تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تقرير الاستخبارات الأمريكية يدع السعودية بلا خيارات جيوسياسية جيدة

صورة تم التقاطها يوم 10 ديسمبر 2019 للعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وعلى جانبه ابنه وولي عهده الأمير محمد بن سلمان
صورة تم التقاطها يوم 10 ديسمبر 2019 للعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز (يمين) وعلى جانبه ابنه وولي عهده الأمير محمد بن سلمان (يسار). ويظهر العاهل السعودي في الصورة وهو يضع نظاراته استعداداً لقراءة وثيقة أثناء رئاسته لجلسة على هامش القمة الأربعين لمجلس التعاون الخليجي في العاصمة السعودية الرياض. المصدر: Fayez Nureldine / AFP.

جيمس دورسي

نشرت الصحفي البارز جيمس دورسي مقالةً على مدنته الخاصة سلط فيها الضوء على تداعيات تقرير المخابرات الأمريكية الخاص بمقتل جمال خاشقجي. ويعتقد دورسي أن خيارات السعودية للتعامل مع تغيير الإدارة الأمريكية محدودة نظراً لاعتمادها العسكري الكبير على التكنولوجيا الأمريكية. ويرى الكاتب أن إيران تمتلك مقومات قد تعزز هيمنتها على المنطقة، وهو ما يحتم على المملكة أن تحافظ على علاقتها بالولايات المتحدة. وبحسب دورسي، فإن السعودية قد تحاول تعزيز علاقتها مع الصين وروسيا للضغط على الولايات المتحدة، لكن تنويع اقتصادها وتعزيز قدراتها هو الحل الأمثل من أجل التصدي لإيران.

ويبدأ دورسي مقالته باعتبار أن تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي نشرته إدارة بايدن ويحمّل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مسؤولية قتل الصحفي جمال خاشقجي تحدياً لطموحات المملكة الجيوسياسية.

ويكمن هذا التحدي فيما إذا كانت السعودية ستعمل على تنويع تحالفاتها مع القوى الدولية الأخرى وهل ستنجح في ذلك أم لا. وربما تتخذ المملكة هذه الخطوة رداً على التقرير الأمريكي وضغط الولايات المتحدة عليها في ملف حقوق الإنسان.

بيد أن خيارات السعودية والإمارات تبدو محدودة نظراً لعجز هاتين الدولتين عن استبدال قوام دفاعهما من التسليح الأمريكي استبدالاً كاملاً في ظل وجود طموحات إقليمية. ولا يغيّر من ذلك كون التقرير قد ذكَّر بتصورات عن عدم موثوقية الولايات المتحدة ومناقضتها لسياسة البلدين.

وإذا أمعن الملك سلمان والأمير محمد النظر في خياراتهما التي تتضمن تقوية العلاقات مع القوى الخارجية كالصين وروسيا، فربما يجدان أن خطر الاعتماد على هذه القوى قد يفوق مخاطر العلاقة مع الولايات المتحدة.

بالنسبة للسعودية والإمارات، فإن بناء توازن مطلق بين المملكة وإيران على امتداد الأراضي الواقعة بين ساحل إفريقيا الأطلسي وحدود آسيا الوسطى مع الصين قد يكون بمثابة الهدف الأهم لهما.

ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أن السبب الرئيس لمعارضة السعودية والإمارات وإسرائيل منذ اليوم الأول للاتفاق النووي المبرم عام 2015 بعد تفاوض إيران مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا هو أن المناورة الإقليمية في هذه البيئة ستؤدي إلى تشكيل توازن قوى عالمي يخدم نظاماً عالمياً جديداً، وهو نفسه سبب الانتقادات الموجهة للرئيس الأمريكي جو بايدن في مساعيه لإعادة الاتفاق.

وبحسب تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد في واشنطن ومؤسس المجلس الإيراني الأمريكي فإنه “إذا ما أُجبرت السعودية على الاختيار بين أن تكون إيران معزولة ولو امتلكت سلاحاً نووياً في مقابل أن تكون مقبولة دولياً بلا أسلحة دمار شامل، فستختار الأولى”. وقد وصل بارسي إلى هذه الخلاصة بناءً على مقابلات مع مسؤولين منخرطين في المفاوضات وقتما كان بايدن نائباً للرئيس.

ونتيجة لذلك، يبدو أن السعودية والإمارات وإسرائيل عازمون على ضمان فرض شروط على إيران تعيق مساعيها للهيمنة الإقليمية أو الحيلولة دون عودة الولايات المتحدة للاتفاق الذي انسحب منه دونالد ترامب.

وفي نهاية المطاف، تجمع بين الدولتين الخليجيتين وإسرائيل والولايات المتحدة أهداف لا تقف عند منع إيران من تعزيز قدراتها النووية، بل تمتد إلى تحجيم برنامجها للصواريخ البالستية وإنهاء دعمها للفاعلين من غير الدول مثل حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن. بيد أن هذه الدول الموجودة في منطقة الشرق الأوسط تختلف مع إدارة بايدن في كيفية تحقيق هذه الأهداف وتراتبيتها.

ورغم أن السعودية تفكر في خطوتها القادمة، يبدو أن دول الخليج قد أدركت ما أدركته إسرائيل سلفاً؛ وهو أن التزام روسيا والصين تجاه أمن السعودية وإسرائيل لا يضاهي التزام الولايات المتحدة، لا سيما وأن دول الخليج لا تعتمد على العقوبات الهشة والعزلة الدولية كاستراتيجية في مواجهة إيران، وهي رؤيةٌ تتماشى مع تركيا فقط من بين دول الشرق الأوسط.

ويجب على السعودية والإمارات أيضاً أن يدركا أن بإمكانهما التأثير على السياسات الأمريكية بمساعدة من اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن وجماعات الضغط النافذة وشركات العلاقات العامة الأمريكية، وهو خيار لا يتوافر في الصين الاستبدادية أو روسيا الشمولية.

ومما لا شك فيه أن روسيا والصين ستسعيان لاستغلال الفرص التي خلقتها سياسة إعادة ضبط العلاقات الأمريكية السعودية من خلال مبيعات الأسلحة وزيادة التجارة والاستثمار.

لكن هذا لن يغير من رؤية البلدين لإيران على المدى البعيد باعتبارها دولة تمتلك إمكانيات لا قِبل للدولتين الخليجيتين بها حتى وإن كانت تعاني مؤقتاً على المستوى الاقتصادي وتتعرض لمشاكل سياسية.

ويُعد موقع إيران الجغرافي مثلاً من بين هذه الإمكانيات، فهي بوابة على مفترق الطرق بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، ولها روابط عرقية وثقافية ودينية مع آسيا والشرق الأوسط نتيجة الإرث التاريخي والإمبراطوري. كما أن الإحساس العميق بالهوية الذي رسخته الحقبة الإمبراطورية عامل مهم. وهي أيضاً تمتلك ما يتجاوز 83 مليون نسمة من المتعلمين تعليماً عالياً وهم يشكلون سوقاً محلياً ضخماً. ويضاف إلى ذلك أن اقتصادها متنوع بطبيعته، فضلاً على أنها تحظى بأحد أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، ولديها جيش متمرس على القتال.

كما أن إيران تشارك روسيا والصين طموحاتهما في احتواء النفوذ الأمريكي حتى لو تصادمت طموحاتها معهما أحياناً.

وفي حديثه عن مبادرة بكين للبنية التحتية والنقل المرتكزة على الطاقة المعروفة باسم الحزام والطريق، قال الباحث الإيراني آلكس وطن خواه إن “المبادرة ستمول نظرياً خيارات جديدة لنقل البضائع من جنوب إيران إلى شمالها ومن ثم إلى تركيا وروسيا وأوروبا. صحيح أن الصين لديها خيارات نقل متعددة، لكن يصعب تجاهل الأراضي الإيرانية لأي مشروع يهدف إلى تشكيل رابطة بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب”.

في المقابل، تتميز السعودية والإمارات أولاً وقبل كل شيء بموقع جغرافي يطلّ على ممرات مائية استراتيجية يمر من خلالها كثير من نفط العالم وغازه، إضافة إلى موقعهما المواجه للقرن الأفريقي واحتياطياتهما من الطاقة.

كما تحظى السعودية بمكانة بارزة باعتبارها قائدة للعالم الإسلامي، فهي موطن أقدس مدينتين في الإسلام، مكة والمدينة. بيد أن هذه المكانة باتت في خطر لأن دول أخرى في الشرق الأوسط وبلاد في آسيا ذات الأغلبية المسلمة تنافسها على الزعامة.

وعملاً بالحكمة الشهيرة “شيطان تعرفه أفضل من عدو لا تعرفه”، ربما يكون أفضل سيناريو للقادة السعوديين للرد على تغيير السياسات الامريكية هو استغلالها للضغط على بايدن وذلك بالتواصل مع روسيا والصين بطريق جديدة، وفي النهاية، سيظل هؤلاء القادة مجردين من الخيارات الجيدة.

وهذه الخلاصة يعضدها إدراك المملكة أن الولايات المتحدة قد تجنبت معاقبة الأمير محمد حفاظاً على رابطتها القوية بالمملكة. وهي الرسالة نفسها التي تضمنها قرار إدارة بايدن بوقف بيع الأسلحة التي يمكن أن تستعملها السعودية في حملتها ضد اليمن ولم يشمل القرار تلك الأسلحة الضرورية للدفاع عن البلاد ضد أي عدوان خارجي.

والخلاصة هي أن أفضل خيار أمام السعودية لمواجهة إيران التي تمثل تهديداً لها بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم هو أن تعمل مع حلفائها لتطوير نوع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والحوكمة يسمح بتعظيم منافعها من أصولها. إذ أن احتواء إيران تكتيك قصير الأمد لا بد أن ينتهي يوماً.

في السياق ذاته، حذّر الدبلوماسي البريطاني السابق والمدير التنفيذي لشركة شل إيان ماكريدي قائلاً: “خلّف سقوط الإمبراطورية العثمانية عام 1922 فراغاً حاولت عدة قوى ملأه ولم تنجح، وكانت النتيجة قرناً من الحروب والانقلابات والاضطراب. لقد حكمت إيران هذه المنطقة قبل الغزو العربي والعثماني، وقد تفعل ذلك مجدداً”.


ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع  https://mideastsoccer.blogspot.com في 28 فبراير 2021

إقراء المزيد

written by
veronica
المزيد veronica articles