تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

بيت لحم وأخوتها: كيف تعرفنا على أقدم المعالم المسيحية

 مسيحية وهي تضيء شمعة أثناء زيارتها لكنيسة المهد
صورة تم التقاطها يوم 24 ديسمبر 2019 لحاجّة مسيحية وهي تضيء شمعة أثناء زيارتها لكنيسة المهد في ليلة الميلاد بمدينة بيت لحم في الضفة الغربية. المصدر: Musa Al SHAER/ AFP.

كين دارك
أستاذ علم الآثار والتاريخ بجامعة ريدينغ

حين يحلّ عيد الميلاد في كل عام، تصبح بيت لحم حيث وُلّد المسيح محط اهتمام عالمي. وفي معظم السنوات، يكتظ قلب المدينة بالحجاج المسيحيين. كما يرتحل كثيرٌ من الناس إلى الأراضي المقدسة على مدار العام لزيارة المعالم الدينية، سواء أكان ذلك في القدس أو الناصرة أو محيط بحيرة طبريا.

لكن متى بدأ تقديس المسيحيين لتلك المعالم والحج إليها؟ فيما يلي أعرض ما توصلت إليه مستعيناً بعملي في مجال الآثار في الناصرة ومعتمداً على ما تقدمه المصادر المكتوبة القديمة والأدلة الأثرية.

تشير الأناجيل إلى عدم تصنيف المسيح لما يمكن التعامل معه على أنه “مكاناً مقدساً”. بيد أن أعلام المسيحية بدأت بحلول القرن الثالث الميلادي بالبحث عن المناطق المذكورة في الكتاب المقدّس. وكان من هؤلاء ألكسندر الذي أصبح فيما بعد أسقف القدس، والعالم المعروف أوريجانوس وقد شغل منصب رئيس المدرسة اللاهوتية في الإسكندرية. وقبل ذلك وبالتحديد في منتصف القرن الثاني، أشار الكاتب المسيحي القديس جاستن أو “يوستينوس الشهيد” إلى وجود كهف في بيت لحم قيل إنه المكان الذي ولد فيه المسيح.

ويذكر إنجيل يعقوب من القرن الثاني، والذي يُطلق عليه أحياناً اسم “إنجيل يعقوب التمهيدي“، أن هذا الكهف موجودٌ في بيت لحم. ورغم أن هؤلاء الكُتّاب قد يشيرون إلى كهوف مختلفة، إلا أنهم يشهدون بوجود مكان مقدس مسيحي واحد على الأقل في بيت لحم، وذلك في غضون جيل أو جيلين من ظهور إنجيل يوحنا، وهو آخر الأناجيل القانونية.

أما المصادر المكتوبة، فتظهر لنا وجود أماكن مقدسة مسيحية أخرى في تاريخٍ مبكر مقارب للمذكور سابقاً. فعلى سبيل المثال، نجد في رؤيا يوحنا أنه ألقى بصبغة دينية هامة على أحد الكهوف الموجودة في جبل الزيتون مباشرة خارج القدس القديمة، علماً بأن هذا المصدر يتم إعادته تاريخياً إلى أواخر القرن الثاني. وداخل القدس نفسها، بدأ التعامل مع قبر القرن الأول باعتباره مكان دفن المسيح عليه السلام بحلول القرن الثاني، علماً بأن كنيسة القيامة بنيت في وقتٍ لاحق في نفس الموقع.

ويقول المؤرخ يوسابيوس من القرن الرابع إن هادريان قد بنى معبداً فوق القبر منتهكاً مكانته الدينية المسيحية. كما انتهك هادريان معالم أخرى بالطريقة نفسها مثل المعبد اليهودي في القدس وجبل جرزيم وهو المزار السامري. وربما يكون ذلك أكثر من مجرد تكهنات رومانية متأخرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ما ورد عن يوسابيوس يتوافق مع الأدلة الأثرية لمبنى روماني ضخم في موقع قبر القرن الأول والذي تحول في القرن الرابع إلى كنيسة يحجّ إليها المسيحيون (كنيسة القيامة).

كما تتواجد سبع كنائس أخرى يُحج إليها الحجاج المسيحيون وتعود إلى القرن الرابع في مواقع بها كهوف، لكن هذه الكهوف ليست طبيعية بالكامل ويبدو أن يداً قد تدخلت في نحتها. وتتضمن قائمة هذه الكنائس كنيسة المهد في بيت لحم حيث وُلد المسيح. أما قائمة الست الباقية فتتضمن كلاً من كنيسة “حقل الرعاة” التي تقع خارج بيت لحم ويُعتقد أن الملائكة قد أعلنوا ميلاد المسيح فيها. ويضاف إلى القائمة كنيسة “باتر نوستر” (إيلونا) على جبل الزيتون، وهو موقع يرتبط “بالسُّلاَّقُ” عندما صعد المسيح إلى السماء. كما تتضمن القائمة كنيسة الجسمانية حيث خان يهوذا المسيح، وكنيسة الطابغة جوار بحيرة طبريا، بالقرب ما يُعتقد أنه موقع العظة على الجبل. وثمة كنيستان أيضاً في الناصرة، الأولى ترتبط بالبشارة، حين علمت مريم أنها سوف تضع المسيح، والأخرى ترتبط ببيت طفولة المسيح.

كلّ هذه الكنائس التي تعود إلى القرن الرابع كانت إما موجودة في إحدى الإشارات إلى الكهوف أو كانت في داخلها. لذلك، ربما اعتُبرت هذه الكهوف معلماً يدل على مواقع الأحداث المرتبطة بها في القرن الرابع.

فعلى سبيل المثال، صُممت كنيسة المهد في أوائل القرن الرابع ببيت لحم من أجل إظهار الكهف باعتباره المحور الأساسي للكنيسة، وكان المذبح موجوداً في الكهف نفسه. واستناداً إلى معايير أثرية فقط، فإن أفضل تفسير لهذا التصميم هو أن الكنيسة ومذبحها قد صمما بهذه الطريقة بسبب أهمية دينية للكهف معروفة سلفاً.

وهذا التفسير للكهوف عامةً تدعمه أدلّة مكتوبة.

خريطة للأراضي المقدسة وفيها تظهر المواقع الأثرية المسيحية المذكورة في المقالة. المصدر: https://theconversation.com/bethlehem-and-beyond-how-christianitys-earliest-sites-were-identified-151719 ©Fanack

فقد كتب يوسابيوس في كتابه “حياة قسطنطين” إن أوائل القرن الرابع قد شهدت بناء ثلاث كنائس إمبراطورية عظيمة في أماكن وقعت فيها أحداثٌ مهمة وردت في الأناجيل. وهذه الكنائس هي كنيسة القيامة، وكنيسة المهد وكنسية “إليونا”. وذكر أوسابيوس في كتابه الشهير “التاريخ الكنسي” إن الكنائس بُنيت فوق “كهوف” سابقة على إنشاء هذه الكنائس – وكان أحدها قبرٌ محفور بالصخور. وعلى هذا النحو، فإن كنائس القرن الرابع ترتبط بأحداث تسعى لتخليدها.

إن صحّت الروايات فكان بناء أو تعديل بعض هذه الكهوف على الأقل في المواقع السبع المذكورة يهدف للإشارة إلى أماكن لها أهمية دينية قبل القرن الرابع، فهي إذن من بين أقدم الأبنية المسيحية التي عرفناها حتى اليوم. بيد أن ما بين أيدينا يوحي فقط بمشاركة عدد قليل من السكان المحليين في بناء هذه الكنائس. وتشير التفاصيل المختلفة عن حجمها وخططها إلى أنها نتاج مبادرات منفصلة.

وقد يعني استعمال الكهوف بهذه الطريقة أيضًا أنها كانت مزاراً دينياً في وقت سابق على بناء كنائس القرن الرابع، وربما كان ذلك هو أقدم حج مسيحي. وإذا كانت الأحداث التي تخلّدها الكهوف هي نفسها التي احتفت بها الكنائس فيما بعد، فإنه بإمكاننا على هذا النحو أن نرى فيهم تسلسلاً من البشارة إلى القيامة، حيث يرتبط كلّ كهف (والقبر في كنيسة القيامة) بحدث واحد فقط. بل وربما ارتحل المسيحيون في تسلسل بين هذه المواقع وفقاً لترتيب تلك الأحداث في الأناجيل قبل بناء كنائس القرن الرابع.

ومن خلال الأدلة المكتوبة والأثرية، يتبين لنا أن أصول الطوبوغرافيا المسيحية والحج كانت في وقت أبكر مما نفترضه عادة. وإن صح ذلك الاستنتاج، فبإمكاننا القول حينها إن بُناة الكنائس الإمبراطوريين في القرن الرابع قد ورثوا ولم ينشأوا شبكة من الأماكن المقدسة والتي ربما ظهرت تدريجياً على مرّ القرون نتيجة مبادرات محلية صغيرة ومتواضعة.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذد المقلة بالأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com في 17 ديسمبر 2020.

في هذه المقالة: فلسطين | الأديان - التاريخ - الثقافة
written by
veronica
المزيد veronica articles