تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

وجودية سارتر كمذهب إنساني تخلو من الفلسطينيين

Jean-Paul Sartre
صورة تم التقاطها في ٢٢ أكتوبر ١٩٧٠ للفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر. المصدر: AFP.

يوسف شرقاوي

كان تأثير المفكّر الوجودي الفرنسي جان بول سارتر غير محدود في العالم العربي. فمنذ أسّس لمذهبه الوجودي وأطّر له، انبهر المثقفون والمفكرون العرب به، وكتبوا عنه وترجموا له، بالإضافة إلى أنهم رؤوا فيه شخصية المفكّر المناضل الداعم للثورات التحررية في أي مكان حول العالم. نرى ذلك في الألقاب التي أُطلِقَت عليه في مانشتات الصحف العربية خلال زيارته للقاهرة سنة ١٩٦٧، مثل: “ضمير العصر”. ردّ سارتر آنذاك: “أنا ضمير العصر كلّه؟ أنا لستُ حتى ضمير نفسي”.

تبدو الجملة كأنها مزحة، لكنها تشمل الحقيقة كاملةً، فسارتر لم يكن حتى ضمير نفسه. لقد ظلم الفيلسوف جماعةً بشرية كاملة وسلبها حقها الوجودي، الرجل نفسه الذي عومل كعدّة منظمات دولية، وعُلِّقَت عليه آمال كبيرة وكثيرة.

يبدو غريباً أنّ المفكّرين العرب الذين عقدوا آمالهم على أن يتّخذ سارتر موقفاً له من القضية الفلسطينية أثناء زيارته للقاهرة سنة ١٩٦٧، لم يكونوا على دراية أنه قد اتّخذ موقفه قبل ذلك بوقت كبير. على وجه التحديد عام ١٩٤٤، حين كتب أطروحته: “تأملات في المسألة اليهودية”، ولم تُترجم الأطروحة إلى اللغة العربية إلا قبل سنوات قليلة.

إذن، زيارة سارتر إلى القاهرة كانت فاشلة حتى من قبل أن تبدأ، بينما كان المثقفون العرب ينتظرون رأيه في الصراع العربي – الإسرائيلي. فالفيلسوف الذي احتل شهرة القرن العشرين لنفسه فقط، سيكون موقفه مؤثراً على نحوٍ هائل، لكنه كان ظالماً.

في دراسته “تأملات في المسألة اليهودية” – وقد ترجمها الدكتور حاتم الجوهري قبل سنوات قليلة مرفقاً إياها بدراسة له – لم يكتفِ سارتر بتقديم الدعم السياسي فقط للصهيونية، وإنما قدّم لها تنظيراً فلسفياً باعتبارها التمثل الحقيقي كممارسة يهود العالم لحقهم في الوجود الحر واتخاذ موقف يعبّر عنهم بوصفهم جماعة تحمل “موقفاً وجودياً مشتركاً”.

كانت الأطروحة من أهم أوراق الدعاية الصهيونية – دون أن يدري بها المثقفون العرب – حيث قدّم سارتر الصهيونية باعتبارها الحل والمقابل للهولوكوست في أوروبا. واعتبر مَن يرفض الصهيونية داعماً للفكر النازي، كأنه يجب على العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً التكفير عن ذنب أوروبا ودفع ثمن غسل تاريخها ويدها من الدماء.

Jean Paul Sartre
صورة تم التقاطها لجان بول سارتر في 27 سبتمبر 1979 في باريس. المصدر: GABRIEL DUVAL / AFP

الرجل الذي انتظره العرب كان قد صوّرهم على أنهم امتدادٌ للنازي الأوروبي المضطهِد لليهود والمهدِّد لوجودهم. وقد أنكر سارتر الفلسطينيين وسَلَبهم حقّهم الوجودي عبر ثلاث مراحل، أولها حيث كان مدفوعاً بأحداث الاضطهاد النازي، أي أثناء تأليفه لأطروحته، حيث أنكر وتجاهل الفلسطينيين وحقهم الوجودي الحر. أما الثانية فحين أسقط صورة النازي على العربي كمضطهِد وعدواني، وبعد أن أدرك عبثيّة موقفه اختطّ لنفسه موقفاً توفيقياً فكّر أنه سيحفظ ماء وجهه، معتبراً العربي ضحية ومظلوماً، مثله مثل اليهودي في أوروبا.

كان الموقف السارتري سائداً في أوساط المثقفين الفرنسيين وكثير من الأوروبيين، بينما كان المثقفون العرب ما يزالون ينتظرون، بلا علم بالموقف المسبق لسارتر.

تغاضى المفكّر الذي أطّر للوجودية كمذهب إنساني عن فكرة “العدل الوجودي” و”الحرية المتبادلة”. تعامى سارتر عن الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، لم يتطرق لمنطق العدل وحرية الفلسطينيين في الوجود. لقد سلبهم وجودهم في منهجه الظاهري، ودون أن يستخدم منهجاً تاريخياً لمقاربة المشكلة وتحليل جوهرها، بل اعتمد على مجموعة من الانطباعات الذاتية لمجموعة من الناس جمعها في مقابلات خاصة.

كانت فلسفته قائمة على “الآن”، ولم يكن عنده أبعد مما هو “حاضر”. كما لم يعد في أطروحته لكتب ومراجع ومصادر تاريخية بقدر ما عاد لآراء الإنسان المعاصر.

سرعان ما تم التوظيف الصهيوني لفلسفة سارتر ومفهومه عن معاداة السامية، وتم دمج وإلحاق مصطلح “معاداة الصهيونية” به، في سياق المظلة التاريخية لسارتر.

نسي سارتر المطالبة بحرية الفلسطينيين الوجودية، سلبهم إياها، ولم يبقَ لهم سوى خيارين وجوديين قاهرين نتيجةً للاضطهاد الصهيوني، إما البقاء وحمل السلاح للدفاع عن وجودهم الذي يُسلَب، أو الشتات الجبري والضياع الفلسطيني.

بقي العرب منتظرين، وعاد الرجل من القاهرة. ثم في حرب ١٩٦٧، وقّع عريضة تحمّل العرب مسؤولية اندلاع الحرب، وأعلن مع عدد من المثقفين تأييدهم الكامل لإسرائيل، ودفاعهم المستميت عنها واستنكارهم لما وصفوه بتهديد سلامتها من الدول العربية. كانت العريضة تكتفي بالمطالبة بفتح مفاوضات مباشرة بين دول ذات سيادة دون أن تذكر إطلاقاً حق الفلسطينيين الشرعي في تكوين دولتهم المستقلة. أيضاً، كان الفيلسوف المُنتظَر قد استخدم في حديثه عن العرب عبارات سلبية جداً منها: “العصابات العربية تستعد حول حيفا، لقد هُيئ للمذبحة”. على أنّ الفلسطينيين كانوا من يُذبح، في مجازر لا يمكن حصرها.

Sartre and Nasser
صورة تم التقاطها في مارس ١٩٦٧ لجان بول سارتر مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. المصدر: MENA/ AFP.

كانت تلك هي الخيبة التي تلقّاها العرب بلا أن يعرفوا أنه وجّهها قبل ذلك بعقدين، أي أثناء كتابته للأطروحة. ولكن، حينما أصبح موقف سارتر من الفلسطينيين المضطَهَدين محرجاً، بدأ في التعامل معهم والتعرّض لوجودهم في القضية، ولكن بمحددات واضحة. كان موقفه من الفلسطينيين قائماً على الاستيعاب والدمج في ظل القيمة المقدسة عنده: وجود إسرائيل.

نسي سارتر أن يطالب للفلسطينيين بحق الاستيعاب كما هم عليه. أراد أن يجرّدهم من حقيقة أنهم شعب مشتت سُرِقت أرضه، وأن يستوعبهم في عمليّة “سلب وجودي” لا تراعي موقفهم. كان يرى المشكل الذي ما يزال عالقاً هو وجود اللاجئين الفلسطينيين فقط، لا وجود الشعب الفلسطيني.

أدرك الفيلسوف عبثية موقفه في أواخر الستينات، وقال بعد مرور أكثر من عشرين سنة على كتابته لأطروحته: “أجد الآن، أنّ العالم العربي وإسرائيل متصادمان حقاً، أنا أعيش بهذا الصدام كما لو كان مأساتي، إنّ الحوار بين العرب وإسرائيل مستحيل، حيث لا يوجد على الإطلاق الأساس المطلوب لذلك”.

لقد قفز فيلسوف الحرية الإنسانية – عاصباً عينيه – على خطيئته في حق الإنسان الفلسطيني الذي سلبه حريته الوجودية، معتبراً أنّ العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين هي علاقة متساوية بين طرفين مظلومين. وهناك إزاحة في الزمان والمكان والتاريخ في تبرير سارتر لدعمه للحق الإسرائيلي على حساب الحق الفلسطيني، كما يوضّح الدكتور حاتم الجوهري. فعلى الصعيد المكاني، ظُلِم اليهود في أوروبا فكيف يكون الحل في فلسطين؟ أما الزماني، فقد ظلمت أوروبا اليهود على مدار العصور الوسطى، كيف يجيء الحل في القرن العشرين على حساب الفلسطيني؟ وعلى الصعيد التاريخي، فقد انتهى وجود الجماعات اليهودية في المنطقة كسلطة سياسية منذ فترة تزيد على الألفي عام، فكيف يستخدم ذلك لتبرير سلبهم لحق الفلسطيني؟

المصادر:

[1] The Arabic translation of Jean Paul Sartre “Anti-Semite and Jew”. The book came under the following name (Contemplations in the Jewish Question).
[2] A study in Arabic made by Dr. Hatem El-Gouhary under the title (Sartre between Zionism and Stripping the Existential Right of Palestinians).
[3] A book in Arabic with the following name (Sartre and Modern Arab Thinking).
[4] A book translated into Arabic under the title “Simone de Beauvoir and Jean Paul Sartre: Face to Face” – Originally “Tête-à-tête” by Hazel Rowley.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles