تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الهوية كظاهرة لغوية أكثر من اجتماعية

صورة تم التقاطها يوم
صورة تم التقاطها يوم ١٣ مايو٢٠١١ لمتظاهرين مصريين وهم يرفعون أعلام الدول العربية في ميدان التحرير بالقاهرة. المصدر: KHALED DESOUKI / AFP.

نور عباس

تأخذ الهوية اليوم حيزًا من فكر الشباب العربي وأحاديثهم، بين لا منتمين للهوية وداعين للانتماء لها دون خلفيةٍ واضحةٍ عن “الهوية”، أو ما يحمله هذا المصطلح من أعباء وتشويشٍ وتفرعات. فالهوية قديمةٌ بقدم التاريخ الإنساني. إلا أنها لم تتشكل بصورتها الفلسفية والنظرية إلا في العصور الحديثة لا سيما القرن الثامن عشر. وبدأت الأبحاث حول هذا المفهوم المعقد تظهر إلى العلن، وتم عقد مؤتمرات كاملة لمناقشة مفهوم الهوية.

فبين العبء التاريخي الذي تحمله الكلمة والرزوح تحت وطأة القيم الاجتماعية الموضوعة، بدأت الهوية تأخذ طابعًا اجتماعيا وسياسيا ودينيا يرتبط بما يتوارثه المجتمع. وإلى جانب العوامل السابقة، فإن الطموحات الفردية المخالفة لتصوّر الهوية القيمي الجامد وما يرافق هذا التصوّر من تهديد بنزع الهوية عمّن يتخلى عن بعض قيمها، تدفع المرء للتساؤل حول القيمة الفعلية للهوية. فهل تشكل الهويات اليوم مانعًا لطموح بعض الأفراد أم وسيلة حمايةٍ للأكثرية؟ فالهوية تحمل أحكامًا مطلقةً تحولها إلى مأساة يفرضها المجتمع، سواء أكان ذلك كهوية دينيةٍ أو سياسيةٍ أو حتى أعرافًا اجتماعية، أحكامًا لا مجال لمخالفتها. والغريب أن نواة الهوية هي اللغة الواحدة…

اللغة التي خلقت التواصل بصوره الحالية ومكنت التواصل مع المجتمعات الأخرى حتى. إلا أن البشر قاموا بتشيئ الهوية اعتمادًا على اللغة، مما يمكننا اليوم من اعتبارها اليوم كظاهرة لغوية لا اجتماعية!
ولو اطلعنا اليوم على خطابات الهوية العربية منذ نشأتها، فإننا سنجدها خطاباتٍ عاطفية وعفوية لطالما بنيت على ثنائية الأنا والآخر. هذه الهوية بنيت على أساس الرفض أو القبول المطلق.

ومهما اختلفت صيغة هذه الخطابات، فإنها تقوم على المبدأ نفسه القائم على التقديس والثبات واللازمنية. وهكذا، فإن أزمة خطاب الهوية العربي تتمثل في تبسيط مفهوم الهوية رغم تعقيده وتحويل مجاله إلى ما لا يستطيع احتماله، واستمراره في منطق الثنائيات المطلقة (مقبول ومرفوض).
ولكل ما سبق، ظهرت الهوية العربية بشكل مقدس، يمنع المساس بشكلها الذي تم فرضه من قبل حراسها، الذين غالبا ما يتمثلون بالسلطة الدينية أو السياسية ويمنحون شرعية خطاب الهوية ويأطرونه أيضًا. وغالبا ما تفرض السلطة الهوية التي تضمن استمرارها، وتسمح بنقد الهوية المعتدل” مع الحفاظ على خصوصية الهوية”.

وهنا، يمكن أن نميز اتجاهين واضحين اتجاه مفهوم الهوية العربية، الأول هو اتجاهٌ ثابت يأخذه البعض تجاه هوياتهم المقدسة التي يمنع المساس بها أو المساءلة عنها. ويأتي التقديس من الفهم البسيط لمفهوم الهوية مما يدفعهم غالبا للتغني بها. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاهٌ أكثر ثباتًا يدعو إلى رفض كل ما يسمى هوية اجتماعية أو ذاتية، لأن هناك هويةً واحدة وهي الإنسانية! وهذا الخلاف هو نفس الخلاف القائم بين الفلاسفة حول مفهوم الهوية. فقد وصف الفيلسوف النمساوي فتجينشتاين الهوية بأنها مكمن الوجود بينما يصفها نيتشه بموطن الأوهام.

ونظرًا لكل هذه الخلافات والتعقيدات في التعريف والخطاب بين خصوصية المجتمع وإنسانيته، ينبغي علينا توضيح أن نقد الهوية لا ينبغي له تقويضها أو إلغاؤها. كما أنه لا يعني التأسيس لنزعة متطرفة عنها، بل ينبغي عليه أن يكتشف عناصرها المتصلبة وأن يمحي الأوهام المترتبة على الهوية، وجعلها مواكبة للعصر متقبلة للآخر دون محي الأنا. وهكذا فلا شيء يلزم الشباب المخالفين للقيم الاجتماعية أو السياسية أو الدينية التي تتمثل بهوية مجتمعاتهم التخلي عن هوياتهم، لأن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل هي بناءٌ متواصل للذات والمجتمع. ولكن كيف لنا أن نحمي هؤلاء من نزع هوياتهم عنهم!

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

user placeholder
written by
Mattia Yaghmai
المزيد Mattia Yaghmai articles