تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الموسوعة الفرنسية أعادت رسم صورة العرب والإسلام

مرأة تمر بالنسخة الأولى من الموسوعة الفرنسية
امرأة تمر بالنسخة الأولى من الموسوعة الفرنسية يوم 4 أكتوبر 2013 في “بيت التنوير” بلانغريه وسط فرنسا. المصدر: FRANCOIS NASCIMBENI / AFP.

يوسف شرقاوي

مثّلت الموسوعة الفرنسية “الإنسيكلوبيديا” تجسيداً لمشروع فلسفي تنويري كبير أطلقه نهضويّو فرنسا خلال القرن الثامن عشر، في ظل النظام الملكي. وكلمة “إنسيكلوبيديا” يونانيّة الأصل، تعني دائرة أو نظاماً كاملاً للمعرفة، واستخدمت للمرة الأولى في العصور الحديثة سنة 1559. حينذاك، كانت كتب المعارف العامة تسمى قبل ذلك بأسماء أدبية أو تسمى بالقواميس. يعرّفها عوني الداوودي أي “الأنسكلوبيديا” أو ما يقابلها في العربية “دائرة المعارف” بأنها: “شكل من أشكال بنك المعلومات؛ تضمّ بين دفّتيها المجالات والاختصاصات المختلفة، يتولّى مجموعة من الأكاديميين والمختصين إصدارها، وينظر إلى أي معلومة واردة فيها كحقيقة علمية وموضوعية، حيث يتفق ذوو الاختصاص بشأنها، لذا تعتبر الموسوعة مصدراً مهماً للباحثين والكتاب والقراء على حد سواء في أرجاء المعمورة”.

تفيد تسمية ذلك المشروع الفرنسي الذي عرفته أوروبا إبان القرن التاسع عشر بالعنوان الآتي: “قاموس معقلن للعلوم والفنون والمهن”. وشارك في كتابة مواد الموسوعة التي أشرف عليها وساهم فيها الفيلسوف الفرنسي “دنيس ديدرو” ١٦٠ كاتباً، حيث قام كلّ كاتب بصوغ المادة التي كانت تدخل ضمن اختصاصه. روسو تولّى المواد التربوية، أما فولتير فكتب المواد الفلسفية، والمواد السياسية كانت لدوبنتون (Daubenton)، ودولباك (d’Holbach) كانت له المواد السجالية. وتولى ديدرو المواد الفكرية والدينية كلها، ودالمبير (d’Alembert) المواد المتعلقة بالرياضيات، ومونتسيكو بعض المواد الحقوقية، فيما تولى بوفون (Buffon) المواد المرتبطة بالعلوم الطبيعية، وكيسناي (Quesnay) كلّ ما يتعلق بعلم الفيزياء، وهكذا.

وقال ديدرو في افتتاحيته: “إننا نهدف إلى نقد التعصب الديني الأعمى وكذلك التعصب السياسي أو بالأحرى الاستبداد السياسي، هذا بالإضافة إلى مدح الروح النقدية للعقل وحرية الفكر. ففرنسا بحاجة إلى أن تتنفس بحرية، إلى أن تتقن الروح النقدية الإبداعية بعد سبات طويل. آن أن تستيقظ فرنسا! فقد سبقها الآخرون”.

كان للمتنورين الفرنسيين موقفٌ متناقض مع الدين، إذ رؤوا فيه العائق الأساس في طريق التقدم الأوروبي. ولكن بسبب سطوة الكنيسة، فقد لجأ هؤلاء إلى الرمز والمجاز والتورية، ليصبّوا نقدهم للدين المسيحي والأديان عموماً عبر نقد الدين الإسلامي، مُعيدين تشكيل الصورة العربية. فكان نقد الإسلام رمزاً لنقد المسيحية، ونقد النبي محمد ومعجزاته رمزاً لنقد السيد المسيح ومعجزاته، ونقد القرآن رمزاً لنقد الإنجيل.

يرى المفكر السوري ممدوح عدوان أنّ اختيار فلاسفة عصر التنوير للإسلام والقرآن ومحمد كان يعني اختيار الهدف الذي يصبون من خلاله النقد القاسي على الدين دون أن يواجهوا اعتراضاً لدى القارئ الأوروبي العادي. فالأوروبي مهيأ سلفاً لقبول النقد للإسلام والتعريض به والسخرية منه. أي أنّ التنويريين تلاعبوا بالمعطيات التاريخية لكي يخترعوا شرقاً يتلاءم مع أغراضهم، فقالوا بعداء الإسلام للعلم وتناقضه مع العقل. وكان الهدف هو القول إن الدين إجمالاً، والدين المسيحي تحديداً، متناقض مع العلم والعقل. واختاروا الحديث عن المعجزات بالتطرق لمعجزات النبي محمد محاولين أن يثبتوا أنها خداع للعامة. وكانوا يقصدون بذلك أنّ معجزات الأنبياء كلها مناقضة للعلم والعقل، وبينها معجزات السيد المسيح الذي لا يجرؤون على انتقاده أو انتقاد معجزاته بشكلٍ مباشر.

في الآن نفسه، حاول التنويريون انتقاد المسيحية من خلال مديح الإسلام في بعض جوانبه، وذلك لإجراء مقارنة خفيّة، منه قول دو جاكور إنّ توصيف القرآن لله، أو التوصيف الله لنفسه فيه، يبدو متميزاً ومقبولاً. ويستشهد بآية “قل هو الله أحد” للتركيز على “لم يلد ولم يولد”، والغرض من ذلك كان نسف فكرة ابن الله في المسيحية.

كما امتدح الموسوعيون موقف الإسلام من الأصنام والتصوير والنحت ودعوته إلى عبادة إله واحد، وذلك من أجل انتقاد الانشغال الكنسي بصور المسيح والعذراء والصليب والزخرفات الكنسية. وهم امتدحوا أيضاً الزكاة كركن من أركان الإسلام، ليشيروا بذلك إلى أنّ المسيحية أهملت هذا الأمر الإنساني العظيم.

أما الضربة المفاجئة التي يراها عدوان هي تمييزهم بين العرب والإسلام. فمع تأكيدهم أنّ الإسلام معادٍ للعلم ومتناقض مع العقل، إلا أنّ العرب أقاموا حضارة عظيمة وخدمات جلّى للمدنية والعلم والعالم في عصر الرشيد والمأمون والمعتصم، ذاكرين أنّ هذا حدث بعد أن نوّع العرب مصادر معرفتهم وركّزوا اهتمامهم على فلسفة اليونان وعلومهم والفرس وعلومهم والهنود وعلومهم. والتمييز بين العرب والمسلمين تمييزٌ يتضمن مغالطات لا تليق بموسوعة معرفية، لأنّ الحكم العباسي الذي يبدون إعجابهم به، لم يبتعد عن الدين أكثر من غيره، ولم يكن حكماً عربياً خالصاً، إذ قام الحكم العباسي على أكتاف الفرس.

المشكلة الأكبر في الموسوعة أنّ الأسباب الداعية إلى هذا الموقف من الإسلام وإعادة تشكيل الصورة العربية لم تعد موجودة، فقد صار المفكرون الغربيون قادرين على نقد الكنيسة والدين. أما الموقف من الإسلام والعرب فقد بقي في الموسوعة للأجيال اللاحقة، ولم يقم أحد بإعادة النظر في مادة هذه الموسوعة.

المصادر:

مثقفو الإنسيكلوبيديا الفرنسية ومثقف دائرة المعارف العربية، فريدريك معتوق.

– الموسوعة والإنسيكلوبيديا والقاموس، د. أحمد إبراهيم خضر.

معركة التنوير الفرنسي، هاشم صالح.

– تهويد المعرفة، ممدوح عدوان.

الإسلام والعرب في نظر الإنسيكلوبيدي، ربيكا جوبين.


ملاحظة

لأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

written by
veronica
المزيد veronica articles