وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

انتخابات لبنان 2022: حرية التعبير في خطر

انتخابات لبنان 2022
مغتربون لبنانيون يرقصون وهم يقفون في طابور للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 15 مايو في القنصلية اللبنانية في إمارة دبي في 8 مايو 2022. Karim SAHIB / AFP

دانا حوراني

نشرت شادن فقيه، الفنانة الكوميدية والناقدة الاجتماعية اللبنانية، مؤخرًا أغنية سياسية ساخرة بعنوان “خود” قبل أسبوع من  إجراء الانتخابات النيابية اللبنانية المرتقبة.

في موقع تصوير يشبه مدرسة مهجورة، استلهمت “ليل شادز”، وهو لقبها عندما تغنّي الراب، حالة السخط والحنق لإنتاج الأغنية التي تهاجم فيها حكام لبنان الفاسدين.

“لا بقى تهدد لا بقى تخون فينا. سد بوزك ما تجرب ترضينا. يلا زحط حاج مفظع فينا. الزعيم المأيّر ما بيتغير”. تدوّي فقيه بصوتها على الإيقاع بينما يحيط بها الراقصون الشباب. بمحاكاتهم الغضب الذي ساد الشوارع في انتفاضة 17 تشرين، توضّح فقيه وفريق عملها أن هدفهم تحفيز الناس للتصويت ضد أحزاب الدولة في 15 مايو المقبل.

وصفها البعض بأنها “أجرأ عمل فني في تاريخ البلاد”، وقال آخرون إنهم سيشغّلون الأغنية بصوت صاخب في سياراتهم وهم ذاهبون للتصويت. جدير بالذكر أن آخر انتخابات أُجريت في لبنان في  سنة 2018 لم يشارك فيها إلا 49.7% من الناخبين. وسوف تكون الانتخابات المقبلة الأولى منذ بدء الأزمة الاقتصادية في أكتوبر 2019 والتي أدت إلى احتجاجات واسعة.

وترى منظمات حقوقية عديدة أن حرية التعبير في لبنان قد تراجعت منذ احتجاجات 2019. إذ تواصل السلطات اللبنانية عادتها القديمة في اعتقال وملاحقة أي شخص ينتقد الحكومة ومسؤوليها. ووفقًا لتحقيق نشرته هيومن رايتس ووتش، استدعى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية التابع لقوى الأمن الداخلي نشطاء للتحقيق معهم في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ينتقدون فيها السلطات، وأجبرهم على توقيع تعهدات بوقف انتقاداتهم للمسؤولين.

وكانت فقيه من بين أولئك الذين استدعاهم المكتب للتحقيق في يونيو 2021 بعد اتهامها بالسخرية من القوى الأمنية لاتصالها بهم خلال فترة الحجر الصحي لطلب إذن للخروج من المنزل لشراء الفوط الصحية. ومن المقرر أن تعقد جلسة محاكمتها في 24 يونيو القادم.

ما هو الدافع لهذه الأغنية؟

قالت فقيه إن فكرة الأغنية جاءت من شغفها بها وتعاونها مع شريكها الإبداعي خنسا. والهدف الأساسي من الفيديو هو إقناع الناس باستخدام أصواتهم داخل اللجان الانتخابية وخارجها.

وصرّحت لفنك: “أريد للناس أن يغضبوا حتى يرغبوا في رشق السياسيين بزجاجات المولوتوف. يجب أن نلهم الشعب!”

وقد عرضت  فقيه  قائمة بأسماء مرشحيها المفضلين أسفل الفيديو المنشور على صفحتها على إنستغرام لتسهّل  الاختيار على من يطلبون التوجيه. وهي بذلك تستهدف الناخبين الشباب الذين لا يطالعون وسائل الإعلام التقليدية ولا يهتمون للسياسة. لذلك فهي تنال إعجاب الشباب المتعطشين للتغيير باستخدامها فن الشارع.

وقالت لفنك: “على عكس الجيل السابق، نحن قادرون على إحداث تغيير سياسي في بلدنا. ولذلك لا أعير اهتمامًا إلا لمن يمكنني التأثير فيهم، لا أولئك الذين يرغبون في ترهيبي أو مضايقتي”.

وقد زعمت الفنانة الكوميدية أنها علمت بتعيين قاض جديد أكثر صرامة في قضيتها. وتتوقع فقيه أن تُوجه إليها اتهامات بالقدح وإهانة هيبة قوى الأمن الداخلي حتى يُفرج عنها لاحقًا بكفالة. لكنها تزعم أنها لا تكترث للأمر ولا يهمّها.

إذ قالت: “لن أسكت. سأستمر في ما أفعله لأن هذه شخصيتي وإرهابهم يدفعني للاستمرار”.

حرية التعبير في لبنان

بعدما كانت الحريات في لبنان ذات يوم مصدرًا  للفخر،  لكونها الأكثر تقدميةً في المنطقة، صارت مستهدفة الآن من مسؤولي الحكومة والجهات غير الحكومية.

فوفقًا  لمركز الدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية “سكايز” في مؤسسة سمير قصير، تعرّض 106 إعلاميين للاعتداء والترهيب على يد جهات غير حكومية في الفترة بين أكتوبر 2019 ومارس 2021. وخلال الفترة نفسها، اعتدت قوات الحكومة على 80 صحفيًا  يغطون الاحتجاجات. وقد وثقت “سكايز” 23 اعتداءً في المتوسط على الصحفيين في الأشهر التي سبقت الجائحة.

يرى وديع الأسمر، رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، أن لبنان يجمع مزيجًا  من الحريات والقمع. فالانتفاضة التي أتاحت للجماهير فرصة لمحاسبة مسؤولي الحكومة الكبار لم تأت إلا بثمن باهظ.

وقد قال لفنك: “لا يمكن التنبؤ بسقف الحرية المسموح به في لبنان. إذ يُحتمل أن تستدعي الحكومة أي شخص في أي وقت لأسباب تافهة مثل منشورات  على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وذكر أن النشطاء يقاومون قانون المطبوعات  الصادر عام 1962 لتهديده حرية التعبير. إذ يمنع وسائل الإعلام من نشر أي شيء “يهدد سلامة الدولة وأمنها الداخلي والخارجي… أو وحدتها… أو التعرض لشخص رئيس الجمهورية… أو ارتكاب جرم ذم أو قدح أو تحقير بحق رئيس دولة اجنبية”.

وإذا طُبّق هذا القانون كاملًا  بحسب نسخته الأخيرة المعدّلة ، فسوف يؤدي ذلك إلى  رفع عدد كبير من قضايا التشهير الجنائية التي تستهدف النشطاء الرقميين.

اضمحلال ينذر بالخطر

معظم الشكاوى المقدمة من مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، بحسب الأسمر، تنتهي بطلب حذف منشورات معينة. وقال الأسمر إن هذا هو السبب في أن لبنان في وضع أفضل من نظرائه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث القوانين أقسى والعواقب وخيمة.

وأضاف: “المسؤولون اللبنانيون لا يهمّهم إلا رضا المجتمع الدولي للحفاظ على تدفق المعونات الغربية. إنهم يخشون تنفيذ أحكام قاسية في مثل هذه الحالات”.

وأشار الأسمر إلى خلل كبير في حرية التعبير في لبنان، ألا وهو هيمنة المحطات التلفزيونية على الخطاب السياسي، لا سيما خلال موسم الانتخابات. وبحسب الأسمر، تفرض القنوات التلفزيونية رسومًا باهظة على المرشحين للظهور في برامجها، مما يحرم المؤهلين الذين لا يملكون الإمكانيات المالية من الظهور. ونتيجةً لذلك، فإن مرشحي المعارضة من ذوي الموارد المحدودة يظهرون على شاشات التلفاز أقل من خصومهم من الأحزاب التقليدية.

وتساءل الأسمر: “ما الهدف من حرية التعبير إن كنت لا تحتمل نفقاتها؟ حتى الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي غالية الثمن”.

وأضاف: “على اللبنانيين أن يبقوا ناشطين في الشوارع في معركتهم ضد الاستبداد. كلما تظاهرنا، ازداد تأثيرنا”.

أما بخصوص مستقبل حرية التعبير في لبنان، فيتوقع الأسمر قمع حرية التعبير وحقوق الإعلام بمجرد انتهاء الانتخابات، وتجرؤ السلطة على التباهي بسلطتها المكتسبة حديثًا أمام الشعب.