تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

صوت المرأة عورة حتى حين تتلو القرآن

صوت المرأة عورة
صورة تم التقاطها يوم ٨ نوفمبر ٢٠٠٢ لامرأة مسلمة وهي تقرأ القرآن الكريم في أوّل أيام شهر رمضان المبارك أمام مسجد قبة الصخرة في مجمّع المسجد الأقصى الشريف بمدينة القدس القديمة. المصدر: AFP PHOTO/ Musa AL-SHAER.

 

أخمد المتشدّدون أصوات القارئات المصريات لأنها عورة

يوسف شرقاوي

أحاط أصحاب الفكر المتشدّد والعقول المنغلقة المرأةَ من كلّ الجوانب، فجعلوها ضحيّة محظورات ومحرَّمات أقرّوها فجأة في لحظة من الزمن. وحرّم هؤلاء صوت النساء، فمنعوا أصواتاً نسائيّة من أن تصدح في سماء تلاوة القرآن في مصر، رغم شهادة التاريخ بأنها دولة التلاوة والإنشاد الديني في العالم العربي.

منذ زمن محمد علي باشا، وربما قبله، اشتهرت النساء بالتلاوة. ونافست إحداهن الشيخ محمد رفعت، أشهر من تلا القرآن في مصر المعاصرة، كما يورِد محمود السعدني في كتابه “ألحان السماء”. ووصلت أصوات بعض النساء إلى أثير إذاعتَي لندن وباريس. كما أنّ أجر التلاوة عند القارئة منيرة عبده اقترب من أجر أشهر الشيوخ والمقرئين. وفي زمن محمد علي باشا، اشتهرت القارئة أم محمد، فأمر بسفرها إلى إسطنبول لإحياء ليالي شهر رمضان. وحصلت أم محمد على العديد من الجوائز. وعند وفاتها، أُنشِئت لها مقبرة خاصة، وشُيِّعَت في احتفال عظيم.

بعدها بزمنٍ قصير، اشتُهِرت القارئة سكينة حسن (١٨٩٢ – ١٩٤٨) التي لم يذكر عنها التاريخ شيئاً بسبب فتاوى المنع والتحريم. وكانت الشيخة سكينة قد انتقلت من تسجيل القرآن وتلاوته إلى الغناء والطرب، فسجّلت مجموعة من القصائد التقليدية بأسلوبٍ غنائي متعارف عليه قديماً. وعلى هذا النحو، تغيّر اسمها من الشيخة سكينة إلى المطربة سكينة. وقبل الحرب العالمية الثانية بقليل، أفتى بعض المشايخ الكبار بأنّ صوت المرأة عورة، فاختفت النساء من الإذاعة. وتوقفت إذاعة باريس وإذاعة لندن عن بثِّ أسطوانات النساء خوفاً من غضب المشايخ الكبار.

لماذا لم يكتشف رجال الدين أنّ صوت المرأة عورة قبل ذلك؟ المرأة كلُّها، وليس صوتها وحده، عورة بالنسبة لهم. إلا أنه في ذلك الوقت، كان محرّماً على المرأة التعليم والعمل وغالبيّة الحقوق الإنسانية المشروعة أيضاً. ورغم ذلك، كان للنساء يوم مخصص لقراءة القرآن مباشرة عبر الإذاعة عام ١٩٢٥. وكان يُقسَم القرآن على الحضور من النساء، وتقرأ كل واحدة جزءاً، ثمّ فجأة صدرت الفتوى. وبعد زمن ليس بالطويل، أوشكت دولة التلاوة والإنشاد الديني على غلق أبوابها تماماً في وجه النساء. وحرّمت ظهورهنّ إلى جانب أصواتهن، فصار حراماً أن يظهرن في القنوات الفضائية. وما تزال إلى الآن الإذاعة المصرية ترفض تسجيل صوت المرأة المقرئة بسبب الفتاوى التي مضى عليها قرابة قرنٍ كامل. ويقول السعدني في “ألحان السماء” إنه بموت السيدة نبوية النحاس عام ١٩٧٣، انطوت صفحة رائعة من كتاب فن التلاوة والإنشاد الديني في العصر الحديث.

ظهر شيخٌ تنويري أخيراً اسمه أبو العينين شعيشع عام ٢٠٠٩، وكان نقيب قرّاء مصر. ودعا شعيشع إلى مبادرة لضم ثلاثين قارئة إلى الإذاعة المصرية. وأعلن عن استعداده لتبنّي أيّة مطربة يكون صوتها جيداً وتريد تسجيل القرآن بعد معرفة أحكام تلاوته، لتعود بذلك قضيّة التحريم والمنع من جديد. فأولئك الذين يقولون إنّ صوت المرأة عورة، لا يذكروا أنّ النبي محمد كان يسمح للنساء برواية الأحاديث والإفتاء. كما كانت النساء من بين الصحابة الذين حفظوا القرآن وتعاهدوه. ومنهم كانت حفصة بنت عمر التي ائتمنوها على الصحف لأنها كانت تعرف الكتابة. ونسى هؤلاء أيضاً أم ورقة الأنصارية، التي قال عمر بن الخطاب بعد وفاتها بيوم: “والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة”، دليل على أنها كانت تقرأ القرآن ويسمعها الناس. وهناك أسماء كثيرة أخرى يوردها التاريخ قبل ١٤٠٠ سنة. فهل تصل إليها أيادي المشايخ أيضاً ليحذفوها ويخمدوا أصواتها؟

هل صدرت الفتوى لأنّ القارئات من النساء صرن أنداداً للرجال، ولأنّ أجورهنّ اقتربت من أجورهم؟ قد يكون الأمر على هذا النحو، ولا يتعدّى الأحقاد الشخصية، الأحقاد التي غيّرت مصائر نساء عديدات، منهنّ الكفيفات والفقيرات. ومن تلك النساء من قرّرت الاعتكاف في البيت إثر صدمتها النفسية، حتى الوفاة، وهي منيرة عبده. ومنهنّ من قرّرت التحوّل للغناء مثل سكينة حسن. لقد غيّر المنع والتحريم مصائر النساء، فقضى على أحلامهن وشوّه حياتهن، ولو استطاع أصحاب العقول المنغلقة حذفهن من التاريخ لفعلوا ذلك.

تمّ إخماد تلك الأصوات لأنها عورة، فهل تبقى ساكتة إلى الأبد؟

 

المصادر:

السعدني، محمود. ألحان السماء. كتاب اليوم، ١٩٩٦. المصدر: https://www.goodreads.com/book/show/7020732.

الختام، رابعة. قارئات القرآن أمام معركة إحياء الماضي. صحيفة العرب، ٢٠١٨.

المصدر: https://alarab-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/alarab.co.uk/%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A5%

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles