تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

حرملك الأكروبول: أسطورة إغريقية لا صلة لها بالأتراك

 

حرملك الأكروبول
صورة تم التقاطها يوم ١ إبريل ٢٠٢١ لإمرأة وهي تمشي بالقرب من تلّة تطل على معبد الأكروبول الأثري في أثينا. المصدر: Louisa GOULIAMAKI / AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلطت الضوء على دراسة تم إجراءها مؤخراً حول احتمالية استخدام الترك العثمانيين لمعبد الأكروبول في أثينا كمخدع تأوي فيه “الحريم”. ويقوم صاحب المقالة يانريك فان روكهاوزن، أخصائي الآثار الكلاسيكية والباحث المعروف لمرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة أوتريخت، بتفنيد الروايات الغربية التي اعتمدت على معلومات مغلوطة حول هذا الموضوع.

ويعد أكروبول أثينا من بين أعظم المعالم المعمارية والفنية في العالم، حيث يأتي الزوار للاستمتاع بالمباني الرخامية التي تشهد على مجد اليونان القديمة منذ أكثر من ألفي عام. وجرت العادة على أن يتم إبداء القليل من الاهتمام للتاريخ العثماني وتاريخ القرون الوسطى الثري للموقع. بيد أن إحدى القصص القليلة التي تُروى بشكل شائع عن الأكروبول في تلك الفترة، تتعلق بمنحوتات العذارى الستة الأيقونية، والتي تسمى بكارياتيدس.

وكان الأثينيون القدماء قد بنوا المعبد المحمول على تماثيل الكارياتيدس كأقدس مزار يتم تخصيصه لآلهة الحكمة في أثينا. وجرى استخدام المعبد في فترة العصور الوسطى ككنيسة. بيد أن مصير هذا المعبد تغير على الأرجح بصورة دراماتيكية بعد الفتح العثماني لأثينا في القرن الخامس عشر. وتقول القصة إن الأتراك المسلمين لم يهتموا بالحفاظ على قداسة المعبد، وحولوه، بدلاً من ذلك، إلى شيء مختلف جذريًا ألا وهو الحرملك (أي المكان المخصص لإقامة الحريم). وذكرت بعض الروايات أن المعبد أصبح مقر إقامة زوجات حاكم القلعة التركية وكان يُنظر إليه أحيانًا على أنه مكان للإغواء.

لكن البحث الجديد الذي أجراه صاحب المقالة يظهر الحاجة إلى مراجعة هذه المعلومات. وفي إطار الدراسة المذكورة، قام فان روكهاوزن بتحليل جميع المصادر التاريخية ذات الصلة بالأكروبول خلال الفترة العثمانية. واتضح له أن فكرة الحرملك التركي قد خرجت عن زائرين اثنين جاؤوا لزيارة هذا المعبد من فرنسا وإنكلترا إبان القرن السابع عشر. ونشر هذان الزائران كتباً مشهورة أكدا فيها استخدام المبنى كحرملك. بيد أن هذين الزائرين لم يدخلا المبنى حتى وقدموا معلومات متناقضة، وربما تكهنية حوله.

وفي هذا الإطار، يقول فان روكهاوزن: “لطالما فتنت فكرة الحرملك الجماهير الغربية سواءً أكانت حقيقية أم من صنع الخيال، فهذه الجماهير اعتادت الاستمتاع بهذه الحكايات الغريبة عن الشرق. وعلى هذا النحو، فقد كرر المؤلفون لاحقاً المعلومات ببساطة. كان هذا هو الحال حتى بعد تدمير المبنى في قصف البندقية عام 1687“.

يأتي ذلك في الوقت الذي تضمن فيه بحث صاحب المقالة العديد من المصادر التركية التي لم تحظ بدراسة كافية. لم يأت أي من هذه المصادر على ذكر أي شيء يتعلق بوجود الحرملك في معبد كارياتيدس أيضًا. لكن هذه الدراسات أشارت على ما يبدو إلى استخدام هذا المعبد كأحد القصور. بشكل عام، هناك القليل مما يوحي بأن المعبد قد تحول مطلقاً إلى مكان للقاءات الشهوانية.

الحرملك والمعابد

ورد الكثير من القصص عن الحريم في معبد كارياتيدس بالفعل في زمن الإغريق القدماء – أي قبل عدة قرون من وصول الأتراك. وتظهر تماثيل الكارياتيدس المدهشة كنساء متحجرات أمام المبنى. ويرجح فان روكهاوزن أن تكون هذه التماثيل قد لعبت دورًا في خلق مثل هذه الحكايات. ويرى فان روكهاوزن أن هذه المنحوتات كان لها مراراً وتكراراً دورٌ كبير في إضفاء طابع خاص على هذا المبنى الغامض.

وتظهر الأبحاث الأنثروبولوجية أن التماثيل المثيرة للإعجاب مثل منحوتات كارياتيدس قادرة على إثارة الخيال وتعزيز فرص خلق القصص الجامحة التي في مقدورها أن تحلّ عن طريق الخطأ محل التاريخ “الحقيقي”. ويرى فان روكهاوزن أن المتابع البسيط قد يعتبر تماثيل الكارياتيدس دليلاً على وجود الحرملك.

لكن فكرة الحرملك تمثل أيضًا إشكالية عميقة لأنها تواصل نشر الصورة النمطية الغربية طويلة الأمد عن الأتراك بوصفهم همج عنيفين ومدنسين للمقدسات. وكانت هذه الصورة النمطية قد نشأت خلال الحروب التي امتدت لقرون عديدة بين الدول الأوروبية المسيحية والإمبراطورية العثمانية المسلمة. وتطور حينها أيضاً التصور الخيالي الشائع بأن الحرملك التركي كان مكاناً للخلوات الشهوانية.

ويرى صاحب المقالة أن فكرة تحويل معبد الكارياتيدس إلى حرملك منحط تتلاءم تمامًا مع المشاعر الغربية السلبية تجاه الأتراك. وكان لهذا الشعور عواقب وخيمة: فبعد فترة وجيزة من غزو الدولة اليونانية الفتية لأثينا في القرن التاسع عشر، أُبيدت المدينة التركية التي كانت قائمة على الأكروبول تماماً. ودفع نفس الموقف اللورد إلجين، أحد النبلاء البريطانيين، إلى إزالة العديد من منحوتات الأكروبول في أوائل القرن التاسع عشر – بما في ذلك إحدى منحوتات الكارياتيدس.

الأخت المسجونة

لا تزال هذه المنحوتات موجودة حتى يومنا هذا في المتحف البريطاني بلندن، وهو ما يثير استياء الكثيرين (في اليونان وأماكن أخرى) ممن يتمنون عودتها إلى أثينا. غير أن تماثيل الكارياتيدس لا تزال تشعل الخيال. وتزعم الأسطورة المحلية من الممكن ليلاً سماع صوت صراخ الفتيات المنحوتات من الرخام اللاتي بقين في أثينا حزنًا على أختهم المسجونة في لندن.

وترتبط فكرة الحرملك التركي بالمعنى الحالي للأكروبول كموقع أثري مهم ورمز لليونان والحضارة الغربية. لكن لهذه الرمزية جانب مظلم: فما زالت القصص المعادية للشرق تُروى على حساب الأتراك.

ويختم فان روكهاوزن مقاله بالتالي: “عادة ما يُصوّر الأتراك على أنهم أشرار الأكروبول، لكن بحثي يظهر أن هذا التصوّر تفسيرٌ بدائي وفظ لأكثر من ثلاثة قرون من الوجود التركي. وهذا لا ينصف مواقفهم الفعلية: إذ تُظهر المصادر التاريخية أن الأتراك لم يكونوا دائماً الهمج العنيفين كما دأبوا على تصويرهم بهذا الشكل. فهم كانوا، بدلاً من ذلك، مفتونين بالآثار مثل السائحين المعاصرين اليوم”.

 

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com/global في 14 يناير 2022