شمال غرب سوريا في 9 أكتوبر / تشرين الأول 2021. (Photo by Omar HAJ KADOUR / AFP)

غازي دحمان

كانت الهوية الوطنية السورية، أحد أكبر ضحايا الأزمة السياسية المتواصلة منذ عقد من الزمان، وثمّة مخاوف بدأت بالتعبير عن نفسها مؤخراً من احتمالات عدم قدرة السوريين على إصلاح الأعطاب التي ضربت اجتماعهم وهويتهم بعد التشظي الكبير في جسد وطنيتهم، وخاصة مع بروز هويات عرقية وطائفية باتت تشكّل مرتكزاً أساسياً في رؤية الجماعات لنفسها وتعريفها لذاتها.

تشكّل الأزمات المعقدة، على شاكلة الحروب الأهلية، بيئة حاضنة لنمو الهويات الفرعية وتحوّلها إلى هويات أساسية، حيث تتراجع كل جماعة إلى حصونها العتيقة، وتستحضر كامل عدتها، التي كانت قد نزعتها عند دخولها في عملية الاندماج الوطني التي تتطلبها كيانات الدول الوتسفالية، ولأن سورية لا يزيد تراثها الدولتي عن مئة عام، فإن ذكريات ما قبل الدولة لا تزال حاضرة وما زال الأجداد يروونها لأحفادهم.

لقد فشلت الأنظمة السياسية السورية، ما بعد مرحلة الاستقلال، في بناء الهوية الوطنية السورية، بمقدار فشل الكيان السياسي المؤطر لهذه الهوية من إثبات ذاته، فسورية ظلت تقف على أعتاب الدولة الفاشلة عقودا طويلة إلى أن سقطت في بحر الفشل ولا يبدو أن خروجها منه سيكون سهلاً أو قريباً.

كثيراً ما يذهب دارسو الحالة السورية إلى وضع اللوم على المرحلة الاستعمارية، واتفاق سايكس بيكو الذي اقتطع من سورية لبنان والأردن وفلسطين ومنح لواء الإسكندرون لتركيا، وترك سورية في حال من عدم التوازن وضمن معادلة معقّدة بين فكّي كماشة دول معادية لها “تركيا وإسرائيل” تتطلع للحصول على المزيد من الأراضي السورية، ودول حذرة منها “لبنان والأردن” وترى في كل سلوك سوري محاولة لإعادة الهيمنة، وخاصة لبنان الذي اكتوى بنار الهيمنة السورية لأكثر من ثلاث عقود.

لكن إحالة أسباب الفشل في بناء دولة وهوية وطنية لأسباب خارجية، ليس سوى محاولة للهروب من تشخيص الواقع الحقيقي الذي انطوى بالفعل على سوء إدارة دولة ومؤسسات من قبل النخب السورية المتعاقبة، وإذا كانت النخب البرجوازية التقليدية التي استلمت السلطة بعد الاستقلال قد عمّقت الفوارق بين الريف والمدينة وحصرت الهوية الوطنية بفئات محدّدة، فإن العسكر الذين استولوا على السلطة منذ انقلاب حزب البعث سنة 1963 وصولاً لحكم الأسدين”الأب والابن” صادروا الوطن السوري بمجمله وجعلوا الوطنية مكرمة يمنون بها على من يوالي سياساتهم ويفديهم بالروح والدم.

وهكذا تحوّلت سورية إلى جمهورية رعب تديرها أجهزة الأمن، واستتبع ذلك نزع صفة المواطنة، بما تعنيه من حقوق، وباعتبارها أحد أهم عوامل الارتباط بين الدولة وشعبها، بل المؤشر الأساسي للحداثة السياسية، وتلاقى هذا الارتكاس مع بنى اجتماعية تقليدية ما زالت في المراحل الأولى من تعلم وفهم الحداثة السياسية، الأمر الذي شكل لديها تشوهات عن الوطنية والانتماء اللذان سيفهمان بوصفهما أحد أدوات الأنظمة لتثبيت نفسها في السلطة، وتالياً لإخضاع الشعب والضحك عليه، مما أفقد الهوية الوطنية الجامعة كل حمولتها من القيم الإيجابية وحوّلها إلى مسألة كاريكاتيرية فارغة.

لقد شكّلت الثورة السورية فرصة ثمينة لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية على أسس جديدة، وخاصة في مراحلها الأولى، حينما قادها شباب وصبايا حداثيون متعلمون ومطلعون على التجارب العصرية في بناء الدول، كانوا من كامل الطيف الاجتماعي والسياسي السوري، وهي تجربة فريدة في تاريخ سورية الممزقة تاريخيا بالصراعات السياسية والفوارق الطبقية والحساسيات الاجتماعية، كان الشعار الأثير لهم”الشعب السوري واحد” كرمز لهوية وطنية جامعة، وتردّد صدى هدير صوتهم في كل أرجاء سورية.

في مواجهة هذا الوعي الجديد، بدأت الأطراف المتضررة في هندسة هويات جديدة وتظهيرها كبدائل لما تعتبره محاولات لإزاحتها من المشهد، وربما محاكمتها على كل ما ارتكبته بحق الكيان السوري ومكوناته، تميزت هذه الهويات بأنها طارئة وغب الطلب وتناسب الظروف الراهنة، فأخرج نظام الأسد من سراديب متاحفه هويات أرامية وحثّية، لاغياً بذلك الهوية العربية بسبب تعاطف الشعوب العربية مع الثورة السورية، وبالمقابل خرج بعض خصومه بهويات قائمة على نمط إسلامي متطرف لم تعرفه بلاد الشام طوال تاريخها القديم والمعاصر.

غير أن الضربتين اللتين ستقصمان ظهر الوطنية السورية جاءتا، أولاً، عبر استخدام نظام الأسد لمؤسسات الدولة السورية وإمكانياتها في حرب الإبادة التي شنّها على خصومه، وهم غالبية الشعب السوري، الأمر الذي سيدفع هؤلاء للبحث عن خيارات أخرى تؤمن لهم الحماية والتي سيجدونها، بعد فك ارتباطهم في الدولة وهويتها الوطنية، في الأهل والعشيرة والطائفة، التي ستحتضنهم بعد أن لفظتهم الدولة، أو بتعبير أدق بعد اكتشافهم أنهم مواطنون بلا دولة.

ثانياً، عبر توزّع السيطرة على الوطن السوري بين أربع قوى إقليمية ودولية، روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث بات هناك ولاءات لهذه الدول، وتشكّلت مصالح وعلاقات معها، فمثلاً لم يعد هناك وحدة اقتصادية بين السوريين فبات بعضهم يتعامل بالليرة التركية وآخرون بالدولار ومن يقع تحت سلطة النظام بالليرة السورية، كما اختلفت مناهج تعليم وتنشئة التلاميذ، وتباينت مفاهيم الوطنية، وأصبح لها تفسيرات مختلفة حسب السلطة التي يتبع لها السوري، واختلفت كذلك الأولويات من حيث ترتيبها وأهميتها، ونفس الشيء بالنسبة للسوريين الذين لجئوا إلى دول الجوار وإلى أوروبا والذين أصبحت الهوية السورية بالنسبة لهم مجرد نستولوجيا في ظل انخراطهم في تعقيدات الاندماج وتعلم اللغات وتدشين مسارات جديدة لأبنائهم وبناتهم.

يطرح هذا الواقع السؤال عن إمكانية بعث هوية وطنية سورية من هذا الركام الذي يعم المشهد السوري، وما إذا كانت هناك فرصة لرتق النسيج الاجتماعي الذي شهد تمزقات هائلة طوال سنوات الحرب؟.

في التجارب التاريخية، البعيدة والمعاصرة، استطاعت المجتمعات والدول بعد إخماد نيران الصراعات فيها والتوصل إلى تسويات مقبولة من جميع مكوناتها، إعادة بعث هويتها الوطنية من جديد، وتشكّل رواندا مثالاً بارزاً في هذا الإطار، لكن، وإن كانت المقارنة بين رواندا وسورية جائزة من حيث حجم الخسائر البشرية، فإنها لا تبدو كذلك لجهة كثافة التدخل الخارجي في الأزمتين، ذلك أن سورية مرشّحة لبقائها تحت سيطرة قوات أجنبية لمرحلة طويلة، وفي أحسن الأحوال بقاء السيطرة الروسية والإيرانية لعقود قادمة، جراء الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعها الطرفان مع النظام السوري، وهذا البقاء سيظلّ سبباً للانقسام في سورية واستمرار الشرخ في الهوية الوطنية السورية، وهو أمر مرجح دوامه لسنوات طويلة، وكلما طال الوقت إلتصقت المكونات السورية في إطار هوياتها الجديدة، إما تلك الما دون وطنية “قبائلية وعشائرية” أو الما فوق وطنية”الأعراق والطوائف”، والنتيجة الطبيعية لذلك زوال الهوية الوطنية السورية للأبد.

 

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.