وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

لأجل المرأة والحياة والحرية

YouTube video

الأستاذ الدكتور علی اصغر سید غراب

لأجل الرقص في الشارع،
لأجل الخوف عند التقبيل،
لأجل أختي وأختك واختنا،
لأجل تغيير الأدمغة البالية،
لأجل الخِزى، لأجل الفقر،
لأجل التحسّر على حياةٍ عادية،
لأجل الطفل الذي يجمع القمامة وأحلامه،
لأجل هذا الاقتصاد الموجَّه،
لأجل هذا الهواء الملوّث،
لأجل شارع “ولي عصر” و شجراته المتهالكة،
لأجل شبل الفهد “بيروز” واحتمالية انقراضه،
لأجل الكلاب البريئة الممنوعة،
لأجل البكاء الذي لا يتوقّف،
لأجل تكرار مشهد هذه اللحظة،
لأجل وجه يضحك،
لأجل الطلاب، لأجل المستقبل،
لأجل هذه الجنة الإجبارية،
لأجل النخبة من السجناء،
لأجل الأطفال الأفغان،
لأجل جميع هذه الأسباب المجهولة،
لأجل كل هذه الشعارات الجوفاء،
لأجل تشريد المنازل الواهية،
لأجل الإحساس بالطمأنينة،
لأجل الشمس بعد ليالٍ طويلة،
لأجل أقراص المهدئات والأرق،
لأجل الرجل والوطن والرفاهية،
لأجل فتاة تمنّت أن تكون صبيًا،
لأجل المرأة والحياة والحرية،
لأجل الحرية…
لأجل الحرية…
لأجل الحرية…

“برای” للشاب شروين حاجی پور

في 16 سبتمبر، توفِّيَت مهسا جينا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، بعد يومين من اعتقالها لإظهار خصلة من شعرها. منذ ذلك الحين، اندلعت الاحتجاجات في جميع أنحاء إيران، حيث يتمّ خلالها غناء العديد من الأغاني الفارسية. والأغنية الأكثر شعبية في هذا الوقت هي بلا شك أغنية شروين حاجی پور، التي انتشرت على الفور بعد إصدارها. ونشر مشاهير إيرانيون آخرون، مثل علي كريمي، لاعب كرة القدم السابق في بايرن ميونيخ، الأغنية على حساباتهم على إنستغرام احتجاجًا على العنف المفرط، مُظهِرين دعمهم للمرأة الإيرانية.

وفي 29 سبتمبر تمّ القبض على شروين وتمّ حذف الأغنية من حسابه على إنستغرام، لكن منذ إصدارها تمّت مشاركتها ملايين المرات على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. ونَجِد جميع طلاب المدارس الكبار والصغار يغنّونها للتعبير عن رفضهم لسياسة الجمهورية الإسلامية. كما تُستخدم الأغنية خلال المظاهرات داخل وخارج إيران. لا شكّ أن حجم الاحتجاجات هائل وشجاعة الفتيات والفتيان الإيرانيين بطولية بحقّ، لكن النظام يستجيب لدعوة الحرية هذه بعنف غير مسبوق.

وأصبحت كلمات شروين بمثابة الموسيقى التصويرية للاحتجاجات الأخيرة، ليس فقط بسبب نوعها ومحتواها، بل أيضًا بسبب أداء شروين الذي يغنّي كل كلمة وكل مقطع بحدّة وإحساسٍ عالٍ. صوته يرتجف وكأنّه يبكي. وعيناه مغمضتان ولا نراهما إلّا في نهاية الأغنية، في الوقت الذي يلمّح فيه إلى “أقراص المهدئات والأرق”. ومن هذه اللحظة فصاعدًا، ينظر مباشرةً إلى الكاميرا. لقد انتفخت عيناه وكأنّه كان يبكي لفترات طويلة.

عن الأغنية

يبدأ كل بيت من الـ 31 بيتا بالكلمة الفارسية “برای”، والتي تعني “من أجل” أو “بسبب”. وبالتالي فإن الكلمة تشمل كلًا من “السبب” و”المستفيد”. كلّ سطر  له أصله ومنبعه في رسائل الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي. وجميع تلك السطور تشكّل معًا فهرسًا للمشاكل التي يواجهها الإيرانيون، مشيرةً إلى الوضع القمعي بعد 43 عامًا من الحكم الإسلامي.

وهذه المشاكل ليست جديدةً على الإطلاق، لكن الطريقة الفنية والمتماسكة التي عرض بها شروين تلك المشاكل لها تأثير عاطفي كبير. نرى رغبة الناس وتوقهم إلى الحرية، وهذه الجمل تُظهِر كيف حُرِم الإيرانيون من أبسط حقوق الإنسان.

كذلك، تُظهِر الأغنية ما هو على المحكّ، وما حُرِم الناس منه، ورغبتهم القوية في إحداثِ تغييرٍ في النظام التيوقراطي الأيديولوجي الحالي. ولا يتعلّق الأمر بقواعد اللباس المقيّدة والفصل بين الجنسين فحسب، بل أيضًا بالفقر والتلوّث البيئي، وعواقب الفساد في كل مكان، وسنوات من سوء الإدارة.

لم تذكر أغنية شروين قواعد اللباس التي تم بسببها اعتقال وقتل مهسا أميني البالغة من العمر 22 عامًا على يد شرطة الأخلاق. بل تذكر حظر الرقص والتقبيل، حيث كان كلّ من الرقص والموسيقى مشكلة منذ بداية ثورة 1979. ليس من المستغرب أن ترقص الفتيات عندما يخلعن الحجاب ويحرقنه، فخلع الحجاب والرقص يجسدّان الرغبة في التعبير عن الذات بحرية.

ويوجد موضوع آخر مهم وهو الفقر. في حين أن إيران كدولة منتجة للنفط هي واحدة من أغنى الدول في المنطقة، إلّا أن القليل جدًا من الأرباح تصل إلى السكان. ومن الواضح أن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تلعب دورًا كبيرًا هنا. لكن، الجمهورية الإسلامية تنفق الأموال بشكل أساسي على شعبها أو على أهداف أيديولوجية في الخارج، خاصةً في دولٍ مثل العراق وسوريا ولبنان.

وبين الحين والآخر، يصادف الإيرانيون أخبارًا عن كيفية قيام نُخَب الدولة بتهريب ملايين الدولارات إلى الخارج، والذين يتركون أطفالهم، وهم يهتفون “الموت لأمريكا”، يعيشون حياة الرفاهية في الغرب. والحياة الفاخرة لهؤلاء الأطفال مع سياراتهم الرياضية الباهظة الثمن والفيلات الكبيرة والحفلات الفاحشة تتناقض بشكل صارخ مع السكان الإيرانيين الذين يعانون من الفقر والتضخم الهائل وضعف البنية التحتية والبطالة ونقص المياه المتزايد.

عن البيئة

موضوعٌ آخر طرحه شروين هو البيئة. في العقود الأخيرة، تدهورت البنية التحتية لإيران، وبدأت المدن الكبيرة تعاني جدًا من تلوث الهواء. ناهيك عن سوء إدارة الموارد المائية، الذي يعود سببه جزئيًا إلى النموّ الديموغرافي من 35 مليونًا في عام 1979 إلى حوالي 85 مليونًا الآن؛ الأمر الذي تعزّزه بقوّة الجمهورية الإسلامية. وكل هذه المسائل تخلق مشاكل كبيرة لبلدٍ يتكوّن إلى حدٍّ كبيرٍ من الصحاري وسلاسل الجبال. كما يشير ذِكر “بيروز” في الأغنية إلى انقراض بعض الكائنات الحيّة.

بيروز” هو شبل النمر الذي أنقذه حُماة الطبيعة عندما قُتِلَت والدته. والنمر الفارسي (الآسيوي) على وشك الانقراض. بالمناسبة، النمر هو أيضًا شعار المنتخب الإيراني لكرة القدم (تيم ملّي). نجده على قمصانهم، ويرمز إلى قوّتهم ومثابرتهم وسرعتهم. 

أما الإشارة إلى قطع الشجرات الضعيفة في شارع ولي عصر، فهي سياسة بيئية سيّئة تستدعي في الوقت نفسه صورة الحنين إلى أحد أطول وأجمل شوارع طهران، الذي يمتدّ من شمال المدينة إلى جنوبها. وعلى الرغم من كل تلك المشاكل، لا تزال الجمهورية الإسلامية تشجّع الناس على إنجاب المزيد من الأطفال. هم نفسهم الأطفال الذين يبحثون في صناديق القمامة عن الطعام، وهو مشهد شائع جدًا في المدن الإيرانية.

أعظم أمنية 

ما تبرزه القصيدة بقوّة هو الرغبة في حياةٍ يعتبرها الكثير من الناس، على سبيل المثال في الغرب، أمرًا مفروغًا منه. وعلى الرغم من أن هذا الطلب لا يبدو مبالغًا فيه، إلّا أنّه أعظم أمنية للشعب الإيراني. وتلتزم الجمهورية الإسلامية بالقناعة بأن هذا العالم المادي سريع الزوال، وبالتالي، يجب على المسلم التركيز على العالم الأبدي في الحدائق السماوية.

لكن الشعب الإيراني، وبكلّ ما فيه من قوّة، يرغب في العيش الآن وهنا على الأرض.

ويقول بعض الناس أن قواعد الدولة الثيوقراطية تدفع الناس إلى الجنة بقوّةٍ لدرجة أنهم يسقطون في الجحيم على الجانب الآخر. لكل هذه الأسباب وغيرها، يتظاهر الشعب الإيراني اليوم في الشوارع.

©  اصغر سید غراب ومشروع Beyond Sharia ERC 2022. يُحظّر أي استخدام غير مرخّص لهذه المدوّنة من دون إذن كتابي من المؤلف ومشروع Beyond Sharia ERC. أي استخدام لهذه المدوّنة يجب أن يمنح المصداقية الكاملة لأصغر سيد غراب ومشروع Beyond Sharia ERC.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://beyondsharia.nl/ في 10 اوكتوبر 2022