تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

أوروكاجينا والحريّة الأولى في تاريخ الإنسانية

معبد زقورة الكبرى، وهو بناء سومري ضخم
امرأة عراقية تمشي يوم 15 يونيو 2020 إلى معبد زقورة الكبرى، وهو بناء سومري ضخم مخصص لآلهة القمر نانا التي تعود بالتاريخ إلى عام 2100 قبل الميلاد في مدينة أور القديمة بمحافظة ذي قار العراقية على بعد 375 كيلومتراً جنوب شرق بغداد. المصدر: Asaad NIAZI / AFP.

يوسف شرقاوي

يمتد عصر فجر السلالات السومرية فيما بين نهاية عصر جمدة نصر (2900 ق.م)، وبداية عهد الإمبراطورية الأكادية السرجونية (2350 ق.م)، ويعتبر هذا الدور من أغنى الأدوار الثقافية والحضارية، حيث تبوّأت مدينة “لكش” Lakish مكانة ريادية لما أدّته من فعل حضاري. وقد تم اكتشاف آثار قيّمة لملوك سلالة لكش، وضمن ذلك ظهور مفهوم “الحريّة” لأول مرة في تاريخ الإنسانية، في كلمة “أماجي”، التي تم إيجادها في مخاريط سومرية عام 1878، وعُرِفَت بمخاريط الحرية، في إصلاحات أصدرها الملك “أوروكاجينا”، أحد ملوك سلالة “لكش”، والذي تم بوصفه على أنه أول مصلح اجتماعي في التاريخ، أما كلمة “أماجي” فهي تعني بمعناها الحرفي “العودة للأم”، هذا المصطلح كان يُستَخدَم في وقت مبكر في بلاد ما بين النهرين للإشارة إلى تحرر الشخص من الدَين. حيث استخدم الملوك المديونية عن الضرائب كوسيلة للسيطرة على الناس لخدمة الملك، وإعفاء شخص من الدَين يعني أنه أصبح حراً وقادراً على العودة لمنزله.

قاد “أوروكاجينا” انقلاباً على الملك “لوغال أندا” بعد ست سنوات من حكمه، ولم يكن الانقلاب دموياً، إذ بقي ابن الحاكم المخلوع على قيد الحياة، بلا أن يتم قتله، وهذا خارق للعادات السياسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ممّا ينبّئ أنّ الحاكم الجديد مختلف، ومن الجائز أنه يحمل بذور الاشتراكية الأولى، فالرجل خرج من بيئة كادحة، هذا ما تؤكده جملة إصلاحاته الاجتماعية التي أمر بتنفيذها واستهدفت كهنة المعابد ورجال الأعمال والمسؤولين، إضافة إلى أنه أعلن وصوله للحكم بمساعدة الشعب والكهنة.

من الإصلاحات التي قام بها الملك إضافة إلى قيامه بوضع حد لتسلّط الأمراء على خزائن وأملاك المعابد، ومنع ضم أراضي الآخرين إلى أملاك المعابظ واستغلالها من قبل رجال الدين لصالحهم الخاص، فإنه لم يسمح للعاملين في المعبد أن يستخدموا لصالح القصر، وحدّد الأسعار المناسبة للأراضي والمواشي، فلم يعد القوي يستغل الضعيف ويسلبه أملاكه لقاء أسعار زهيدة يحدّدها القوي نفسه، كما منح المواطنين حريتهم المفقودة في ظل العبودية نتيجة فقرهم وعوزهم واختلال الوضع الاقتصادي الذي كان يتحكم فيه كبار المرابين ورجال الدين والطبقة الحاكمة.
لقد جرّد الرحل العائلة المالكة والعائلات الأرستقراطية المتنفذة في البلاد من كل المكاسب غير المشروعة، عوضاً عن أن يسترضي الحاشية المالكة وأصحاب النفوذ من الإقطاعيين، فهل نجازف في القول إنّ ذلك يمكن اعتباره أول وصول بروليتاري لسدّة الحكم؟

بعض المؤرّخين أكّدوا دوره في انتقال السومريين من “اقتصاد المعبد” إلى مجتمع علماني أكثر حداثة مبني على أساس السلطة الحاكمة، ذلك أنه جرّد كهنة المعابد من الصلاحيات الواسعة التي كانوا يستغلونها باسم الآلهة لصالحهم الخاص، وبعضهم يعمدون إلى تصويره كقائد لثورة شعبية للأحرار ضد الأرستقراطية وملّاك الأراضي الأثرياء، على أننا لا يمكن أن نغفل ما خصّ المرأة فيه ضمن الإصلاحات، حيث منع زواجها إلى أكثر من رجل واحد، ووضع حداً لممارسة البغاء بأي شكلٍ كان وتحت أي اسم، ووضع عقوبات صارمة إزاء ذلك.

لكن، تلك “الحريّة” التي صرنا على دراية متى ظهرت أول مرة في التاريخ الإنساني، لها ثمن باهظ، حيث يسأل المهاتما غاندي: “الحرية، روح الإنسان وأنفاسه، فكم ثمن هذه الأشياء؟”.
وخلف حدود “لكش” كان يقف عدو يتربّص بأوروكاجينا، ويطمح إلى أن تقع “لكش” تحت سلطانه، ذلك هو “لوغال زاغيسي” حاكم مدينة “أوما”.

لم يكن “أوروكاجينا” مهتماً بالحروب الخارجية أو الأهلية السومرية، ولكنه قضى معظم فترة حكمه التي تبلغ ربما ثمان سنوات في صدّ الهجمات عن مملكته، وبما أنّ إصلاحاته مسّت الأسياد والنبلاء والكهنة، فمن الممكن أنهم لم يساعدوا الملك أثناء سقوطه، حيث سقطت “لكش” على نحوٍ غريب، فالمملكة بقيت صامدة ومنتصرة طيلة مئة عام من الصراع مع “أوما”، لكنها سقطت أخيراً، ودخل “لوغال زاغيسي” ناهباً معابدها، وكان ثمن الحرية التي أقرّها “أوروكاجينا”، إسقاط مساحة كبيرة من مملكته، وانتقاله إلى عاصمة أصغر تُدعى “جيرسو”، حيث حوصر مرتين، لكنّ الثمن الباهظ، هو أنّ الرجل الثوري، اختفى فجأة من السجل التاريخي، ولكنّ الذاكرة البشرية تبقى وفيّة، حيث يقول أحد الكتّاب السومريين عن نكسة لكش وسقوط الملك:

“دمّر أهالي أوما مدينة لكش
فأجرموا بحق الإله نينجرسو
والقوة التي مُنحت لهم سوف تُسترد
لم يرتكب أوروك – اجينا خطيئةً بحق الإله
لتسمح الإله نيسابا
بحمل عبء هذه الخطيئة
على أكتاف لوغال زاغيسي
حاكم أوما”.

المصادر:

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

في هذه المقالة: التاريخ - المجتمع - تدوينات
written by
veronica
المزيد veronica articles