تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الشيخة ريميتي، رائدة الراي النسوي الجزائري

Rai music
فتيات جزائريات يلوحن بالعلم الجزائري يوم ١٨ يوليو ١٩٩٨ أثناء عرض قدمه الشب فضيل، وهو مغني راي ذي الأصول الجزائرية، في مهرجان “فرانكوفوليز” بمنطقة لا روشيل غرب فرنسا. المصدر: (صورة إلكترونية) FRANCOIS GUILLOT / AFP.

شيخة البروليتاريا التي وصفوا حريّتها بالمسرفة

يوسف شرقاوي

ما نزال إلى اليوم نشهد ظهور مغنّين “شباب” و “شابّات” في الجزائر الشهيرة بموسيقى الراي، وهو لقبٌ ظهر في الثمانينات معوّضاً لقب الشيخ أو الشيخة. والراي أحد أصناف الغناء الشعبي التقليدي، وتعني طريق الرؤيا وكذلك الهدف أو الخطة، وتشمل كلمة الفكرة.

يقول الشيخ الصنهاجي، أحد روّاد هذا الفن، واصفاً إياه: “الراي، يقول هذا رايك، بمعنى كان لديه راي جيد”. ويردّه مصطفى رمضاني، أستاذ الثقافة الشعبية، إلى ما يُسمّى بالغيوان، والغيوان عبارة عن مردّدات غنائية منفصلة عن بعضها البعض.

كما أنّ له مصادرٌ أخرى، منها مصطلح “الزريعة”، وتعني: عمليّة زرع الأبيات، أي أنّ الذي يريد غناء أغنية معيّنة سيزرع بيتاً فيها دون أن يكون هناك ترابط بين البيت السابق واللاحق.

انطلق الراي من إيقاع يُدعى “الركادة”، وهو كذلك نوع من الرقص في الغرب الجزائري والمنطقة الشرقية من المغرب.

فيما تقول الموسيقية “حميدة”، إننا في بدايات الراي لا نتحدث عن موسيقاه ولكن عن كلماته، التي هي تحديداً شعر الملحون، وشعر الملحون يتضمّن شيئاً من التصوف، ما يعني أنّ ثمّة نبوءة وراء كلّ ذلك. بعد ذلك كان الراي لحناً جاء لتأطير نص يعبّر عن الآلام والمعاناة أو الفرح، ولغته هي لغة لسان حال الناس، كأنّ المغنّي ينوب عنهم فيما يريدون أن يقولوه ليعبّروا عن ذواتهم.

إذا ما عرفنا أنّ مغنّية فقيرة اسمها “سعدية باضيف”، قدمت من قرية قريبة إلى وهران الجزائرية، قد أُطلِق عليها “الشيخة ريميتي”، فسوف يتجلّى لنا من الاسم حجم ما كسرته هذه الامرأة في قلب المجتمع التقليديّ المحافظ.

كانت مغنيّة البروليتاريا جوّالة، تطوف بين قرية وأخرى، في الحانات الليلية، والاحتفالات الريفية، وفي الخامسة عشر من عمرها كانت تعمل في مهن بسيطة جداً، كما تقول، “كنت أجمع التين، وأحياناً الزيتون وسنابل القمح”. لكن الأمر لم يدم طويلاً، إذ في الخمسينات تعرّفت على الشيخ محمد ولد النمس، الذي لحّن أوّل أعمالها “هاك السرّة هاك”. وتُعد هذه الأغنية أول أغنية إيروتيكية في مسار الأغنية البدوية.

ثبّتت الشيخة قدميها عميقاً في أرضٍ سوف تحملها إلى القضايا والهموم النسائية، وأغانٍ سوف تكسر باب المحظورات، وتتطرّق للعلاقة بين الرجل والمرأة، للعلاقة الحميمية، للجسد، للخمر. وقد حرمها هذا من التسجيل في الإذاعة الجزائرية، على أنها لن تغفل الغناء للمقاومة الجزائرية، وللثورة، ولبطولات المقاومين في الجبال. في أغنيتها “الرقبة إيروح يجاهد والهانة إبيع خوه”، حيث تقول: “إنّ جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني لم يكونا ملزمين بالتواصل معي وإبلاغي ضرورة الانخراط في صفوف الثورة. شرعت منذ اندلاع الثورة في الغناء من أجل جزائر حرّة مستقلة. كان خيار المقاومة المسلحة مبدأً. كنّا نتابع بجدية وحماسة أيضاً الخطابات الوطنية التي يطلقها مصالي الحاج آنذاك. الشيخ المداني كان يكتب متأثراً بتلك الحقبة، كذلك أذكر أنّ الشيخة خيرة قنديل سبقتني في مسعى مواجهة القوة الكولونيالية والغناء من أجل الجزائر”، وذلك دفاعاً عن نفسها أمام وصمها من قبل جبهة التحرير بالخليعة، واتهامها بعدم الاكتراث للانضمام إلى صفوف الثورة.

بعد إصدار ألبومها الثاني “شرك قطع” عام ١٩٥٤، مُنعت الشيخة منذ عام ١٩٦٢ حتى وفاتها من الغناء في الجزائر. كما أنها منعت من حضور الحفلات العامة فيها. البعض رأى في أغنية “شرك قطع” بياناً لتفسّخ الأخلاق وانحلال قيم المجتمع الجزائري.

“طلع طلع طلع شرق قطع
باغي نكمي حتى نصرع
عطوني لي قوت وخلوني نموت
يا تاسي تاسي
زيدوني قطرات نعمر راسي
في ماجات كلات
جيبولي تنستار زيدوني لا روس
على جال القطار نولي برهوش
خلوني نهروي مانيش مليح
نشرب ونلوي حتى ألي نطيح
طلع طلع طلع شرق قطع”

لم تظهر من قبل مغنيّة عربية تكسر كل التصوّرات النمطيّة لتلقي الضوء على نموذج المرأة التي توصف بالخانعة والراضخة. الشيخة ريميتي كانت مغنيّة تغنّي بقوّة عن الخمر، عن المتعة الجسدية، وعن الجنون والجِراح. وبذلك فقد كانت المغنية التي وصفتها فيما بعد صحيفة “الحرية” على أنها لم تنل التقدير في موطنها بسبب “حريتها المسرفة”.

يبدو غريباً ذلك التناقض في المجتمع العربي الذي يتابع تسلّل “الزير سالم” إلى موارد الماء ليتلصّص على النساء، ويغبّ الخمر نهاراً وليلاً، ويتغنّى به. إنه مجتمع يحبّ الشاعر “أبو نوّاس” لأنه أنشد للخمر والنساء والجسد والجنس، لكنه ما إن يلمح امرأة تتجرّأ على غناء أوجاعها ورغبتها بالسكر “زيدوني قطرات نعمر راسي”، سوف يحرمها من أبسط حقوقها المشروعة، ويصف حريّتها بالمسرفة. المرأة التي اكتسبت لقبها في إحدى الحانات التي احتضنت بداياتها، كانت سعدية كلما أفرغت كأسها تطلب من النادل أن يصب لها مجدداً، فتقول “Remettez” أي (صب)، وهذا ما منحها لقب ريميتي، إلى أن صارت الشيخة ريميتي.

لم تنته مسيرة الشيخة هنا، حيث سافرت إلى فرنسا في السبعينات، وتوالت حفلاتها في أوروبا وإفريقيا وأمريكا، تاركةً ما لا يقل عن مئتي أغنية من عيون الراي، وهي تحمل قولها الشهير: “أنا كحلة وفحلة ونجيب العشاء في المحنة”، حتى رحلت بعد حفلة أقامتها في باريس مع الشاب خالد والشاب عبدو والشاب خلاص سنة ٢٠٠٦.

المصادر:

[1] الراي من النشأة إلى العالمية، الجزيرة الوثائقية.
[2] تاريخ موسيقى الراي، مازن منصور، الحوار المتمدن.
[3] موسيقى الراي من وهران إلى أعتاب العالمية، غسان خروب، البيان.
[4] أغنية الراي سيرة ومسيرة انطلقت من أرض البكر، خليفة فهيم.
[5] أغنية الراي من ملحمة الهامش إلى سنوات الدهشة والحيرة، أحمد عياشي، الحياة.
[6] الشيخة ريميتي… أم الراي وشاعرة الحواس، سعيد خطيبي، الأخبار.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

في هذه المقالة: الجزائر | الثقافة - الشعر - تدوينات
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles