تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الجذور الفارسية لأوبرا “توراندوت” لبوتشيني

أوبرا توراندوت
لقطة من أحد عروض أوبرا توراندوت. المصدر: HyundaiCardWeb

أصغر سيد غوهراب
محاضر جامعي بارز

ما هو المكان الذي شهد الشمس مرةً واحدة؟ ما هو الشيء الذي تملكه كافة الكائنات الحية، الإنسان، والملائكة، والجنيات، والشياطين، وكل ما يأكل العشب، وكل ما يطير، وأي شيء خلقه الله؟ كيف تطورت قصة فارسية لتصبح أوبرا عالمية؟

الثقافة الفارسية تُلهم الأوروبيين

استحوذت الثقافة الفارسية على اهتمام الفنانين الأوروبيين منذ القدم. وجذب تاريخ الإمبراطورية الفارسية، والأساطير، والأديان، والشعر الفارسي، بطريقة أو بأخرى الفنانين، والموسيقيين، والعلماء الأوروبيين. وحظي ملحنون أوروبيون بإلهام من موضوعات فارسية، وأنتجوا أعمالاً فنية بناء عليها. ومن بين الأمثلة الشهيرة للأعمال الفنية المستلهمة من التاريخ والثقافة الفارسية أعمال مثل مقطوعة “المارش الفارسي” ليوهان شتراوس (عام 1864)، وأوبرا “ارتحشستا” لتوماس أرن (1710-1778)، ومقطوعة “سيرس” لجورج فريدريك هاندل (1738)، ومقطوعة “هكذا تكلم زرادشت” لريتشارد شتراوس المستوحاة من كتاب فريدريك نيتشههكذا تكلم زرادشت“.
ابنة توران

لكن كيف ألهمت قصة فارسية تعود إلى العصور الوسطى أوبرا توراندوت للموسيقار جاكومو بوتشيني؟

اسم الأوبرا هذا مشتق من الاسم المركب الفارسي توران دخت “dokht”، وتعني ابنة توران. وكلمة “Dokht” هي اختصار لكلمة “dokhtar” وتعني باللغة الفارسية الابنة. وهناك كلمة شبيهة بكلمة “Dokhtar” في اللغات الأوروبية ذلك لأن اللغة الفارسية تنتمي إلى عائلة اللغات الأوروبية – الهندية. وتشير توران إلى شمالي شرق بلاد فارس. وتروي أوبرا توراندوت قصة أميرة صينية تقتل خُطَّابها عندما يفشلون في حل الألغاز.

المحاسن السبع

كما ظهر في بحث حديث (Mogtader & Schoeler, 2019)، فإن هذه القصة خرجت في شكل أدب النوادر خلال القرن الثاني عشر ببلاد فارس في مصدرين مختلفين على الأقل. أول مصدر هو القصيدة الرائعة التي تحمل اسم المحاسن السبع “Seven Beauties” للشاعر الفارسي نظامي (عام 1209)، الذي يروي التاريخ الرومانسي للملك بهرام قبل العصر الإسلامي. وتتسم حبكة القصة بالتعقيد الشديد، وهي مليئة بالرموز الروحانية، والطبية، ورموز عن نشأة الكون، والفلك. وتسير الحبكة المبسطة للقصة على هذا النحو. في سن مبكر، أُرسِلَ بهرام بعيداً لتلقي تعليمه. وخلال رحلة صيد، يلقى معبداً في طريقه. يدخل المبنى ويرى سبع لوحات لسبع أميرات من سبع مناطق مكوِنة للعالم، ويقع مباشرةً في حبهن جميعاً. وبمجرد عودته إلى بلاد فارس، يبني بهرام سبع مبان ويدعو العرائس إلى مجمع قصره. ومن السبت إلى الجمعة، كان يزور أميرةً كل ليلة، لتروي له قصصاً مثيرة وتحمل في طياتها العظات. كل أميرة تعلمه درساً وتكون وسيلة في طريق تطوره كإنسان. يبدأ مع الأميرة الهندية في المبنى الأسود، ثم في يوم الأحد، يوم الشمس، يذهب إلى الأميرة البيزنطية هوماي، حتى يزور الأميرة الفارسية في المبنى الأبيض يوم الجمعة، يوم الزُهرة. إن رمزية الألوان في القصة، أي انتقاله من الأسود إلى الأبيض (حتى يصل في النهاية إلى بريق بلا لون) مبنيةٌ على رموز روحانية، وحسابية، وفلكية. كما تشير رحلته من الأسود إلى الأبيض إلى تطور بهرام الروحاني من الظلام والجهل إلى النور والتنوير، ليتحد مع مصدر هذا النور. ويتطور ليصبح رجلاً وملكاً مثالياً.

 أوبرا توراندوت
لقطة من أحد عروض أوبرا توراندوت. المصدر: HyundaiCardWeb

الأميرة قاسية القلب

تظهر حبكة قصة الأميرة القاسية، التي تطلب من خُطَّابها حل الأحاجي، في المبنى الأحمر. وتحدث القصة يوم الثلاثاء، يوم المريخ. مكتسياً بثياب حمراء اللون بأكملها، يزور الملك بهرام الأميرة نسرين، التي ترتدي ثوباً قرمزي اللون، وشعرها لون النار، وجلدها أبيض من لون الثلج. داخل المبنى كله مُزين باللون الأحمر، سجادٌ أحمر، ووردٌ أحمر، ونبيذٌ أحمر. وتروي الأميرة قصة أميرة تعيش في مكان قصي بروسيا. هي جميلة، ماهرةٌ في استخدام القوس والسهم، وتحظى بعلمٍ أكثر من كل الرجال. يتوسل إليها والدها كي تتزوج أحد الرجال المتقدمين للزواج منها، لكنها ترفض. في النهاية، تترك القصر، وتأمر ببناء قصراً في أعلى جبل. وضعت سيوف مخبئة في الممر المؤدي إلى القصر حتى يقطعون رأس أي شخص يمشي على هذا الطريق. وستتزوج فقط الرجل الأقوى والأذكى، الذي سيتمكن من الدخول إلى قصرها الجديد، مجتازاً السيوف، وفاتحاً باب القصر المغلق. وبمجرد دخوله القصر، يجب أن يجيب على أربعة أحاجي، تسألها الأميرة. وفي حالة فشل الخاطب في حل الألغاز، يواجه الموت فوراً. وأمرت الأميرة بوضع صورة لها على باب المدينة، متحديةً الشباب للتقدم لخِطبتها. أتى العديد من الخُطَّاب لكنهم فقدوا حياتهم. وبينما كان والدها ينتحب ويُظهر ملامح الشفقة على موتهم، كانت الأميرة باردة القلب وضاحكة، وأمرت بوضع الرؤوس المقطوعة على باب المدينة. وفي إحدى الأيام، يصل أميرٌ، كان في رحلة صيد، إلى المدينة ويقع في حب الأميرة عندما يرى صورتها. وبعد أن عرف عن قسوة قلبها، يذهب إلى حكيم ويسأله كيف يتغلب على السيوف الخفية، وكيف يفتح باب القصر، وكيف يجيب على الأحاجي. يقول الحكيم إن الموت يأتي للجميع أما الحب فلا يأتي لكل الناس، لذا على الأمير أن يمضي في مسعاه. يعلمه الحكيم كيف يهرب من السيوف، وكيف يفتح الباب، وكيف يجيب على الأحاجي الأربعة، مسلحاً إياه بالأدوات اللازمة. ينجح الأمير في الدخول إلى حديقة القصر، وهي ساحةٌ مقفرة دون أشجار أو زهور. بعد انتظاره لوقت طويل، تأتي سيدة عزباء وتطلب منه العودة إلى قصر والدها وانتظار قدوم الأميرة كي تسأله الأحاجي. يعود الأمير. وعندما يراه الناس، يفرحون ويزيلون صورة الأميرة وجماجم الخُطَّاب من باب المدينة. ويعدون وليمةً، ويشربون الخمر، ويرقصون، ويعزفون الموسيقى. بعد الانتظار لمدة يومين، تأتي الأميرة في اليوم الثالث. تُزيل لؤلؤتين من أذنيها، وهي مبتسمةً، وتعطيهما للأمير، وتسأله عما تعنيه هذه الهدية. يعطيها الأمير ثلاث لآلئ، كان الرجل الحكيم قد أعطاهم له. ثم، يأمر حاشية القصر بإحضار ميزان ووضع اللآلئ الثلاث في كفةٍ ووضع اللؤلؤتين الأخرتين في الكفة الأخرى. تساوت كفتا الميزان. وقال الأمير: “إذا كانت الحياة ليست سوى يومين طويلين، مثلما يقول العلماء، فهاك هي حياتي وحياتي. وها هي حياة أخرى، حياتنا معاً عندما نصبح واحداً بالحب. (Chelkowski, 1975: 93). بعد ذلك، تطلب الأميرة آلة طحن وتأمر بطحن اللآلئ وإضافة سكر إليهم. ثم، تُلقيهم في كأس وتعطيه للأمير، وتسأله عما تعنيه مثل هذه الهدية. أحضر الأمير قارورة الحليب التي أعطاها له الحكيم، وسكبها في الكأس وطلب من الأميرة أن تشرب. بقت بودرة اللؤلؤ في قاع الكأس. بعد ذلك، أعطت الأميرة الأمير خاتمها النفيس وسألته عما تعنيه هذه الهدية. منحها الأمير لؤلؤةً براقة مثالية. وأخيراً، حلت الأميرة عقدها ومنحت الأمير لؤلؤة تشبه تماماً تلك التي أعطاها إياها، وسألته عما تعنيه هذه الهدية. أحضر الأمير خرزة زجاجية وخيط، ووضع الخرزة بين اللؤلؤتين قائلاً للأميرة ليحرسنا حبنا ضد الأرواح الشريرة. وبهذه الطريقة، أجاب الأمير على كل الأسئلة.

جياكومو بوتشيني
تمثال ملحن الأوبرا الإيطالي الشهير جياكومو بوتشيني. المصدر: HBarrison / Creativecommons

في رواية نظامي، الأمير لا يسأل الأحاجي، والألغاز التي تقولها الأميرة ليست أسئلةً لفظية. لكن في مصدرٍ ثاني للقصة، نجد العديد من الأحاجي اللفظية التي يسألها الأمير والأميرة. هذا المصدر الثاني هو كتاب “جوامع الحكايات ولوامع الروايات” “Javāmiʿ al-hekāyāt” ويعني باللغة الفارسية “مجموعة من القصص” للأديب الفارسي محمد عوفي (1170-1232). تتسم قصة عوفي بقصرها وتركز غالباً على عشر أحاجي، تسألهم الأميرة (Mogtader & Schoeler, 2019). وتدور أحداث قصة عوفي في الإمبراطورية الرومانية وتسلط الضوء على وحشية الأميرة التي تقتل 42 من الخطاب بعد أن فشلوا في حل الأحاجي. في هذه الرواية، يقع الأمير في حب الأميرة الرومانية القاسية بعد أن سمع عنها. يذهب إلى قصرها ويتحداها. يُظهر أبو الأميرة تعاطفاً كبيراً معه. وتتعلق معظم الأحاجي بنظريات نشأة الكون، والأديان، والأخلاقيات. وتهدف هذه الأحاجي إلى اختبار ذكاء شاب، يظهر كثيراً في الشعر الملحمي الفارسي. وبعد أن أجاب على جميع الأسئلة، يسأل الأمير الأميرة عن أحجيةٍ ويمنحها يوماً واحداً لحلها. في رواية عوفي، تذهب الأميرة إلى أمها لطلب النصيحة. فتقنعها بأن تتزوج الأمير. وتظهر العديد من الأفكار الرئيسية، التي استخدمها نظامي، في قصة عوفي أيضاً مثل وضع الرؤوس المقطوعة على باب المدينة، والملك المتعاطف للغاية مع الشباب الذين يزورون ابنته، ويقعون في حبها سواء عبر سماع أقاويل عنها أو رؤية صورتها.

وهناك مصدر آخر للقصة كُتب لاحقاً بوقتٍ طويل، وهي قصةٌ أطول ومبنية على رواية عوفي. وفي هذا المصدر، يتغير موقع أحداث القصة، ليصبح في الصين. في الأدب الفارسي الرومانسي، بما في ذلك التراث الشعبي، تشتهر الصين بالفتَيات الحسناوات، ويذهب الأمير الفارسي غالباً في مهمة للعثور على شريكة للزواج في الصين. في هذه القصة، يصل الأمير إلى الصين بعد أن واجه العديد من الصعوبات، ويقع في حب الأميرة بعد أن سمع عنها. تخبره سيدة عجوز عن سلوك الأميرة الوحشي، وترجوه أن ينساها. يذهب الأمير إلى قصر الأميرة، وتسأله أحاجي على مدار أربع أيام متعاقبة. يجيب الأمير على جميع الأسئلة. وفي اليوم الأخير، يطرح على الأميرة أحجية ويمنحها يوماً للإجابة عليها. وبعد عجزها عن حل الأحجية، تُرسل بنات عذارى جميلات كي يجعلوا الأمير يسكر ويغروه للحصول على إجابات. تأتي إحدى الفتَيات بالأمير المخمور إلى السرير وتكتشف الإجابة على الأحجية. وقبل ممارسة الحب معه، تخدعه وتهرب تاركةً ملابسها عنده. في اليوم التالي، يذهب الأمير إلى القصر للحصول على الإجابة من الأميرة القاسية، التي تقول له بغرور أنها ستقتله، فيقول لها: “في الليلة الماضية، كنت في رحلة صيد. طاردت عصفورةً. أمسكت بها، وكنت على وشك أن أحقق غرضي منها، لكنها لاذت بالفرار، لكن لا يزال لدي جناحيها وريشها”. أقنعت هذه الإجابة الأميرة بذكائه ووافقت على الزواج منه (Mogtader & Schoeler, 2019).

تُرجمت هذه النسخة الأطول من القصة إلى اللغة التركية بعنوان “Ferec baʿd al-shedda” وتعني “فرجٌ بعد الشدّة”. في القصص الفارسية، اسم الأمير والأميرة غير مذكور، لكن في الترجمة التركية يظهر اسم “Calaf” وهو تحريف لكلمة ” Khalaf” وتعني الخَلَف.

ترجم المستشرق الفرنسي فرانسوا بيتيس دي لا كروا (1653-1713) هذه القصة، بتصرفٍ كبير، إلى اللغة الفرنسية وأضاف إليها صبغة صينية. وتبدأ النسخ الأوروبية من أحاجي الأميرة منذ هذه الفترة. وترجم الكاتب كارلو جراف جوزي (1720-1806) العديد من القصص الشرقية بتصرفٍ ملائم للثقافة الأوروبية، من بينها هذه الرواية. كتب كل من جوزيبي أدامي (1878-1946)، وريناتو سيموني (1875-1952) نص الأوبرا التي لحنها بوتشيني. وعرف بوتشيني القصة من المسرحية، التي كتبها فريدريش شيلر (1759-1805)، والمبنية على نسخة جوزي من القصة.

أحاجي تسألها أوبرا توراندوت لبوتشيني

من الرائع رؤية كيف تطورت قصة من أدب النوادر، تأتي غالباً من القصص الشفهي الفارسي، إلى مجموعة معقدة من القصص، تركز بالأساس على عنصر الأحاجي، التي ترويها أميرة جميلة قاسية وقوية، تختبر الذكاء والمهارة الجسدية لخُطَّابها.

أهدي هذا المقال لصديقي روكوس دو خروت.

إجابات الأحاجي:

● البحر الأحمر
● اسم

المصادر ومطالعة المزيد:

[1] تشلكوفسكي، ب. ” Āyā operā-ye Turandot-e Puccini bar asās-e kushk-e sorkh-e Haft Peykar- e Nezāmi ast?” (بالعربية: هل تستند أوبرا توراندوت لبوتشيني إلى الجناح الأحمر في ملحمة هفت بيكر لنظامي؟” في صحيفة إيران شناسي، ١٩٩١، ص. ٧١٥ – ٧٢١.
[2] دبشي، هـ. بيرسوفيليا: الثقافة الفارسية في الساحة الدولية (بالإنكليزية)، كامبردج ماساشوستس: مطبعة جامعة هارفرد، ٢٠١٥.
[3] مارزولف، يو. وآر. فان ليون، الليالي العربية: الموسوعة (بالإنكليزية)، سانتا بربارا: إي بي سي كليو، ٢٠٠٤.
[4] مارزولف، يو. فرجٌ بعد الشدة: النموذج العثماني التركي لألف ليلة وليلة (بالإنكليزية)، ديترويت، ميتشغان: مطبعة جامعة وين ستيت، ٢٠١٧ (لم يكن بإمكاني الوصول إلى الكتاب).
[5] مقتدر، ي. وجي شولر، توراندوت: الحكاية الخيالية الفارسية (بالألمانية)، الترجمة، التعليق، فيسبادن: تقرير رايخرت، ٢٠١٩.
[6] سيد غوهراب، ع. أ. زخارف غامضة في الشعر الفارسي المبكر (باللغة الإنكليزية)، أمستردام، دار روزنبيرخ للنشر/ ويست لافاييت، مطبعة جامعة بوردو، ٢٠٠٨ (قامت مطبعة جامعة لايدن بإعادة النشر في عام ٢٠١٠).
[7] سيد غوهراب، ع. أ. ليلى والمجنون: الحب والجنون والشوق الغامض في ملحمة نظامي الرومانسية (بالإنكليزية)، لايدن/ بوسطن: إي. جيه. بريل، ٢٠٠٣.
[8] يوهانان، جيه. دي.، الشعر الفارسي في إنكلترا وأمريكا: تاريخٌ يمتد ٢٠٠ عام (بالإنكليزية)، نيويورك: مطبعة كارافان للكتب، ١٩٧٧.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://leidenmedievalistsblog.nl في 29 نوفمبر 2019.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles