تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

مساحو الأراضي البابليين طوروا نظاماً فريداً من حساب المثلثات قبل الإغريق بألف عام

 البابليين حساب المثلثات
صورة تم التقاطها يوم ١٩ مارس ٢٠١٩ في المتحف البريطاني بلندن لمجموعة من الصحفيين وهم يلتقطون صوراً للحجر المسماري كودورو المسروق من العراق. وتم احتجاز هذا الحجر المسماري في مطار هيثرو بلندن عام ٢٠١٢ ليتم تسليمه في يوم ١٩ مارس ٢٠١٩ إلى ممثلي سفارة العراق في المتحف البريطاني. المصدر: Tolga Akmen / AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة تناولت بحثاً علمياً أظهر كيفية تطوير البابليين لنظامٍ قياس مساحة فريد من نوعه ويعتمد على حساب المثلثات. ويقوم صاحب البحث والمقالة، دانيال مانسفيلد، وهو محاضر مختص في هذا الجانب من جامعة نيوساوث ويلز، بتسليط الضوء على مسحين قديمين يظهران ما كان يتمتع به البابليون من تطور على مستوى قياس المساحة.

ويعود فهمنا الحديث لعلم حساب المثلثات إلى علماء الفلك الإغريق الذين درسوا حركة الأجرام السماوية في سماء الليل.

ولكنني مانسفيلد أظهر في عام 2017 تطوير البابليين لـ “علم حساب مثلثات بدائي” خاص بهم قبل الإغريق بأكثر من 1000 عام. ويثير هذا الجانب تساؤلات مانسفيلد حول السبب الكامن وراء اهتمام البابليين بمثلثات الزوايا القائمة وما استخدموها فيه.

هذا التساؤل دفع صاحب المقالة للعمل خلال السنوات الأخيرة بصورة مكثفة في محاولةٍ منه لكشف الحقيقة. ويظهر بحث مانسفيلد المنشور مؤخراً في مجلة “فونديشنز أوف ساينس” أن الإجابة كانت مختبئة عن الأنظار.

اللوح Si.427

يقول مانسفيلد: “تم اكتشاف عدة آلاف من الألواح الطينية من مدن بابل المفقودة التي تقع حاليا في العراق. وظلت هذه السجلات لآلاف السنين تحت الصحراء. وبمجرد الكشف عنها، وجدت طريقها إلى المتاحف والمكتبات والمقتنيات الخاصة”.

وأحد هذه الألواح كان اللوح Si.427 الذي يبلغ عمره حوالي 3700 سنة. ويظهر هذا اللوح خطة أحد مساحي الأراضي البابليين. وكان الأب جان فينسنت شيل قد اكتشف هذا اللوح في بعثة تنقيب أثرية فرنسية عام 1894 في سيبار جنوب غربي بغداد، لكن دلالته لم تكن مفهومة في ذلك الوقت.

واتضح أن لوح Si.427 – المعروض حالياً في متاحف إسطنبول الأثرية منذ عقود – هو في الحقيقة أحد أقدم نماذج العالم القديم للهندسة التطبيقية. فدعونا نلقي نظرة على ما يميزه.

تاريخٌ مختصر لمسح الأراضي عند البابليين

كان البابليون يقدّرون الأرض كما نقدّرها نحن اليوم. وكانت ملكية مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تعود في غابر الزمان لمؤسسات مماثلة للمعابد والقصور.

وكان مساحو الأراضي المحترفون يقيسون هذه الحقول لتقدير حجم المحصول وليس لتعيين حدودها؛ فعلى ما يبدو أن هذه المؤسسات النافذة لم تكن بحاجة إلى من يخبرها بما تملكه.

لكن طبيعة ملكية الأراضي تغيرت خلال العهد البابلي القديم بين عامي 1900 و1600 قبل الميلاد. وبدلاً من حقول المؤسسات الشاسعة، بات هناك حقول صغيرة تعود ملكيتها لأناسٍ عاديين.

وأثّر هذا التغير في طريقة قياس الأرض. واحتاج ملاك الأراضي، على عكس المؤسسات، إلى مسّاحي الأراضي لتعيين الحدود وحلّ الخلافات.

وتظهر الحاجة إلى المسح الدقيق من خلال قصيدة بابلية قديمة عن شجار بين طالبين يدرسان ليكونا مسّاحي أراض. ويعاتب الطالب الكبير الطالب الصغير قائلا: “اذهب لتقسيم أرض، لكنك لن تتمكن من تقسيمها. اذهب لتقسيم حقل، لكنك لن تتمكن حتى من إمساك الشريط والقصبة. أوتاد الحقل لا تستطيع وضعها، ولا حتى معرفة شكلها. لذلك، حين يتشاجر المظلومون، لن تُحِلّ السلام وستترك الأخ يهاجم أخاه. من بين النسّاخ، أنت وحدك لا ترقى إلى الطين”.

وتشير هذه القصيدة إلى الشريط والقصبة، وهما أداتا المسح البابلية الأساسيتان: شريط القياس وقصبة الوحدة. وترمز هاتان الأداتان إلى المساواة والعدالة في بابل القديمة، ودائماً ما كانتا في أيدي الآلهة والملوك.

وباستخدام هذه الأدوات، سيقسّم المساحون الأراضي إلى أشكال طيعة: المستطيلات والمثلثات قائمة الزوايا وشبه المنحرف القائم.

قبل ذلك، لما كان المساحون بغير حاجة إلى تعيين الحدود، كانوا يقومون بتقديرات زراعية فحسب. ولذلك، فقد كانت الزوايا القائمة وقتها مقدرة تقديراً جيداً ولكنها ليست دقيقة تماماً.

زوايا قائمة دقيقة القياس

يظهر مسح اللوح البابلي القديم Si.427 حدود قطعة أرض صغيرة باعها شخص يُدعى “سن بل أبلي”.

وتتواجد هناك بعض أماكن المستنقعات التي لا بدّ وأنها كانت مهمة لأن قياسها كان يتم بعناية فائقة. ويشير هذا إلى طبيعة عمل المساح البابلي اليومية. لكن ثمّة شيء مميز جدا في اللوح Si.427.

في المسوحات السابقة، كان تقدير الزوايا القائمة تقريبياً، لكن في مسح Si.427 كانت الزوايا بقياس 90 درجة تماما. فكيف يمكن لشخص بشريط قياس وقصبة وحدة أن يحصل على زاوية قائمة بهذه الدقة؟ الإجابة هي عن طريق ثلاثية فيثاغورس.

ثلاثية فيثاغورس هي نوعٌ مميز من مثلث الزاوية القائمة (أو المستطيل) بحسابات بسيطة تحقق مبرهنة فيثاغورس الرياضية. ويسهل انشاؤها ولها زوايا قائمة مثالية نظرياً.

واستخدمت ثلاثيات فيثاغورس في الهند القديمة لإنشاء هياكل نار مستطيلة ربما يعود تاريخها إلى 800 عام قبل الميلاد. لكننا ندرك الآن من خلال مسح اللوح الطيني Si.427 أن البابليين استخدموها في قياس دقيق للأرض يعود إلى 1900 عام قبل الميلاد.

ولا يحتوي مسح اللوح Si.427 على ثلاثية فيثاغورس واحدة، بل على ثلاثة.

ملاحظات للمساحين

ساعدنا مسح اللوح Si.427 كذلك على فهم ألواح أخرى من العصر البابلي القديم.

لم تكن كلّ ثلاثيات فيثاغورس مفيدة للمساحين البابليين. فما كان يفيدهم فيها هو أضلاعها، لا سيما أن الأضلاع كانت “نظامية“. ويعني هذا الأمر أنه بالإمكان رفع الأضلاع أو خفضها إلى أي طول. والأعداد النظامية ليس لها قواسم أولية ما عدا 2 و3 و5.

لوحٌ بابلي آخر هو اللوح 322 Plimpton ويحمل قائمة من الثلاثيات الفيثاغورية التي تبدو شبيهة بجدول حساب المثلثات الحديث الذي يضع نسب الأضلاع (جا، جتا، ظا).

ولكن بدلاً من هذه النسب، يطلعنا اللوح Plimpton 322 على الضلع المنتظم من ثلاثية أضلاع فيثاغورس منتظم ليفيدنا بعدها في قياس المساحة. وسيكون أقرب إلينا أن نتخيل أنّ رياضي بحت هو من صنع اللوح وكان يريد معرفة لماذا تكون بعض ثلاثيات فيثاغورس أنفع من الأخرى.

لكن اللوح Plimpton 322 بدلاً من ذلك صُنع ليحلّ بعض المشاكل العملية المحددة. ولأنّنا لن نستطيع معرفة نية المؤلف الحقيقية، فمن المحتمل أن تكون في مكانٍ ما بين هذين الاحتمالين. لكن ما نعرفه هو أنّ البابليين طوروا طريقتهم الفريدة في فهم ثلاثيات فيثاغورس.

هذا “الحساب البدائي للمثلثات” يعادل حساب المثلثات الذي طوّره الفلكيون الإغريق. ومع ذلك، يظل الحساب البابلي مختلفاً لأن المسّاحين البابليين طوروه استجابة لمشاكل واجهتهم وهم ينظرون إلى الأرض، لا إلى سماء الليل.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com/uk في 04 أغسطس 2021

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles