فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / مواليد العنف الجنسي في مناطق سيطرة “الدولة الإسلامية” بحاجة لاستجابة فاعلة من المجتمع الدولي

مواليد العنف الجنسي في مناطق سيطرة “الدولة الإسلامية” بحاجة لاستجابة فاعلة من المجتمع الدولي

Iraq- Zainab Bengura
زينب بانغورة، الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بمكافحة العنف الجنسي في حالات النزاع. Photo AFP

نشر موقع “The Conversationمقالة سلط فيها الضوء على ما يواجهه الأطفال المولودين نتيجة العنف الجنسي الذي مارسه مقاتلو تنظيم “الدولة الإسلامية” من مصاعب قانونية ومجتمعية. وتشير صاحبة المقالة إثني داودز، المحاضرة المتخصصة في القانون الجنائي الدولي بجامعة كوينز بلفاست، إلى ضرورة التفكير بالخطوات المقبلة التي ينبغي اتخاذها بعد انهيار “دولة الخلافة” وبما يكفل التخفيف من وطأة ما عاناه الناس من ممارسات هذا التنظيم.

وبحسب داودز فإنه من الصعوبة بمكان تحديد العدد الدقيق للأطفال الذين ولدوا في “دولة الخلافة” نتيجة تعرّض أمهاتهم للعنف الجنسي، مشيرةً إلى أن عدد النساء اللواتي كنّ حوامل في مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بلغ 31 ألف إمرأة في مارس 2016. وفي الوقت الذي يعتري فيه الغموض الظروف المصاحبة لحالات الحمل المذكورة، فقد تم تسليط الضوء في أحد التقارير الأخيرة المرتبطة باستخدام الرق الجنسي ضمن مناطق سيطرة “الدولة الإسلامية” على الأبعاد الاقتصادية التي تحملها حالات الحمل المذكورة. وكان التنظيم يدفع 35 دولار أمريكي إضافية لكل طفل يولد لإمرأة تم احتجازها كـ”أَمَة جنسية”.

وتواجه هذه الفئة من الأطفال تحديات فريدة من نوعها. فعلى الرغم من حصولهم على شهادات ميلاد من تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلا أنه لم يتم التعامل مع هذا التنظيم كجهة حكومية، وهو ما جعل هؤلاء الأطفال على أرض الواقع بمثابة عديمي الجنسية. وبحسب داودز، فإن مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” ينظرون إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم مشاريع مقاتلين أفضل وأكثر فتكاً بفضل اعتيادهم على العنف وتشربهم لعقيدة متطرفة منذ ولادتهم.

وتفرض هذه العوامل تحديات بالغة الأهمية أمام الأطفال الذين نجوا من براثن تنظيم “الدولة الإسلامية”. فهؤلاء الأطفال لا يحظوا بجنسية معترف بها، كما أنهم يواجهون مشكلات متعددة من وزن التمييز والحرمان من التعليم والرعاية الصحية. ويزداد الأمر سوءاً في ظل تعامل الآخرين معهم باعتبارهم تهديداً أمنياً. وترى داودز أن الناس يتعاملون مع أطفال تنظيم الدولة باعتبارهم “مذنبين بالمشاركة” عوضاً عن التعامل بوصفهم ضحايا بحاجة للدعم. وفي مايو 2017، تم نعت بعض هؤلاء الأطفال وأمهاتهم بـ”الداعشيين” لدى دخول أحد مخيمات اللاجئين شمال الرقة، حيث تعامل معهم المقيمون في المخيم باعتبارهم عائلات تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو ما أدى إلى رفضهم وعزلهم.

وعلاوة على ذلك، فإن الأطفال الذين ولدوا نتيجة العنف الجنسي أثناء النزاعات، ومن ضمنهم أطفال تنظيم “الدولة الإسلامية”، يعانون من ـ”فجوة مساءلة” بحسب ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة على هامش اجتماعات مكتب مكافحة العنف الجنسي في حالات النزاع. وفي الوقت الذي أقرت فيه لجان الحقيقة والتشريعات الوطنية في مناطق مماثلة لتيمور ليتشي وبيرو وسيراليون بأن الأطفال الذين ولدوا نتيجة العنف الجنسي ضحايا مؤهلين للحصول على تعويضات، إلا أن ذلك لم يلغي وجود المعايير الصارمة المرتبطة، على سبيل المثال، بكون الأم عازبة. ويضاف إلى ذلك إهمال محاكمات العدالة الجنائية التي تم وضعها للتعامل مع الفظائع الجماعية لهؤلاء الأطفال.

وترى الكاتبة أن المجتمع الدولي مطالبٌ بالتعامل مع هذه القضية الإشكالية وفق حل يعتمد على عاملين أساسيين. ويكمن العامل الأول في ضرورة لعب المجتمع الدولي لدورٍ في مساعدة هؤلاء الأطفال على بناء حياتهم من جديد. ويكمن العامل الثاني، بحسب صاحبة المقالة، في ضرورة النظر بكيفية إدانة المحكمة الجنائية الدولية، التي تدمج بين آليات العدالة القائمة على الإنصاف والتعويض، لأعضاء تنظيم “الدولة الإسلامية” على ما اقترفوه من عنف جنسي وعلى التعامل مع الأطفال الذين ولدوا نتيجة هذا العنف كضحايا يستحقون التعويض.

إعادة بناء حياة الأطفال من جديد

في بداية المطاف، يحتاج هؤلاء الأطفال إلى وثائق مشروعة. وعلى هذا النحو، ينبغي على الحكومات الاستجابة لمطالبات الأمم المتحدة بمنح الجنسية للأطفال الذين ولدوا في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية”. وترى داودز أن الأمر قد يكون معقداً في بعض الحالات، خاصةً في ظل تواجد حالاتٍ ولد فيها الطفل لوالد أو والدين أجانب، أو تعود فيه جنسية الأم إلى دولة تفرض قوانين تمييزية تحرم النساء من حقهن في منح جنسيتهن لأطفالهن؛ أو في حالة كان الطفل يتيماً. وبحسب الكاتبة، فإن المجتمع الدولي مطالبٌ بوضع آليات للتعاون والتنسيق بما يكفل التعامل مع مثل هذه النوع من الحالات وضمان احترام المصالح العليا للطفل.

كما يجب تأسيس شبكات داعمة لتنسيق الاندماج في المجتمعات وضمان دخول هؤلاء الأطفال ضمن المنظومات التعليمية في الدول الوطنية.

وترى داودز أن لمكافحة وسم أطفال الحرب بالعار دورٌ أساسي في هذه المعادلة. وينبغي على الحكومات تبني استراتيجيات وطنية لمواجهة مثل هذا النوع من الممارسات بالتزامن مع طرح برامج خاصة لدعم الأمهات والأطفال الذين ولدوا نتيجة العنف الجنسي، وعلى النحو الموصى به في المبادئ الجديدة التي وضعتها المملكة المتحدة في هذا الخصوص.

الملاحقة الجنائية

Iraq- Daesh
مظاهرة في العراق ضد الانتهاكات والاعتداءات الجنسية التي يقوم بها مقاتلو تنظيم “الدولة الإسلامية” ضد النساء. Photo AFP

لسد فجوة المساءلة، يجب محاكمة أعضاء تنظيم “الدولة الإسلامية” المسؤولين عن جرائم العنف الجنسي والتعامل مع الأطفال الناتجين عن مثل هذا العنف كضحايا. وعلى الرغم من التقارير التي أشارت إلى محاكمة بعض أعضاء تنظيم “الدولة الإسلامية” الضالعين في مثل هذا النوع من الجرائم في المحاكم المحلية، إلا أنه من الضرورة بمكان أن تلعب المحكمة الجنائية الدولية دوراً في هذا الجانب بحسب ما تراه داودز.

وقامت الأمم المتحدة مؤخراً بدعوة المحكمة الجنائية الدولية لممارسة سلطتها القضائية على مستوى الجرائم التي قام بها تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق. إلا أن محاكمة تنظيم “الدولة الإسلامية” على جرائم دولية يواجه مجموعة من التحديات، بما في ذلك القضايا المتعلقة الاختصاص القضائي والسلطة القضائية، فضلاً عن عدم وجود قضايا سابقة مماثلة لمثل هذا النوع من القضايا.

وفي حال تمت محاكمة أعضاء التنظيم في المحكمة الجنائية الدولية، فإن الأطفال المولودين نتيجة العنف الجنسي قد يتم احتجازهم في إطار تهمة “الحمل القسري”، وهي جريمة دولية يمكن اعتبار الأشخاص مسؤولين عنها جنائياً بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلا أن العنصر الأساسي في هذه الجريمة يرتبط بحبس الأم، أكثر من ارتباطه بالإقرار بالعنف الجنسي الذي نتج عن الحمل وولادة طفل.

وفي حقيقة الأمر، لا توجد هناك أية جريمة محددة في أن تكون أباً لطفل نتج عن العنف الجنسي. وتم تحديد هذه الفجوة الموجودة في الإطار القانوني من قبل باتريسيا سيللر وماكسين ماركوس، خبيرتا القانون الجنائي الدولي، باعتبارها من الجوانب الذي ينبغي على التشريعات المستقبلية الخاصة بالمحاكمات الجنائية الدولية تداركها.

تطورات في المحكمة الجنائية الدولية

على الرغم من عدم الاعتراف بصورةٍ رسمية بالأطفال الناتجين عن العنف الجنسي في الأطر القانونية الحالية، إلا أن هؤلاء الأطفال كان لهم نصيب في قضايا المحكمة الجنائية الدولية.

وفي القضية الجارية حالياً ضد القيادي البارز في جيش الرب الأوغندي دومينيك أونغوين، والذي تم اتهامه بالحمل القسري من بين جرائم أخرى في مارس 2016، قامت فاتو بنسودة، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بلفت الانتباه إلى “فئةٍ كاملة من الضحايا الآخرين وهم الأطفال المولودين أثناء الأسر والناتجين عن مثل هذا النوع من الزيجات القسرية، والذين يواجهون في بعض الأوقات حالة من العداء والتهكم نتيجة نسبهم إلى آبائهم”.

ويشير تصريح بنسودة إلى إمكانية توجيه الاهتمام إلى الأطفال الذين ولدوا نتيجة العنف الجنسي في هذه القضية، وربما في مرحلة التعويضات، وبما يكفل معالجة الأضرار التي لحقت بهؤلاء الأطفال.

وبالطبع، ترى داودز أن هناك بعض الحدود والمعوقات التي تواجه المحاكمات الجنائية الدولية. إلا أن السعي لتطوير تخصص قانوني يتيح الاعتراف بالأطفال ضمن العملية القضائية بات أمراً مشجعاً، وذلك في حال تمت محاكمة مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وتختم داودز مقالتها بتأكيد إثارة الأطفال المولودين في عهد تنظيم “الدولة الإسلامية” لمجموعة من القضايا القانونية والاجتماعية التي تتطلب استجابة حساسة ومنسقة من قبل المجتمع الدولي. وتشدد صاحبة المقالة على ضرورة عدم وسم هؤلاء الأطفال بالعار لجريمة لم يقوموا بارتكابها، بالتزامن مع إزالة الشكوك المحيطة بهم، وبما يكفل دعم سعيهم للمضي قدماً في حياتهم عوضاً عن معاقبتهم على الحياة التي ولدوا فيها.

The Conversation

  • الأسلحة وتأثيرها على قضية خاشقجي

    "لقد قام الرئيس ترامب بتشجيع المملكة العربية السعودية عبر الاعتماد على دبلوماسيته الشخصية والتركيز على الوظائف أكثر من التركيز على المصالح أو المثل الأمريكية الأوسع. وإذا ما تمكن السعوديون من إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية خارج نطاق قضية خاشقجي، فإن ترامب يفتح الباب أمام فرض المزيد من القيود على النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط".
  • مسؤولية أكبر تقع على عاتق وسائل الإعلام الغربي للتمييز بين الإسلام والإرهاب الإسلاموي

    أكدت دراسة أجرتها جامعة فيينا في عام ٢٠١٧، فإن التغطية الإعلامية التي لا تميز بشكلٍ صريح بين المسلمين والإرهابيين الإسلامويين تغذي المواقف العدائية تجاه السكان المسلمين بصفةٍ عامة. ومع تزايد الوعي بأثر هذا النوع من الأخبار والتقارير، فقد حاولت بعض المنافذ الإعلامية المماثلة لقناة “سي إن إن” التمييز بين “الإسلام المعتدل” و”الإسلام المتطرف”، وبين “الإسلام” و”التطرف الإسلامي”.
  • كيف تتجنب مصر انعدام المساواة والفصل الطبقي في عاصمتها الجديدة

    إذا ما قُدِّر للعاصمة المصرية النجاح، فإنه يتوجب عليها الالتزام بمبادئ المدن الشاملة التي تسفح المجال لجميع المواطنين بالتجمّع فيها والتشارك بها وبفرصها. وكان هذا الجانب أهم مبادئ التصميم التي اعتمدت عليها كوستا. إلا أن تصميم المهندس المعماري البرازيلي لم يصمد في برازيليا الجميلة التي قام بتصميمها بسبب عدم وجود السياسات الجادة والداعمة للسكان من ذوي الدخل المحدود.