تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

قصة فارسية عن التواضع

قصة فارسية عن التواضع
الشاعر سعدي الشيرازي. Source: Shahrokh Dabiri

د. علي أصغر سيّد غراب

خلال السنوات الأخيرة الماضية، نشرنا على هذا الموقع مدوّناتٍ كثيرةٍ تسرد قصص المواعظ في المسيحية واليهودية القديمة. لكن، خلال العام هذا، نرغب بتوسيع آفاقَ رؤيتنا عبر التطرّق إلى قصص المواعظ في المسيحية واليهودية من العصور الأخرى، وتلك الموجودة في مختلف الثقافات والديانات، بالإضافة إلى مواعظ عالم الأدب والفلسفة. ولكي نفتح هذه الآفاق الجديدة، قرّرنا استضافة عدد من الخبراء لكتابة مدوّنات عن المواعظ التي تعكس مجال خبرتهم. ومن بين أولئك الخبراء، يوجد الأستاذ علي أصغر سيد غراب صاحب المدوّنة رقم 21 في هذه السلسلة. ووُلد علي أصغر سيد غراب في العاصمة الإيرانية طهران، ودرس في هولندا اللغتين الفارسية والإنجليزية بالإضافة إلى الثقافة، ونال الدكتوراه في الأدب الفارسي والصوفية في جامعة لايدن. ومؤخّرًا (في عام 2020)، تمّ تعيينه في منصب رئيس قسم الدراسات الفارسية والإيرانية في جامعة أوتريخت.

من بين إحدى السمات البارزة في الأدب الفارسي هي استخدام الحكايات بمثابة مواعظ لنقل دروس أخلاقية للقراء. وعندما تأتي تلك الدروس في قالبٍ يزخر بالقصص الجذابة والحِكَم والتعابير الموجزة، فإنها تُصبح ميزة من شأنها أن تمنح شعراء العصور الوسطى جوائز مالية ووجاهة أمام العامّة. وإلى جانب ذلك، تُعتبر النزعة التعليمية واحدة من السمات الأساسية التي يتحلّى بها الأدب الفارسي قبل الإسلام؛ أي إعطاء نصائح لتعليم الناس أو حتى غرس “السلوك الحضاري” فيهم. وهذا ما يُشار إليه بمصطلح “فرهنج”؛ أي الأصل الذي تنحدر منه “الثقافة الفارسية” الحديثة. ويعد الأدب الفارسي التقليدي من الآداب الغنّية بالإرشادات والتعاليم البليغة التي يحمل معظمها طابع الأقوال المأثورة، وغالبًا ما تحتوي على قصص رمزية. [1] وتلك الأخيرة، تُكتب عن رجال يتولون مناصب دنيوية كالملوك، والأمراء، ورجال الحاشية، وذلك بهدف تعليمهم السلوك المثالي كرجال دولة. ليس هذا فحسب، بل اسْتُخدمت تلك القصص أيضًا لأغراض دينية مثل إرشاد المرء حول كيفية الاستعداد للآخرة. ويمكننا إيجاد مثل هذه المواعظ في جميع أنواع الأدب التعليمي.

قصة من تأليف سعدي الشيرازي

في هذه المدوّنة، أركّز على قصة موعظة لسعدي الشيرازي (1210-1292)، الذي استخدم مجموعة من قصص المواعظ في أعماله الرئيسية: گلستان (حديقة الورود)، والبستان. وكان سعدي الشاعر المفضّل خلال عصر التنوير في أوروبا، حيثُ تُرجِم كتابه “گلستان” إلى لغات أوروبية كثيرة. وعلاوةً على ذلك، فقد تأثر به عدة كتّاب أوروبيين من بينهم فولتير، وديدرو، وإرنست رينان، ولاحقًا يوهان جوتفريد هيردر، ويوهان فولفغانغ فون غوته. كما جذبت إحدى قصص سعدي انتباه الكاتب والسياسي الكبير جوزيف أديسون (1672-1719). وفي مقالٍ له بالاشتراك مع منصة “Fortunate people”، يتعمّق أديسون أكثر في بعض الصفات مثل العجرفة والغرور، وبعدها يستعين في الخلاصة بـ “أسطورة فارسية قصيرة”؛ ترجمها في مجلة ذا سبيكتاتور (العدد رقم 293، يوم الثلاثاء، 5 فبراير، 1712) إلى التالي: “سقطت قطرة ماء في البحر. وجدت نفسها تائهة في هذا الكمّ العظيم من المادة السائلة، وبدأت تفكّر: يا إلهي! أنا لست بشيء أمام هذا المحيط الهائل من الماء. لا أهمية لوجودي في هذا الكون الواسع وأنا أصغرُ من أصغرِ أعمال الله. وبجوار قطرة الماء هذه، يوجد محارٌ مستلقي فتح فمه وابتلعها أثناء مناجاتها المتواضعة. ووفقًا للأسطورة، فقد لبثت قطرة الماء لوقت طويل داخل الصدفة حتّى نضجت وتحوّلت إلى لؤلؤة وقعت في يدي غواص بعد خوضه سلسلة طويلة من المغامرات. والآن، هي تلك اللؤلؤة الشهيرة المُثبَّتة في أعلى التاج الملكي الفارسي”. [2] لقد كان أديسون من بين عدّة مؤلفين إنجليز مهتمين بالشاعر الفارسي. وكان وليام جونز (1746-1794) من بين الشخصيات البارزة التي ترجمت كمًّا هائلًا من الشعر الفارسي، وقصة سعدي هي مثالٌ جيّد على ذلك، إذ جذبت هذه القصة جونز بشكل كبير حيث ترجمها إلى الإنجليزية، ولاحقًا إلى اللاتينية. [3]

هذه القصة تتواجد في الفصل الرابع من كتاب البستان والذي جاء بعنوان “عن التواضع”. وفيما يلي نص القصّة: [4]

سقطت قطرة مطر من سحابة:

شعرت بالخجل عندما رأت اتّساع المحيط الهائل.

“من أكون بوجود هذا المحيط؟

بوجوده، أنا حقًا غير موجودة”

عندما نظرت إلى نفسها بتواضع

احتضنتها صدفة محار في داخلها.

رفعت السماء من قيمة القطرة إلى حدّ كبير

حتى أصبحت اللؤلؤة الملكية الشهيرة.

من يتواضع على باب اللاوجود

يجد السموّ ليعبر إلى الوجود.

 

 یکی قطره باران ز ابری چکید

خجل شد چو پهنای دریا بدید

که جایی که دریاست من کیستم؟

گر او هست حقا که من نیستم

چو خود را به چشم حقارت بدید

صدف در کنارش بجان پرورید

سپهرش به جایی رسانید کار

که شد نامور لؤلؤ شاهوار

بلندی از آن یافت کو پست شد

در نیستی کوفت تا هست شد

قصة فارسية عن التواضع
الشاعر سعدي الشيرازي في حديقة ورود وذلك في مخطوط (يعود إلى عام ١٦٤٥) لكتابه كلستان (حديقة الورود. ويظهر في الصورة سعدي إلى اليمين.

يُعتبر كتاب “البستان” الذي ألّفه سعدي قصيدة أخلاقية. ووفقًا لمترجمها الإنجليزي، فهي تغرس “قواعد سلوكية تتمثّل بمزيج متناقض بين ما هو واقعي ونفعي، وما هو باطني وسامي…”. [5] قد يكون هذا بالفعل “مزيجًا متناقضًا” لكن القصص والدروس الأخلاقية تمتلك منطقها الداخلي المُستساغ لدى القرّاء الفارسيّين، إذ من غير المستغرب أن تفهم بُعدًا باطنيًا ساميًا في مثل هذه النصوص. وكما يلاحظ ديك ديفيس، عندما يتناول قارئ إنجليزي كتابًا شعريًا، فهي/هو “…لا يتوقّع أن يُقابل بُعدًا باطنيًا أو مُعتقدًا دينيًا”. لكن بالمقابل، يتوقّع القارئ الفارسي ذلك بشدّة. [6] وفي حقيقة الأمر، فإن القارئ الفارسي يعشق الطريقة التي يدمج فيها الشاعر بين الدنيوي والميتافيزيقي، الشهواني والروحاني، والعادي والسامي. ويفتتح سعدي فصله بالإشارة إلى خلق الله للإنسان من التراب والشيطان من النار. ومن خلال التعريف بالأرض والنار كأزواج متناقضة للعناصر الأربعة (العنصرين الآخرين هما الرياح والماء)، يربط الشاعر الصفات السلبية بالشيطان وتلك المحمودة بالجنس البشري. الشيطان هو كائنٌ مخلوق من النار، إنّه متعجرف، عاصٍ، مضطرب، جشع، وملتهب، كذلك يتشاجر مع الله عندما يأمره بأن يسجد للإنسان في مُستهلّ الخلق. يشعر الشيطان أنّه أرفع مقامًا لأنّه مخلوق من نار بينما الإنسان مخلوق من طين الأرض. ويقبل الشيطان لعنة الله وطرده من الجنة ليدافع عن رأيه، ويقسم بأنّه سيُضِلّ الإنسان عن الطريق الصحيح في كل لحظة. لذلك، من خلال نصح القارئ بالتصرّف بتواضع، يُذكّر سعدي قارئه بأنّ الشيطان قد يحاول إغرائه للتصرّف بغرور. هكذا تُبيّن قصة قطرة الماء مدى صغر وضعف الإنسان أمام الكون الواسع، وخاصةً، كيف أنّ إدراك المرء لمكانته وسط هذا الخلق الشاسع قد يرتقي به إلى مرتبة سامية. وبينما ينقل السعدي دروسًا عملية عن التواضع ومحو النفس، يلمّح أيضًا إلى فكرة باطنية رئيسية مفضّلة عن خلق اللؤلؤة.

من قطرة ماء إلى لؤلؤة

يُعتقد أنّ قطرات مطر إبريل تسقط داخل المحار وتنمو لتتحوّل إلى لؤلؤة. وقطرة الماء هنا هي استعارة عن الصوفي الذي يجول العالم بحثًا عن الحقيقة، وفي النهاية يعود إلى بيته الأصلي. تسافر قطرة المطر على هيئة رطوبة في الهواء، وبعدها تتحوّل إلى سحابة تجول العالم لتعود في النهاية إلى المحيط. في هذه القصة، قطرة المطر مصنوعة من الماء لكنّها تختلف عن كلّ المياه الأخرى، إذ أنّ المحار يأخذها ويرعاها لتنضج وتصبح لؤلؤة. وبينما ترمز قطرة المطر إلى الصوفي الذي يسافر وحيدًا، إلّا أنّ عملية تحوّلها إلى لؤلؤة تُشير إلى المجهود المبذول طوال الطريق والانعزال الطويل للتركيز على الله. أما المحيط، فهو يرمز هنا إلى وحدة الله. ويشير شيميل إلى غوته الذي لمّح إلى هذه القصة في كتابه “الديوان الغربي الشرقي” بالكلمات أدناه، وفتح منظورًا جديدًا بتفسيره انتماء قطرات المطر للّه ونُضجها في المحار المتواضع لتصبح لآلئ لا مثيل لها:

قطرات المطر من الله

نضجت داخل صدفة متواضعة [7]

وفي الوقت الذي يربط فيه سعدي بين التواضع وإدراك قطرة المطر لحجمها الصغير بمثابة موعظةٍ بالمعنَيَيْن الباطني والعملي، فقد أضاف شعراء ومتصوّفة فرس آخرون ما لا يحصى من التحويرات الإبداعية والحاذقة على هذه التصويرة. واستخدام مثل هذا النوع من القصص يُظهر استراتيجية الشاعر لتعليم القارئ قواعد السلوك المثالي بطريقة واضحة ومباشرة. فتعليم فضيلة “التواضع” باستخدام كلمات حكيمة لن يحمل القدر نفسه من التأثير كاستخدام القصص الرمزية، لأنّ تلك الأخيرة يسهل تذكّرها. وأحيانًا، ترتبط قصص المواعظ في الأدب الفارسي بعبارات تحظى بمكانة الأقوال المأثورة. وخلافًا لقصة سعدي، أصبحت الأقوال المأثورة في بعض القصص أكثر شهرةً من القصة نفسها. كمثال على ذلك، يوجد القول المأثور “هذا أيضًا سوف يمضي”، في إشارة إلى أنّ جميع حالات الوجود الإنساني هي سريعة الزوال، سواءً كانت حالة فرح أو حزن، فقر أو ثراء، نصر أو هزيمة. وتشكّل هذه العبارة سلسلة من الحكايات التي ذكرها العديد من الشعراء الفارسيين. [8]

الفهرس

  • أديسون، مجلة ذا سبيكتاتور، العدد رقم 293، الثلاثاء، 5 فبراير، عام 1721 (متاح على https://www.gutenberg.org/files/12030/12030-h/12030-h/SV2/Spectator2.html#section293، آخر اطلاع 17/8/2021).
  • دى بروجن T.P. في الموسوعة الإيرانية Encyclopædia Iranica s.v عبارة مقتبسة.
  • دايفس دي, مقال في عدم ترجمة حافظ (On Not Translating Hafez) في مراجعة نيو إنجلاند، New England Review ،

25 (1/2), عام 2004, صفحة 310-18

متاح http://www.columbia.edu/itc/mealac/pritchett/00ghalib/texts/txt_davis_translatinghafiz_2004.pdf

  • جوادي، إتش، أثر الأدب الفارسي على الأدب الإنكليزي (Persian Literary Influence on English Literature)، بجامعة كلكتا: المجتمع الإيراني، عام 1983.
  • لويس، إف، في الموسوعة الإيرانية (Encyclopaedia Iranica)، كلستان سعدي. v.
  • لوسينسكي، بي، الموسوعة الإيرانية، سعدي v.
  • سعدي، مصلح الدين، البستان، Gh، يوسفي، طهران: الخارزمي، 1375/1996.
  • شيميل، إيه، نسيج مطرز ذو لونين: صور الشعر الفارسي (A Two-Colored Brocade: The Imagery of Persian Poetry)، تشابل هيل: إصدار جامعة كارولينا الشمالية، عام 1992.
  • شيميل، إيه، الأبعاد الباطنية للإسلام (Mystical Dimensions of Islam)، تشابل هيل: إصدار جامعة كارولينا الشمالية،
  • شاكيد، إس، زد، صفا، في الموسوعة الإيرانية، v. Andarz (متاح على http://www.iranicaonline.org/articles/andarz-precept-instruction-advice)
  • ويكينز، جي، دبليو، في الموسوعة الإيرانية، البستان v.
  • ويكنز، جي، إم، أخلاقيات موضّحة وأساطير مزيّنة (Morals Pointed and Tales Adorned)، بستان السعدي، جامعة ليدن: دار بديل للنشر، عام 1974.
  • يوهان، جى. دي، “موضة الشعر الفارسي في إنجلترا” عام 1770-1825 (The Persian Poetry Fad in England)، في الأدب المقارن، عام 1952، الجزء الرابع، رقم 2، صفحة 137-160.
  • يوهان، جى.دي، الشعر الفارسي في إنجلترا وأمريكا، جامعة دلمار، نيويورك: دار نشر الكتب كارافان Caravan Books، عام 1977.
  • يوهان، جى.دي، الشاعر سعدي، سلسلة الدراسات الفارسية في مكتبة بيرسيكا Bibliotheca Persica Persian Studies Series، 11، لانهام، إم دي: مطبعة جامعة أمريكا University Press of America، عام 1987.

مواقع

https://learned.substack.com/p/this-too-shall-pass

(آخر اطلاع في 20/8/2021)

الهوامش

[1] اطلع على إس. شاكيد، زد. صفا، الموسوعة الإيرانية، s.v. Andarz (متاح على http://www.iranicaonline.org/articles/andarz-precept-instruction-advice).

[2] https://www.gutenberg.org/files/12030/12030-h/12030-h/SV2/Spectator2.html#section293  (آخر اطلاع في 17/8/2021)

[3] اقرأ جى.دي يوهان، “موضة الشعر الفارسي في إنجلترا، 1770-1825″، في الأدب المقارن، عام 1952، الجزء الرابع، رقم 2 صفحة 143. لترجمة هذه القصيدة، اقرأ إتش. جوادي، أثر الأدب الفارسي على الأدب الإنجليزي، بجامعة كلكتا: المجتمع الإيراني، عام 1983، صفحة 37:

كما تقول القصة، سقطت قطرة مطر

من سحابة إلى مصدرها الرئيسي

“ما مدى صغر حجمي وسط هذه الأمواج!

سأظل تائهة هنا للأبد حتى أموت:”

قيل: إن محارًا فتح فمه على اتساعه ليشربها مع موجات المد.

بعد أن تكثّفت داخله لسنوات عديدة،

نمت لتصبح لؤلؤة

ثم أخذها غواص ماهر.

وبعدها أحضروها إلى ملك بلاد فارس؛

والآن، ارتفعت مكانتها لتصبح جوهرة،

هذه القطرة، تُزيّن التاج الملكي؛

وهكذا، بسقوطها الكبير

فازت وعبرت من الظلام إلى النور.

[4] سعدي، البستان، ed. Gh يوسفي، طهران، خارزمي، 1375/1996، صفحة 115؛ للترجمة الشعرية، اقرأ جي. إم ويكنز، أخلاقيات موضحة وحكايات مزينة، بستان السعدي، جامعة ليدن: دار بريل للنشر، عام 1974, صفحة 122.

[5] جي. مايكل ويكنز، في الموسوعة الإيرانية، البستان s.v.

[6] دي. دافيس، “عن عدم ترجمة الحافظ”،

في مراجعة نيو إنغلاند، New England Review ،

25 (1/2), عام 2004, صفحة 310-18 متاح على http://www.columbia.edu/itc/mealac/pritchett/00ghalib/texts/txt_davis_translatinghafiz_2004.pdf

[7] وفقًا لاقتباس إيه. شيميل، نسيج مطرز ذو لونين: صور الشعر الفارسي، تشابل، هيل: إصدار جامعة كارولينا الشمالية، عام 1992، صفحة 204.

[8] يمكن العثور على مثال لهذه القصة على https://learned.substack.com/p/this-too-shall-pass (آخر اطلاع في 20/8/2021).

 

 

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://parabelproject.nl/ في 27 أغسطس 2021

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles