تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الشعر يهزم السلطة: مظفر النوّاب كنموذج

رجل عراقي وهو يطعم طيور النورس على أحد جسور نهر دجلة
صورة تم التقاطها يوم 11 ديسمبر 2020 لرجل عراقي وهو يطعم طيور النورس على أحد جسور نهر دجلة وسط العاصمة العراقية بغداد. المصدر: AHMAD AL-RUBAYE / AFP.

يوسف شرقاوي

ثمّة إلى اليوم شعراءٌ يخطؤون العالم، قادرون على أن يكونوا “روميو”. إلا أنّ القهر العربيّ يجبرهم على مغازلة الحكّام والساسة وأجهزة الأمن عوضاً عن “جولييت”، بلغةٍ مختلفة تماماً: الهرّاوات مقابل الشتيمة، التعذيب مقابل البصاق، والقتل الآني، قتل إنسانية الإنسان، مقابل أن يبول المقتول عليهم.

استطاع الشاعر العراقي “مظفّر النوّاب” خلقَ لغةٍ تخصّه وحده؛ لغة لا يمكن لشاعرٍ آخر أن ينتجها ما لم يكن منفياً من عواصم الدول العربية، أو يخضع للتعذيب الجسدي والنفسي؛ ما لم يقف أمام “الغول” في طهران، ويتناوبه بالسوط وبالأحذية الضخمة عشرة جلّادين.
يقول النواب في إحدى قصائده:

“وكان كبير الجلّادين له عينان كبيتَي نملٍ أبيض مطفأتَين
وشعرُ خنازير ينبت من منخاريه
وفي شفتيه مخاطٌ من كلماتٍ كان يقطرها في أذني
ويسائلني: من أنت؟
خجلتُ أقول له:
قاومتُ الاستعمارَ فشرّدني وطني
غامَتْ عيناي من التعذيب”.

كان الشاعر القادم من عائلةٍ أرستقراطية قد انتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي، وبعد الانقلاب الذي حدث سنة 1963، صار مُلاحَقاً فهرب إلى إيران واختفى في طهران. تم اعتقاله هناك خمسة أشهر بلا أن يعرف ما يحصل في بلده، ومن طهران تمت إعادته إلى البصرة في العراق، ثم أُرسِل إلى بغداد.

بدأت مسيرة الرفض هناك، الرفض الذي سيصير فيما بعد لغةً يتقنها النوّاب، حيث انطلقت أولى قصائد رفضه: “البراءة”، والتي ستجعل من الانتهاك وحشاً يطارد الشاعر ويراقبه. هناك، هزم الشاعر السلطة لأوّل مرة، وقال لاءه الأولى على العلن؛ اللا التي ستحكم عليه بعشرين سنة من السجن، والقصيدة التي ستزيد المدّة ثلاث سنوات. لقد بدأت مسيرة النفي بِلا، وقصيدة.

كانت المحاكمة ساذجة. وقف النوّاب وطلبوا منه أن يشتم الحزب الشيوعي ليحصل على براءته. لم يكن الموقف سهلاً، فإجابة الشاعر ستوثر على مئة وعشرين سجيناً معه. قالوا له: اشتم. فقال: لا. قالوا: اشتم كلّ الأحزاب، فقال: لا. وكتب قصيدة “البراءة” في الشعر الشعبي، يقول فيها على لسان الأم:

“يكون الدهر ضعضغ منك عظم للخيانة
وساومت جرحك على الخسة وأخفيته
يا بني خلّي الجرح ينظف
خلّه يرعف خلّه ينزف
يا بني لا تلثم شرفنا
يا بني يا وليدي البراءة تظل مدى الأيام عفنة
تدري يا بني بكل براءة
كل شهيد من الشعب يعاد دفنه”.

لم يكن النوّاب رافضاً من خلال شعره فقط، إنما بكل موقف من حياته، فهو “يزعجه نصف الموقف أكثر”. في سجن الحلّة سنة 1965، ساهم الشاعر في تهريب “حامد مقصود”، الذي كان محكوماً بالإعدام. صار الشاعر رساماً إذ ذاك، فقد حوّل “حامد” إلى شيخٍ ثمانيني ونقش ختم السجن على يده كي يبدو بهيئة الزائر، فيما حوّل وسادته لهيئة مريض نائم، وانطلت الخدعة على الشرطة. بعدها، مطلع 1968، هرب النوّاب نفسه من السجن، لقد اعتاد هربه كما قصائده التي تصل إلى قرّائها بذات الطريقة، وهو ما يضفي عليها مزيداً من الرهبة. اعتاد هربه الذي يكون قبل المواجهة، فحتى أثناء اعتقاله في إيران حاول أن يهرب. أما المحاولة الثانية من سجن “الحلة” فقد نجحت عبر حفر نفقٍ في السجن، هرب منه أربعون سجيناً منهم النوّاب، واختفى في بغداد قبل أن يصدر عفوٌ عام عن المعارضين السياسيين.

كانت تلك هزيمته الثانية للسلطة، في الشعر والحياة، وقد اعتاد الشاعر انتصاراته المقرونة بلا شك بعذاباته ومنافيه. اعتُقل في أيلول 1967، حيث التقى “صدام حسين“، وربما كانت السلطة تحاول آنذاك شراء صمته، أو تسيّر كلامه، وهو الذي يقول عن كليهما: “لماذا يدخلُ القمع إلى القلب، وتستولي الرقابات على صمتي وأوراقي، وخطوي ومتاهاتي، ألا أملك أن أسكت، أن أنطق، أن أمشي بغير الشارع الرسمي، أن أبكي، ألا أملك حقاً من حقوق النشر، والتوزيع للنيران مجاناً؟”

في بناءٍ مجهول، قابله “صدام حسين”، وسأله: ألا تثق بنا نحن القيادة المركزية؟ فقال النوّاب: “يمكنك أن تعيدني، ليس عندي ثقة بكم”.
هذا الهرب الدائم من مكانٍ إلى آخر، والنفي، كان انتهاكاً لإنسانيّة النوّاب، فخلق بدوره انتهاكاتٍ لغويّة، بهجومه على الوزراء واجتماعات البرلمانات والشرطة والمخبرين، ولقاءات القمّة العربية. يسأل في قصيدته “الحانة القديمة”: ” كيف يكون الإنسان شريفاً وجهازُ الأمن يمدّ يديه بكلّ مكان؟”.

شتم النوّاب بالإنابة عن أمةٍ كاملة، وبالأصالة عن نفسه. كان نائباً عن مئات الآلاف من المساكين الذين لا يستطيعوا توجيه الشتيمة لمن يستحقّها. وبذلك كان ينفّس عن حنقهم، عن حنق أمةٍ كاملة كان يخاطبها كما علّمه الدم، ويوزّع شتائمه بكرمٍ على من يستحقّها، على مَن عذّبه بغير حق، ومَن اغتصب أراضيه، ومَن باعه، ومَن قتل فرحه. صارت شتائمه شموليّة، يطلقها من حنجرةٍ فيها حناجر أمّة مُكمَّمة، في زمنٍ سمّاه زمن البول، إذ يقول:

“أبول على الشرطة الحاكمين، إنه زمن البول، فوق المناضد والبرلمانات والوزراء، أبول عليهم، بدون حياء، فقد حاربونا بدون حياء، سلطات القردة، أحزاب القردة، أجهزة القردة، كلا، أشرف منكم فضلات القردة”.

هذا الانتهاك اللغوي الموظَّف في الشعر، لم يكن إلا رداً على الانتهاك الإنساني، والقهر المُنزَل بالآلاف. لكنّ واحداً فقط تجرّأ على توظيفه والنطق به، الكلمة أمام الهرّاوات وكراسي التعذيب، هو مظفر النواب.

الشاعر الذي قتلوا فرحه في كلّ عواصم هذا الوطن العربي، يعترف بالهزيمة الشمولية، ويصرّح بها، في قصيدته “قمم”:

“أعترف الآن أمام الصحراء بأني بذيءٌ كهزيمتكم
يا حكاماً مهزومين، ويا أحزاباً مهزومين
ويا جمهوراً مهزوماً
ما أوقحنا، ما أوقحنا، ما أوقحنا
ونكابر، ما أوقحنا!”.

بعد الشتيمة التي وجهها في القصيدة: “أولاد القحبة لا أستثني منكم أحداً”، أطلِقَت النار على الشاعر. لكنه نجا، ويقول عن الجملة: “أمّا الآن تعوّدوا عليها”، ويضحك.

في وطن الغربة، والشعور الجمعي بالاغتراب، سألَ النوّاب:

“وطني، هل أنتَ بلاد الأعداء؟
يا وطني المعروض كنجمة صبحٍ في السوق”.
وفي مخاطبته للإله يقول:
“سبحانك كلّ الأشياء رضيتُ سوى الذل
وقنعتُ يكون نصيبي في الدنيا كنصيبِ الطير
ولكن سبحانك، حتى الطير لها أوطان وتعود إليها
وأنا ما زلتُ أطير
فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر
سجونٌ متلاصقة
سجّانٌ يمسك سجّان”.

بعد هذا كلّه، يطلب النوّاب الغفران، وهو محتفظٌ بموقفه الرافض:

“اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية،
بعضكم سيقول بذيئة،
لا بأس،
أروني موقفاً أكثر بذاءة ممّا نحن فيه”.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.