تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

مهرجان “ريل فلسطين”: دعم السينما والتشدق الإماراتي بفلسطين

مهرجان "ريل فلسطين"
صورة تظهر مدخل سينما عقيل في شارع السركال بدبي حيث أقيم مهرجان “ريل فلسطين” السينمائي. جوزيبي كاساس / وكالة فرانس برس

عند مدخل المكان الذي تُقام فيه الدورة الثامنة لمهرجان “ريل فلسطين” السينمائي السنوي في دبي، تواجهك لافتة صفراء تقول “لا يمكنك الجلوس معنا” معلّقة فوق صف من المقاعد الحمراء. لمحة أخرى أثارت السخرية من العلاقة الدافئة بين الإمارات وإسرائيل التي دأبت على تهميش الفلسطينيين.

وقد استضافت سينما عقيل هذا المهرجان المخصص للأفلام الفلسطينية في الفترة من 29 يناير حتى 6 فبراير. وقد عُرض فيه العديد من الأفلام والأعمال السينمائية التي أنتجها فلسطينيو الداخل والشتات.

وعادة ما تُسلط الأفلام الضوء على قصص الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي كما تصفه المنظمات الحقوقية العالمية وآخرها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.

وكان فيلم “في انتظار غزة” من بين الأفلام التي عُرضت في المهرجان. وهو فيلم وثائقي مذهل وآسرمن إخراج غيوم كوزاكويز حيث يحكي قصة الأخوين التوأمين عرب وطرزان أبو ناصر اللذين يعيدان خلق صورة ذهنية عن فلسطين في المنفى. ويكشف الفيلم عما يدور في قلب التوأمين، ويعرض تاريخهما، ويُبيّن ما يؤرقهما.

أما فيلم “ليل” لأحمد صالح، الكاتب والمخرج والمنسق الفني الفائز بجائزة الأوسكار، فيحكي قصة امرأة قد اختفى ابنها منذ سنوات. ويركز فيلم التحريك القصير على الحنين والفقد والأرق ليوضح المعاناة التي ما تزال تلاحق أهل فلسطين في الداخل والشتات.

بينما لم تحظ نكبة 1948 سوى بعدد قليل من الأفلام، وهي الحدث الذي شهد تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني من منازلهم وقراهم. وكان فيلم “يافا أم الغريب” للمخرج رائد دوزدار من بين هذه الأفلام. ويعتمد دوزدار على الروايات الشفوية التي يحكيها شيوخ يافا، ويروي قصص أولئك الذين هُجّروا قسرًا ويقص ذكرياتهم عن فلسطين قبل الاستعمار الإسرائيلي وما حدث في حياتهم بعد عام 1948.

لكن هذه القصص ليست سوى لمحة صغيرة عن النضال الفلسطيني. إذ يمثّل المهرجان نموذجًا للتعريف بصوت الفلسطينيين ونشر الوعي الذي يعبّرون عنه،كما أنه يسعى إلى توثيق النضال على أرض الواقع. ومن خلال هذا المهرجان، يسرد الفلسطينيون قصصهم ويثقفون الناس ويعرّفونهم بقضيتهم .

وتستضيف سينما عقيل، وهي مركز إنتاج ثقافي مؤقت في دبي، على مدار تسعة أيام مجموعة من الأعمال السينمائية المختلفة عن الكفاحات التي تشهدها فلسطين على أرض الواقع. وقد تزامن المهرجان مع أول زيارة لرئيس إسرائيل إلى دولة الإمارات في الثاني من فبراير. وقد غاب الفلسطينيون فيها تسعة أيام عن الأروقة الرسمية ولكن حضورهم لم يغب. تسعة أيام يروي فيها الفلسطينيون حكاياتهم  على الرغم من القمع الذي يسعى إلى سحق ثقافتهم ومقاومتهم، تسعة أيام  كانت شاهدة على تضامن الفلسطينيين مع الفلسطينيين نفسهم. وتسعة أيام لم تر النور إلا بتمويل مستقل وباستضافة سينما عقيل.

وقالت الناقدة السينمائية علا الشيخ لفنك بأن الحضور إلى مهرجان “ريل فلسطين” السينمائي دائمًا ما يكون كبيرًا. وأضافت “أنا على يقين أن أعداد الزوار قد زادت هذا العام من أجل التأكيد على التضامن”. ويبدو أنها محقة في ما قالت، فقد وجدنا لحديثها صدى عند كثير ممّن تحدثنا معهم واتفقوا أن بعض الأمور لا يمكن التعبير عنها بحرية مطلقة.

وقالت فلسطينية لفنك تبلغ من العمر 28 عامًا وعاشت في الإمارات لأكثر من 15 عامًا، أطلقنا عليها اسم أمل، إن المهرجان مثّل لها “بصيص أمل في بلد يبدو أنه لا يكترث لنا على الإطلاق”. وترى أمل أن ذلك الشعور قد تزايد في أعقاب المحادثات بين الإمارات وإسرائيل، ورغم الوجود الفلسطيني المتزايد هنا، “تمكنّا على الأقل من مشاهدة أفلامنا والدخول إلى الأكشاك المخصصة فقط لفلسطين على مدار أيام عدة “.

ووافق ما قالته أمل رأي طالبة فلسطينية تبلغ من العمر 22 عامًا تعيش في دبي. وقالت لفنك بأن المهرجان كان “هروبًا من الخطاب المهيمن الذي نسمعه كل يوم. وأرى أنه فرصة للتعلم والتعرف على النضال الفلسطيني في سبيل التحرير”.

وأضافت الشيخ: “لم يحظ المخرجون الفلسطينيون بعد برفاهية صناعة أفلام خيالية، ولذلك فإن عرض الواقع في شكل فني يستأثر بالنصيب الأكبر من السينما الفلسطينية. وقد ساعد ذلك الجيل الجديد على فهم مسببات وجودهم في المنفى”.

ولا يمكن إغفال أهمية استضافة هذا المهرجان في الإمارات في ذلك الوقت تحديدًا. فقد سلّطت العديد من الأفلام الضوء على الاحتلال الإسرائيلي وحصار غزة وقصص أخرى، أي أن المهرجان قد مثّل محاولة لعرض النضال الفلسطيني الغائب عن الخطاب الرسمي للدولة. إذ أن الإمارات تٌضفي شرعية على الاحتلال الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري، وتقدّم خطابًا يساهم في قمع الشعب الفلسطيني على حد قول عدد من الحاضرين الذين تحدثوا إلى فنك. فقد قالت ملَكة، التي حضرت المهرجان: “مشاعري مختلطة. كنت حزينة لأن هذه الأفلام تذكّرني بهول الظلم الذي تتعرض له فلسطين وأنني لا أستطيع العودة إلى وطني أبدًا. وأشعر بكل ذلك بينما يزور الرئيس الإسرائيلي الإمارات”.

تبذل الإمارات جهودًا لجعل البلاد مركزًا ثقافياً في المنطقة، وذلك من خلال فتح أبوابها للفنانين والمؤدّين من جميع أنحاء العالم. وهي بذلك تستورد الثقافة وتخلق في الوقت نفسه مساحة لسرديات تتعارض مع سياساتها. ورغم انحياز الإمارات الواضح للمصالح السياسية والاقتصادية الإسرائيلية بما يخدم أهدافها، فإن السبب وراء هذا النهج هو محاولة خلق نوع ما من التوازن، على حد وصف أحد الحضور.

لكن الشيخ ترى الأمور بشكل مختلف، فهي تعتقد أن “التحول الثقافي يأتي بسبب الاهتمام الكبير بالسعودية في الوقت الحالي، والتي قررت انتهاج سياسة تدعم الانفتاح بوجه عام والمشهد الثقافي بالطبع جزء منه. نحن نتحدث عن بلد لم يكن فيه حتى زمن قريب دور عرض سينمائية، ثم تحوّل إلى داعم للإنتاج السينمائي. ويستدعي ذلك الإنتاج فنًا يعكس الواقع، سواء كان ذلك تعبيرًا حقيقيًا أو محض ترويج لصورة مختلقة”. وترى الشيخ أن الإمارات تحتذي بالسعودية في ذلك.

وبالنظر إلى تلك الدوافع، فإن فهم المنطق السياسي الكامن وراء دعم هذه الفنون أمر لا غنى عنه. لقد تحالفت دول الخليج مع إسرائيل وفضّلت المصالح الاقتصادية والسياسية على النضال ضد النظام القمعي.لذلك فإن السياق الأكبر للدعم الثقافي يبدو مثيرًا للقلق، فليس ذلك الدعم إلا وسيلة للتشدق بالنضال الفلسطيني ولم يكن أبدًا غاية تُطلب لذاتها.