تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ملوك مصر

إحدى المشاركين اللذين ارتدوا أزياء المصريين القدامى ملوك
صورة تم التقاطها يوم 3 إبريل 2021 لإحدى المشاركين اللذين ارتدوا أزياء المصريين القدامى انتظاراً لانطلاق موكب نقل 22 مومياء لملوك مصر القدامى من المتحف المصري الموجود في ساحة التحرير بالقاهرة وصولاً إلى المتحف الوطني الجديد للحضارة المصرية، وذلك على مسافة ٧ كيلومتر تقريباً إلى جنوب مدينة الفسطاط التاريخية (القاهرة القديمة). المصدر: Mahmoud KHALED / AFP.

حكيم مرزوقي

ابتهجت كثيرا لذلك الموكب المهيب الذي تحتفي فيه القاهرة بملوكها، وهم ينتفلون من متحف إلى آخر. لكني تذكرت شيئا: قيل – والعهدة على الراوي – أنّ أقدم رسم كاريكاتيري في التاريخ هو عبارة عن غراب يطلع السلّم درجة إثر درجة، يكابد على نفسه والعرق يسيل غزيرا من ريشه ومنقاره الأصفر المهان.

رسم هذه المفارقة أحد بناة الأهرام على جدار كهفه الحزين؛ كهفه الذي يأوي إليه بعد يوم طويل يقضيه تحت الشمس والسياط والشتائم.. وأعين ربّ ينظر، يختبر ثمّ يقرّر: ينتقم أو لا ينتقم.. ذلك هو السؤال.

كان العامل مرهقا، متذمّرا وكاظما لغيظه مثل غراب يتسلّق سلّما، رغم كلّ ما أوتي من أجنحة وريش وقدرة على الطيران والتحليق فوق تلك المقبرة الأعجوبة وجثث رفاقه الذين لقوا حتفهم تحت أحجارها.

ولأنّ فنّ المفارقات لا تصنعه إلاّ المفارقات، فإنّ تلك القبور القصور بناها أموات تأجّل دفنهم تحت الأنقاض. هل حقّا أنّ الناس طير لا تطير؟

لم يكن ذلك الرسم على السحاب، وإنّما بالحجر وعلى الحجر… كان في كهف مظلم لا يدخله السادة ولا الشمس. لكنّ تلك الابتسامة الموجعة التي أودعها دفتره الصخريّ، كانت – وستظلّ – أكثر بلاغة وأطول عمرا من الأهرام وأبي الهول.

لم تكن أيقونة الغراب الناكر لنعمة الأجنحة تسلية أو عبثا أو استعراضا لمهارات تقنيّة، بل كانت فعلا تطهيريّا يمنح صاحبه القدرة على النوم والحلم والطيران.. ولو بأجنحة متكسّرة.

هكذا خرج كل رسّامي الكاريكاتير في العالم من عباءة الغراب السوداء وجعلوا من المتفرّج القارئ شريكا في التعليق أو الاكتفاء بالابتسامة في مقارعة الألم.

أثبت التاريخ أنّ النكتة والطرفة والسخرية سلاح لا يصدأ وأنّ الأموات وحدهم لا يضحكون ولا يتألّمون.. وأنّ المتغطرس الذي نعجز عن صدّه – ولو بالكلام – سيتفرعن أكثر.

لكنّ للابتسامة – كما للدمعة – ألوانا وأنواعا ومقاصد شتّى. فقل لي ما يضحكك أقل لك من أنت وحتى ما يبكيك أيضا. أما من حرم الضحك والبكاء، فهو أشبه بسنّ نخرت وسحب عصبها، فلا تأمل شيئا ممّن أضاع الحزن والفرح وفقد الدهشة والإدهاش.

لكنّ الأخطر من كلّ هذا هم أولئك الذين يتفانون في خدمة جلاّديهم؛ يقبّلون أياديهم ولا يدعون عليها حتّى بالكسر كأضعف الإيمان بل يعتبرون ذلك واجبا مقدّسا كما تشير إحدى النظريات الباحثة في ملابسات بناء الأهرام.

سأختم بحكاية: أطبق السيّد الروماني بقبضته على يد حواريّ نحيف. قال الأخير: احذر يدي يا سيّدي. شدّد السيّد من قبضته، فهمس الحواريّ: “يدي تؤلمني، أظنّك ستكسر يدي يا سيدي”. فعلها السيد وكسر يد الحواري الذي قال بنفس الصوت الخافت: ها قد كسرت يدي يا سيدي.


ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.