تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

مسارح المواطنة. جماليات وسياسات أداء الطليعة في مصر

ممثلون مصريون من فرقة الرقص الحديث يقدمون مسرحية
ممثلون مصريون من فرقة الرقص الحديث يقدمون مسرحية بعنوان “فيروز هل بكيت يوما” تتعلق بالحرب الأخيرة في لبنان، إخراج وليد عوني، خلال مهرجان القاهرة الدولي الثامن عشر للمسرح التجريبي، أواخر 16 سبتمبر 2006 في دار الأوبرا المصرية.

سونالي باهوا

عد أن يهدأ غبار الثورة، تحيا ذاكرتها الحسيّة في أغاني وأشعار وهتافات الاحتجاجات. ففي السنوات التي سبقت الإنتفاضة المصرية عام 2011، صقل الأداء أيضاً ذخيرة مجموعة مسرحيات المواطنة المنشقة، وفي المسرح المفعم بالحيوية لطلاب الجامعات الحكومية والخريجين العاطلين عن العمل أو أولئك ممن يعانون من البطالة المقنعة، وجِد جيلٌ خاض نقاشاتٍ نقدية حول معايير وأشكال سلطة الدولة منتدىً عاماً حيوياً. يحلل كتاب مسارح المواطنة حركات ما قبل الثورة وما بعدها للمسرح الحر في مصر الحضرية (2004-2014) كوسائل مجسدة لتنظيم علاقة الشباب الناقد بالسلطة الثقافية والسياسية والأوتوقراطية.

سونالي باهوا، مسارح المواطنة. جماليات وسياسات أداء الطليعة في مصر، إيفانستون، إلينوي: دار نشر جامعة نورث وسترن، 2020. قبل اندلاع الثورة المصرية الأخيرة بوقتٍ طويل، كان المسرح الساخر والسياسي طقس عبور لشباب المدن. فقد كتب كتّاب بارزون مثل يوسف إدريس وتوفيق الحكيم عن الحاجة إلى الأدب الدرامي المصري المميز، ولم يستذكر القادة السياسيون مثل جمال عبد الناصر أيامهم المسرحية بالجامعة فحسب، بل قاموا أيضاً بتمويل المسارح الحكومية مع موظفين بدوام كامل بما في ذلك الكتاب المسرحيين والمخرجين والممثلين. وعندما أطلق حسني مبارك برنامج العولمة الاقتصادية والثقافية في أواخر الثمانينيات، كان المسرح هدفاً رئيسياً لإصلاحاته. أعاد مهرجان القاهرة الدولي الجديد للمسرح التجريبي، تحت إشراف وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني، استثمار أموال الدولة في عرضٍ مُبهر للأداء العابر للحدود لمدة عشرة أيام من كل سبتمبر.

استغل الهواة في العشرينيات والثلاثنيات من عمرهم، ممن رأوا أن فرصتهم في العمل بمسارح الدولة قد أحبطت، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي باعتباره محفلاً ليحظوا بالتقدير. كما صاغوا قائمةً لإيجاد منصةٍ مستدامة للمسرح المستقل، مع إعترافٍ قانوني ودون رقابة. يتتبع كتاب مسارح المواطنة تطور هذه الحركة، لا سيما سياساتها المتعلقة بالأنواع الاجتماعية والأجيال، حيث انتقل الأدباء المسرحيون من المطالبة بالحق في الحرية الفكرية بدعمٍ من الدولة، إلى تشكيل مؤسساتٍ مستقلة عن وزارة الثقافة. وباعتبارها مبادرة للحقوق المدنية الراسخة في الحركة المسرحية، كانت تلك طليعةً ثقافية وسياسية على حد سواء.

في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ترتبط الطليعة المسرحية بالأزمات السياسية مثل الحركة الطلابية في الستينيات التي تحالفت معها الحركة الوضعية الدولية. من جهته، كان المسرح المصري المستقل ظاهرة أطول تشكلت خلال عقود ديكتاتورية مبارك. ابتكر المسرحيون الذين تابعتهم خلال بحثي بُنية تحتية للإنتاج الثقافي وقاموا بتطويرها، بما في ذلك المسارح الجامعية والقصور الثقافية المملوكة للدولة وكذلك المراكز الثقافية الأجنبية. نمت هذه الحركة على هامش المؤسسات الرسمية والمسرحيين الذين كانوا أكثر انتقاداً لسلطة الدولة من الإداريين الأكبر سناً في مسارح الدولة وأتباعهم الطيعين. استعرت مفهوم ستيفانو هارني وفريد موتين لـ(الأندر كومون) [1]، وهو مكانٌ يجتمع فيه نشطاء الأقليات ويخططون، متصورين حركة المسرح الحر كطليعة ثانوية. كانت مساحة تدعمها أجيال من المثقفين والفنانين الشباب ذوي التفكير المستقل المرتبط بوضعهم الخارجي فيما يتعلق بمسارح الدولة. فقد كانوا “قادة التنوير” على حد تعبير هارني ولوتون، الذين وضعوا نظرية الثورة في هياكل السلطة الفنية والفكرية وكذلك السياسية. يفحص كتابي التفاعل بين الابتكار الجمالي والأيديولوجية السياسية في المسرح المستقل، ويضع الممارسة الثورية في مواقع مختلفة لأداء هوية الأجيال.

لعبت سياسات الهوية خلال التحولات الليبرالية الجديدة في مصر في أوائل القرن الحادي والعشرين دوراً في أنواع الأداء التي تتراوح من مسرح المهرجانات إلى ورش “التنمية البشرية،” التي ركزت على الانضباط الجسدي. شارك المسرحيون المستقلون في العديد من هذه الأماكن كمؤدين ومثقفين ومنظمين. يتبع مفهومي للأداء الطليعي جهودهم المتنوعة في استخدام الفن لتتمحور حول أسئلة هوية الشباب وسط التغيير السياسي والاقتصادي. لم تكن سياساتهم يسارية حصرية، ولكن كحال جماهير الثوار في عام 2011، انشقوا بطرق مختلفة ضد تخلّي الدولة عن المواطنين. في هذا الصدد، كانت الطليعة المسرحية في القرن الحادي والعشرين جزءاً من الأندر كومون للثقافة والسياسة الليبرالية الجديدة. إن شمولية هذه المساحة الشبابية المخالفة والتي تضم الروائيين والشعراء والنشطاء وكذلك المسرحيين، جعلت منها جزءاً معروفاً في الحياة الفكرية في مدن مصر.

كانت إحدى الطرق الرئيسية التي انشق بها المسرح المستقل ضد نظام مبارك الذي أشرف على العولمة الثقافية هي تنظيم الثقافة العالمية وفقًا لشروطها الخاصة. شُكّل المسرح المصري من خلال التبادل العابر للحدود الوطنية منذ القرن التاسع عشر، عندما تم بناء المسرح القومي إلى جانب دار الأوبرا، للاحتفال بافتتاح قناة السويس. قامت الفرق السورية بتكييف الدراما الفرنسية والإيطالية هنا، وكتب المسرحيون متعددو اللغات من الإسكندرية والقاهرة مسرحياتٍ تعتمد على الأنواع المسرحية الشعبية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وحتى بعد الإصلاحات الثقافية القومية في منتصف القرن العشرين، بما في ذلك إنشاء شبكة من مسارح الدولة، ظل التمييز بين الدراما الأجنبية والمصرية غير واضح. عرضت جميع هذه المسارح مجموعةً مختلطة من الدراما المترجمة والعربية وأساليب الطليعية الأوروبية والمحلية. ازدهرت الانتقائية في المسرح حتى مع تزايد بروز التلفزيون من خلال أيديولوجيات الدولة والاهتمامات القومية. كان المسرح في المقام الأول فناً للمثقفين، وخصص لهم مساحة لترجمة الظواهر الثقافية الحديثة بعبارات مُدرجة. تناولت المسرحيات التي أدرسها في هذا الكتاب موضوعات عولمة الإعلام والنسوية، على سبيل المثال، لترسيخ هذه الظواهر في تجارب الشباب المصري من الحضر. في الوقت نفسه، استخدم المسرحيون المستقلون القوة الثقافية للنصوص المترجمة والمتعاونين الأجانب لتعزز دورهم كمثقفين متعددي الجنسيات.

تمتلك الشبكات الثقافية عبر الوطنية طرقاً لدعم حركات الحقوق الوطنية، وقد حصل فنانون الدراما المستقلون في مصر على الدعم من العلاقات التي أقاموها في مهرجان القاهرة الدولي الجديد للمسرح التجريبي على مر السنين. يتعقب مسارح المواطنة تشكيل ذخيرة المواطنة عبر الأنماط الجمالية والسياسية الوطنية وعبر الوطنية. ونظراً لأن المسرح كان لفترةٍ طويلة نقطة التقاء للمثقفين النقاد، كان مكاناً طبيعياً لتطوير هذه الذخيرة في ظل حريةٍ نسبية من قمع الدولة. ففي نهاية المطاف، ما الضرر السياسي الذي سيسببه الطلاب والخريجون في المناطق الحضرية؟ عندما حصلت الدولة المصرية على إجابة غير متوقعة لسؤالها الخطابي في عام 2011، شددت قبضتها على المسرح الحر. لم تعد هذه الحركة تتمتع بالحيوية أو حتى الحرية التي كانت تتمتع بها في عصر الثورة المضادة، لكنها تظل أرضاً خصبة للخيال الجمالي والسياسي. كما يواصل ممارسوها الانخراط في التفكير النقدي والممارسة في مساحة الأندر كومون للمؤسسات الاجتماعية، ويأملون بأن يحظوا بفرصة تنظيمها عندما يحين الوقت لذلك.

[1] Stefano Harney/Fred Moten, The Undercommons: Fugitive Planning & Black Study, Wivenhoe et, al.: Minor Compositions, 2013.

عن الكاتب

نُشر عرض كتاب “مسارح المواطنة. جماليات وسياسات أداء الطليعة في مصر” لأول مرة باللغة الإنجليزية على ترافو- بلوج للدراسات عبر الأقاليم https://trafo.hypotheses.org/16427 في 21 أكتوبر 2020 ويتم إعادة نشره بموافقة المؤلفين والمنتدى للدراسات عبر الأقاليم في برلين.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

written by
veronica
المزيد veronica articles