تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

“ليلى، جثوت على ركبتيّ لأجلك يا ليلى…”

ليلى والمجنون
صورة للمجنون وأشعار من قصيدة ليلى والمجنون – بلاد فارس في القرن التاسع عشر. المصدر: Creative Commons – Cea.

أصغر سيد غهراب: محاضر جامعي بارز

ما الذي يفعله شاعر العصور الوسطى الفارسي المفضل عندي نظامي (ت. 1209) على غلاف ألبوم روك إنجليزي؟ لماذا انجذب إريك كلابتون إلى قصة ليلى والمجنون الرومانسية إلى درجة أنه ألّف أغنيته المميزة ليلى؟

وصال فني فارسي بريطاني

“ليلى، جثوت على ركبتيّ لأجلك”،َ تلك هي بعضٌ كلمات من أغنية شهيرة ألّفها نجم الروك البريطاني المشهور إريك كلابتون من أجل باتي بويد زوجة جورج هاريسون عازف الغيتار في فرقة البيتلز. أحبّ كلابتون باتي حباً جماً حتى دفعه غرامه بها إلى حافة الجنون، فلجأ إلى المخدرات وحتى الهيروين وقاده ذلك إلى الموسيقى عابراً إليها من الشعر. وكانت قصيدة ليلى والمجنون التي كتبها نظامي الكنجوي هي التي ألهمته العودة إلى الفن فخرج علينا بالألبوم المميز “ليلى”. وقد أهداه صديقه إيان دالاس (الشيخ عبد القادر الصوفي) ترجمة للقصة أنجزها رودولف غيلبكي (1928-1972). وعلى الفور، وجد كلابتون نفسه في مجنون ليلى وعذاباته وشوقه وولعه وعذوبة شعره.

كتب نظامي قصته في عام 1188، ولكن قبل ذلك بعهد طويل انتشرت عشرات النوادر عن الحب الاستثنائي بين ليلى وحبيبها، وجنونه، وحبّه الإيثاري، وهيامه في الصحراء وعيشه مع الحيوانات المستأنس منها والمتوحش، وقصائد الغرام قبل كل ذلك. كُتبت هذه النوادر المتفرقة بالعربية في الأغلب، لكن نظامي كتب بالفارسية ملحمة تصوّر حياة مجنون ليلى من مولده إلى مماته. وحبكة القصة بسيطة مباشرة؛ فالبطل يقع في حب ليلى في سن مبكرة وينظم لها الشعر كاشفاً عن حبه في مجتمع اعتاد كتم الحب. فما كان من أبيه إلا أن ذهب يخطب له ليلى فرفض أبيها. بعد ذلك الرفض، جُنّ الشاب وخرج إلى البادية لعله يجد فيها راحته وتزوجت ليلى من رجل آخر. فمكث حبيبها في الصحراء ينظم الشعر في حبها وعاش مع الحيوانات. وقد رفعها إلى مكانة لا تُضاهى حتى إنه حين بلغه موت زوجها لم يتقدم لخطبتها رافضاً ليلى ذاتها مُفضلاً صورتها المثالية المتخيلة والمتجاوزة. ماتت ليلى وحبيبها دون أن يجمع الحب بينهما. وقرار مجنون ليلى الفريد يشبه ما يفعله الفنان حين يحوّل الواقع إلى شيء أعلى منه ومتجاوزاً له. وربما كانت باتي لكلابتون شخصاً أراد أن يعبده ويشتاق إليه من بعيد ولم يرد أن يكون معها حقاً.

قرأ كلابتون الترجمة الشهيرة لغيلبكي، وهو كتاب صغيرٌ مزيّن بالعديد من اللوحات الفارسية الفاتنة من العصور الوسطى. ترجمة غيلبكي هي أبعد ما تكون عن الترجمة الحرفية، بل إنها تلتقط روح النص الأصلي وتتيحه لجمهور واسع. ولم تكن تلك هي الترجمة الأولى إلى الإنجليزية، فقد جذبت قصة مجنون ليلى أيزاك ديزريلي (1766-1848) وترجمها إلى الإنجليزية عام 1797. وكان عمله هو الأساس الذي ارتكزت عليه أوبرا ويليام ريف “Kais, or Love in the Deserts: An Opera in Four Acts”. وقد “لاقت تصفيقاً لا ينقطع في مسرح دروري لين الملكي”. ويُعدّ عمل غيلبكي السلس والمتحرر مثالاً رائعاً يثبت أن استهداف جمهور واسع يتيح لنا الاستمتاع بمثل هذه النوادر من القرون الوسطى ويلهم الناس بطرقٍ بعيدة المنال عن العمل الأكاديمي.

ليلى وغيرها من أغاني الغرام المتنوعة

ليلى والمجنون
ليلى تقف في بستان من النخيل، صفحة من القصة التي ألفها نظامي تحت اسم (ليلى والمجنون) ضمن خماسيته القصصية الشهيرة المعروفة باسم “الكنوز الخمسة”. المصدر: Creative Commons – Fæ.

إنه لأمر رائع أن نحظى بشعر من الحقبة الإسلامية لبلاد فارس يعود إلى القرن الثاني عشر في ألبوم غنائي صنع في فلوريدا بالولايات المتحدة. ويزداد الجمال جمالاً بوضع اسم نظامي مؤلفاً مشاركاً في الأغنية. ينسب كلابتون الفضل إلى نظامي في الأغنية الخامسة “أنا لك” من ألبوم “ليلى وغيرها من أغاني الغرام” ( Layla and Other Assorted Love Songs) الذي صدر في عام 1970، وهو واحدٌ من روائع موسيقى الروك. لقد كانت أغنية فريدة من نوعها وتكونت من 47 كلمة تتكرر ثلاث مرات وهي مبنية على قصة نظامي. ولا يمكنني أن أحصر الرومانسية على جزء محدد منها فهي مبثوثة في نحو 5 آلاف بيت. ورغم أن كثير من الاستعارات التي يستعملها كلابتون هي استعارات عالمية، فإننا نلمس جزءاً من صوفية الحب الفارسي إذ يرى الحبيب الولهان حبيبته في كل مكان. فالحب يشحذ الحواس لدرجة أن أي إدراك حسّي يُصبح مرتبطاً بالحبيب، بل يصير الحبيب منغمساً تماماً في أفكار حبيبته:

أنا لك.
مهما كنت بعيدة،
لا يهب نسيم إلا وعطرك فيه،
لا يغرّد طير إلا وأسمعه ينادي اسمك.
كلّ ذكرى تركت أثرها معي
تبقى للأبد جزءاً مني.
أنا لك.

كلّ ما يمر به الحبيب يذكّره بمحبوبته. الرياح تأتيه برائحتها والبلابل تتغنى باسمها.

ووفقاً للتقاليد الفارسية، يجب على الحبيب أن يكون قوياً لا يجزع ويجد سلواه في أي شئ يذكّره بحبيبته سواءً كان رمزاً أو تِذكاراً منها. ولما كان الحبيب يعيش في عزلة، صارت ذكريات حبيبته جزءاً منه حتى تتحول إلى مكونٍ لهوية الحبيبة. ويمكن أن نجد أفكاراً مماثلة في شعر نظامي.

أيتها الرياح الشرقية، ارتفعي مع توهّج الصباح
وتعلّقي في شعر ليلى.
قولي لها إنّ الذي سلبته الريح،
سقط في تراب طريقك،
يتوسل أنفاسك من زفير،
إنه يخبر تراب الأرض بضيقه.
أرسلي نسيماً من أرضك،
أعطه حفنة من الغبار ذكرى.
كلّ من لا ينفخ نحوك كالنسيم،
لا يستحق الرياح، فضلاً عن الغبار.

ألّف كلابتون أغنية “ليلى”، لكن لماذا نسب الفضل إلى نظامي في أغنيته الأخرى “أنا لك”؟ لم تكن هذه الأغنية ترجمةً حرفية لشعر نظامي لكن يبدو بلا شك أن نظامي كان مصدر إلهام كلابتون. ومن الواضح أن كلابتون أراد أن يعبّر عن تقديره لشعر نظامي وأراد أن يرشد الجمهور إلى هذه الرومانسية حتى يقرؤوا هذه القصة الرائعة التي غيّرت حياته. يوضّح مثال كلابتون كيف يتجاوز الفن والشعر المعتقدات الثقافية والدينية والأيديولوجية، فهما يرتفعان فوق الزمان والمكان ويلهما الناس بغض النظر عن خلفياتهم. كما أن شعر نظامي مثال جليّ يوضح كيف اكتسبت قصة بسيطة شهرة عالمية حتى صارت جزءاً من الأدب العالمي. فما هي عناصر هذه القصة التي جذبت أجيالاً من الفنانين عبر العصور لاستعمال هذه الرومانسية من أجل أهداف متنوعة؟ فقد جرت محاكاة قصيدة نظامي بطرق إبداعية أكثر من مائة مرة وبلغات مختلفة.

الحب أو الخيانة

Nizami Ganjavi Museum
متحف نظامي الكنجوي في كنجا. المصدر: Creative Commons – Khalilov.

ثمّة أسباب كثيرة وراء حب كلابتون للقصيدة. أولها هو عالمية شعور الحب بلا مقابل. فهذه قصة ولع ربّما يصح أنه نصفه بأنه ولع مازوخي، لكنّه حبٌّ يدفع صاحبه إلى نور روحاني. أُغرم كلابتون بباتي أيّما غرام، لكنه إن اتخذ أي خطوة للظفر بقلبها، لكان ذلك خيانة لصديقه هاريسون. وعلى هذا النحو، فإن حال كلابتون مع باتي يحاكي حال مجنون ليلى وهو يراقبها من بعيد تتزوج من ابن سلام. ألّف مجنون ليلى وكلابتون أشعار الحب في حبيبتيهما. بقي مجنون ليلى وفياً لحبه. وتزوجت ليلى رغماً عنها وبقيت عفيفة النفس، حتى أنها رتبت لقاءات حبٍّ مع عشقيها ولم يلمس أحدهما الآخر. فلم تخن زوجها وبقيت على وفائها لحبيبها. لم يتجاوزا الحدود رغم نار الحب المتقدة بينهما. وبالنسبة لكلابتون ومجنون ليلى، فإن ذلك الحب الذي بلا مقابل قد تحول إلى هوس ثم صار شعراً. مجنون ليلى كان اسمه قيس، لكن هوسه بليلى جعل اسمه مجنون ليلى.

أما السبب الثاني فيكمن في ولوج الرومانسية إلى الوجدان بسهولة. لقد وجد كلابتون عزاءه في شخصية مجنون ليلى وعذاب حبّه المستحيل. في شعر نظامي، يُصور الحب كأنه ألم، نار تحرق الحبيب وتحوّله إلى مجنون، لكنه أيضاً يلهمه ليصبح شاعراً. وبالمثل، صنع كلابتون شعره من ألمه وهوسه وجنونه. يعبّر مجنون ليلى وكلابتون عن المحنة والعذاب من خلال الكلمات، ويشكيا ما ألحق الحب بالأجساد والأرواح. ذلك الشعر الذي يصف الحب والولع هو ما يرفع معاناتهما وجنونهما إلى مرتبة الفن. حال الزمان بينهما وبين من أحبّا، فذهبا إلى الشعر حتى يعبرا عن رغبتهما في وصال الحبيب بل ولمسه بالشعر. وبطريقة ما، إذا وصل شعرهما إلى من أحبا، فإنهما بذلك قد وصلا الحبيب. أو كما قال الشاعر الفارسي أمارا مروزي بنهاية القرن العاشر فأحسن القول:

سأختبئ في قصيدتي
لأُقبّل شفتيك حين تنشدينها.

والشعر هنا وسيلة مباشرة للوصال المادي.

نموذجٌ مثالي للحب

أنه لأمرٌ رائع في رأيي حين أرى اسم شاعري المفضل نظامي على ألبوم روك حديث وقد ذُكر بصفته ملهماً لإحدى الأغنيات، وفي ذلك بيان لتجاوز قيمة الحب لكل الحدود الثقافية. تعرض القصيدة الشخصيات في أعقد ظروفها العاطفية، وبالنظر إلى ليلى على سبيل المثال، فهي تُعدّ هنا تجسيداً لامرأة أسيرة في شبكة اجتماعية من القوانين، ومحاصرة بقلقها، كما يتضح أنها تجسيدٌ لمحاولة التعبير عن المشاعر دون تجاهل الأعراف الدينية والاجتماعية. إن تجربة ليلى مألوفة لدى النساء في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. والأمر نفسه ينطبق على مجنون ليلى وهو هنا نموذجٌ مثالي للحب. فقد أصبح حبه الإيثاري مثالاً لآخرين كثر. وإلى يومنا هذا، ما تزال أغاني البوب والأوبرا واللوحات والروايات والأفلام تحتفي بحبهما.

للمزيد من القراءات:

أنا مدين بإشاراتي لكلابتون في هذه المقالة إلى دراسة منوكال الرائعة

[1] غيلبكي، ر. ١٩٦٣. قصة ليلى والمجنون، مترجمة للإنكليزية (١٩٦٦) بواسطة إ. ماتي وجي. هيل. لندن: برونو كاسيرر.

[2] خير الله، أ. ١٩٨٠. الحب والجنون والشعر: تفسير أسطورة المجنون. بيروت، البيروتي للنصوص والدراسات.

[3] منوكال، م.ر. ١٩٩٤. شظايا الحب: المنفى وأصل الغنائية. لندن: مطبعة جامعة ديوك.

[4] سيّد غوهراب، أ.أ. ٢٠٠٣. ليلى والمجنون: الحب، والجنون والشوق الغامض في رومانسية نظامي الملحمية. لايدن: بريل.

[5] سيّد غوهراب، أ.أ. ٢٠١٩. “الشوق للحب: رومانسية ليلى والمجنون”، برفقة ويلي- بلاكويل للأدب العالمي. المحرّر العام كينيث سينيوري، لندن: ويلي-بلاكويل.

[6] سيّد غوهراب، أ.أ. في الموسوعة الإيرانية تحت بند ليلى والمجنون.

[7] تالاتوف، ك. وجيروم دبليو. كلينتون. نسخة عام ٢٠٠٠. شعر نظامي الكنجوي: المعرفة، الحب والبلاغة. نيويورك: بالغريف.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://leidenmedievalistsblog.nl في 06 يوليو , 2019.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles