تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

المسلمون والمسيحيون في فلسطين، يقاومون الخوف بالإيمان

مجموعة من الحجاج المسيحيين يسيرون بالقرب من المصلين المسلمين في المدينة القديمة بالقدس.
مجموعة من الحجاج المسيحيين يسيرون بالقرب من المصلين المسلمين في المدينة القديمة بالقدس. (Photo by Jack GUEZ / AFP)

دانا حوراني

يعيش المسلمون والمسيحيون الفلسطينيون هذه الأيّام زمن الإحتفالات الدينية. فقد بدأ أسبوع الآلام المقدس عند المسيحيين الغربيين يوم الأحد 10 أبريل بموكب أحد السعف المبهج في شوارع القدس المحتلة يتصدره رجال دين ورهبان يرتدون الملابس التقليدية الملونة.

وقد ملأت حشود المصلين المسيحيين الشوارع وهم يمسكون سعف النخيل ويرددون الصلوات والترانيم. وقبلها بأسبوع، امتلأت الشوارع بالمسلمين الفلسطينيين للاحتفال ببداية شهر رمضان المبارك، فتلألأت المصابيح وأنارت الفوانيس التقليدية شوارع البلدة القديمة في القدس، وأشاع المنشدون والطبالون أجواء الاحتفال بملابسهم الفلسطينية التقليدية: السروال والقمصان المخططة والكوفية الفلسطينية المشهورة والطربوش.

ويمتاز أبريل في 2022 بتقارب الشعائر الدينية، فالمسيحيون يصومون 40 يومًا خلال الصوم الكبير، والمسلمون يصومون 30 يومًا طوال شهر رمضان المبارك. لكن صفو الاحتفالات يعكره دائمًا تصاعد التوتر مع الشرطة الإسرائيلية التي اعتدت قواتها في الأيام الأولى من شهر رمضان على سبعة أشخاص واعتقلت عشرة آخرين في منطقة باب العامود بالقدس المحتلة.

كما قتلت الشرطة الإسرائيلية امرأتين فلسطينيتين في منطقتين منفصلتين في الضفة الغربية المحتلة يوم أحد السعف، وهو ما يُضاف إلى سوابق العنف الممنهج ضد الفلسطينيين حتى في أشهر العبادة.

لكن إراقة الدماء والإرهاب الذي يلوح في الأفق لم يُضعف عزم الفلسطينيين، إذ أصّر المسلمون والمسيحيون على حدٍّ سواء إحياء البهجة والتقاليد وممارسة الشعائر الدينية.

Palestinians celebrating
صورة تظهر فلسطينيين يحتفلون ببداية شهر رمضان يوم الأحد 3 أبريل 2022 في القدس المحتلة. Photo credits : Iazzt Jamjom

رمضان والإسلام 

قال أحمد، وهو معلم وأب يبلغ من العمر 34 عامًا، لفنك إن الفلسطينيين اكتسبوا مناعة ضد الخوف، مؤكدًا على أن عنفَ الجنود الإسرائيليين وانتشارهم المكثف في كلّ أرجاء البلاد يستعدي الفلسطينيين ولا يرهبهم.

وتساءل قائلًا: “سواءً كنت ذاهبًا للتنزه أو إلى دور العبادة، لماذا أجد نفسي محاطًا بكل هؤلاء الجنود؟ وممّن يحمونني؟ من أهلي؟”.

وقال إن البلدة القديمة في القدس والتي يذهب إليها الناس من كل أنحاء فلسطين للاستمتاع بأجوائها ومطاعمها ومقاهيها لا تخلو من البهجة والسرور، لكن المسجد الأقصى يظل أهم مكان للمسلمين.

في كل عام ينظف المسلمون باحات المسجد الأقصى استعدادًا للشهر الفضيل ولصلاة التراويح التي تؤديها الجموع بعد صلاة العشاء.

كما يتجمع الناس لتناول الإفطار في باحات المسجد الأقصى حيث يتطوع البعض ويوزعون المياه والأطعمة   كعادتهم.

وقد خففت السلطات الإسرائيلية القيود المفروضة على الفلسطينيين في الضفة الغربية هذا العام، لتسمح لهم بدخول الحرم القدسي، ولكن لأداء صلاة الجمعة فقط. لكن هذه التعديلات لا يراها أحمد إلا تذكيرًا بأن حياتهم ما تزال تحت رحمة الاحتلال.

وأضاف قائلًا: “من حقنا أن يكون لنا كامل الحرية في دخول الحرم القدسي باعتبارنا مواطنين ومتعبدين، لكننا نعلم أننا في سجن يتحكم فيه الحراس وما علينا إلا الإطاعة والخضوع،ولا رأي لنا في أي شيء”.

وفي آخرالمستجدات، أصيب 150 فلسطينيا هذا الأسبوع بعد أن هاجمت الشرطة الإسرائيلية مصلين مسلمين حاولوا الوصول إلى المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة. واعتُقل المئات ، بحسب جماعات حقوقية فلسطينية.

التقاليد المعدلة

ما يزال الاحتلال الإسرائيلي يعرقل العديد من العادات الرمضانية بحسب ما قاله أحمد، فالحواجز الإسرائيلية والتفتيش الإلزامي تحول دون كثير من العائلات والأصدقاء الذين اعتادوا تبادل الزيارات كل شهر حتى بات اجتماعهم أقرب للمستحيل.

وأضاف أحمد أن التداعيات الاقتصادية جرّاء الحرب الروسية الأوكرانية، أدت إلى ارتفاع الأسعار والوقود  مما زاد الأوضاع سوءًا. فلم تعدْ مائدة الإفطار في كثير من البيوت تشمل أربعة أصناف.

كما تأسف أحمد على اختفاء المسحراتي الذي يوقظ الناس للسحور قبيل الفجر في العديد من المناطق. وقال: “نظن أن الحكومة الإسرائيلية حظرّت هذه الممارسات لأسباب أمنية، إلا أننا لا نفهم ما هي هذه الأسباب”.

لكن رغم العنف والقيود والصّعوبات الاقتصادية ،يحافظ الفلسطينيون على إيمانهم وتقاليدهم، ابتداءً من التنزه الجماعي إلى الأكلات التقليدية التي تزين موائد الإفطار مثل أطباق المخلل الجانبية، وأطباق اللّحوم اللذيذة، والفلافل الشهية، وكعك القدس، والقطائف بالجبنة، ولكلٍ ما يشتهي.

احتفلت الكنيسة الكاثوليكية بأحد الشعنينة في شوارع القدس المحتلة في 10 نيسان / أبريل 2022.
احتفلت الكنيسة الكاثوليكية بأحد الشعنينة في شوارع القدس المحتلة في 10 نيسان / أبريل 2022. Photo credits : Iazzt Jamjom

الصوم الكبير والمسيحية

أمّا جنان نصار، وهي طاهية ومالكة مطعم في رام الله وسط الضفة الغربية تبلغ من العمر 61 عامًا، فتُدخل البهجة إلى قلوب المسلمين والمسيحيين وتُعدّ لهم أطباقها المنزلية التقليدية الشهية.

وشهدت رام الله، التي كانت في يوم ما مأهولة بالمسيحيين، تغيرًا ديموغرافيًا في العقود الأخيرة بعد إجبار المسيحيين على ترك بيوتهم وتهجيرهم، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في عددهم.

وقالت جنان نصار لفنك إن الصّوم الكبير له مكانة دينية كبيرة عندها، فهو يشجعها على مقاومة شهيتها تجاه بعض الأطعمة، ومن ثم يقربها إلى الرب والفقراء. وفي هذا الصوم يمتنع المسيحيون عن أكل اللّحوم والأسماك والبيض وجميع المنتجات الحيوانية وهي مكونات أساسية في مطبخها. لكنها تعمل يوميًا من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً لتقدم الطعام لكل طوائف المجتمع مسلمين ومسيحيين.

وأكثر ما يحب المسلمون على مائدة الإفطار هي الوجبات التي تمزج بين الأرز ولحم الضأن بأنواعه المختلفة مثل المنسف كما يحبون المقلوبة. أما المسيحيون فيحبون اليالنجي والرمانية. بالإضافة إلى العديد من المعجنات التي تخبز طازجة يوميًا.

وتلتزم نصار أسعار مطعمها رغم ارتفاع التكاليف حتى لا يفرّ زبائنها. فهي تقول بإن طعامها يوفر لهم هدنة من ضغوطات الحياة في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وما إن تأكله يهيم قلبك في جولة مفعمة بالمشاعر تجوب بك طرقات الذاكرة، فربما يذكرك بطعام أمك أو ببيت جدتك، وهو ما لا تقبل التنازل عنه.

وهي تعتبر أن مطعمها يحافظ على التقاليد، فهو جزءٌ لا يتجزأ من المقاومة الفلسطينية.

فتقول: “هذا بلد المسيح. ومن الضروري أن نحافظ على تراثنا الثقافي وهويته  الأمّ حتى لا يمحى”.

وتتبع مدينة رام الله التقويم الكاثوليكي لعيد الميلاد والتقويم الأرثوذوكسي لعيد الفصح، بحسب نصار، ما يعني أن أتباع المسيحية الشرقية والغربية سيحتفلون بعيد الفصح في 24 أبريل في محبة وتناغم، وسيتدفق الجميع إلى كنيسة القيامة في القدس.

وأضافت: “صحيح أن لدينا مواكب واحتفالات بعيد الفصح في شوارع رام الله، وكذلك يذهب الناس إلى الكنائس في أعداد غفيرة، لكن لا شيء يشبه البلدة القديمة في القدس، فهي قِبلة احتفالاتنا الدينية”.