وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

من الفن إلى الترفيه: تاريخ الرقص الشرقي

Specials- belly dancing
الرقص الشرقي. Photo: Silvia Tomarchio / Flickr

“ما من شيء يمكنه أن يكون أكثر براعةً، إنّه رقصٌ مناسبٌ يهدف إلى إيصال رسالةٍ ما، فالنغمات ناعمة والحركات مصحوبة بتوقفاتٍ ونظراتٍ قاتلة من قِبل الراقصات، أما الظهر فقد يلتوي وكأن الراقصة ستسقط أرضاً، لكنها ترتفع من جديد بطريقةٍ فنيةٍ وببراعة،” هكذا وصفت الشاعرة والكاتبة الإنجليزية ماري وورتلي مونتاغيو الرقص الشرقي خلال تجوالها في الإمبراطورية العثمانية.

على جدران المعابد الفرعونية، اهتم المصريون القدماء برسم عشرات الصور التي تُشير إلى الرقص كجزء لا يتجزأ من حياته. فقد حضر الرقص في معابد الآلهة القديمة كجزء من طقوس الصلاة، وللترفيه عن الناس، وفي مراسم دفن الموتى لإدخال السرور على قلوبهم وطرد الأرواح الشريرة، بل وعلى جدران المقابر لتُسعد الموتى في حياتهم الثانية، وفي الحروب لإثارة الحماسة عند الجنود والمحاربين.

وقد أعاد بعض الفنانين تصميم رقصات لبعض الراقصات المستوحاة من الصور والمنحوتات على جدران المعابد والمسلات الفرعونية. بل وقد استطاع مهندسو الجرافيك إعادة إحياء تلك النقوش والرسوم بالتكنولوجيا وجعلها تتحرك على أنغام الموسيقى الحديثة مثل بعض أغاني أم كلثوم.

وخلال قرون وعقود طويلة تغيرت المعايير في الشرق ونظرة الناس إلى الرقص والراقصات، فتحول من فن راقٍ إلى رمز للإغراء وإثارة الغرائز والشهوة وصار الناس ينظرون بدونية إلى الراقصات. وبعد رؤيته الراقصات الشرقيات في شارع محمد علي في القاهرة، أورد الكاتب الفرنسي، جوستاف فلوبير، شخصية راقصةٍ شرقية في روايته القصيرة هيروديا عام 1877:

“تمايلت من جانب لآخر كزهرةٍ تهزها الريح. تأرجحت المجوهرات في أذنيها في الهواء، بينما لمع الحرير الذي كان على ظهرها تحت الضوء، ومن ذراعيها وقدميها وملابسها أطلقت شراراتٍ غير مرئية أشعلت النيران في الرجال.”

يعود الفضل إلى بديعة مصباني، التي تنحدر في الأصل من لبنان، والتي غيّرت شكل الرقص الشرقي وأعادت له احترامه. فمنذ عشرينيات القرن الماضي فصاعداً، افتتحت مصابني العديد من أندية الرقص للنخبة، أبرزها “كازينو بديعة،” الذي كان أيضاً بمثابة أول أكاديمية للرقص الشرقي في العالم. ففي هذه الأندية، استطاع أفراد الطبقة العليا الاستمتاع بمواهب الراقصات المدربات في أجواء أكثر خصوصية ورسمية.

ففي حوارها عام 1968 في أحد البرامج التفزيونية الشهيرة، تقول مصابني “لقد قمت بتطوير الرقص الشرقي كما لم يكن أبداً، واستمر التطوير الذي أدخلته لعشرات السنوات ولم ينجح أحد في تطويره مثلي من بعدي، فلقد أدمجت الموسيقى العربية مع الإفرنجية، فقد كان التخت العربي يعزف وحده والموسيقى الأوركسترا وحدها قبل ذلك ثم قمت بدمجهما لأن التخت العربي لم يكن يشبع الجمهور وحده، ولكن بإدماجه مع الإيقاع الغربي أصبح شيئاً عظيماً، كما أدخلت التنويع على الرقص الشرقي فأدمجت فيه كثير من الرقص الإسباني والتركي والعجمي حتى لا يكون مملاً.”

وداخل كازينو بديعة جاءت الراقصات من كل مكان. كما أصبحت أماً روحية للعديد من الراقصات اللائي لمعن اسمهن في تاريخ الرقص مثل سامية جمال، والتي تبنتها فنياً وهي لا تزال صغيرة وكان اسمها زينب خليل، فأعطتها اسماً فنياً عُرفت به عالمياً وهو سامية جمال، وهناك أيضاً الراقصة تحية محمد، ولكن لإتقانها رقصة الكاريوكا اللاتينية اطلقت عليها اسم “تحية كاريوكا.”

قررت مصباني بيع كازينو بديعة عام 1950، وبسبب قانون الضرائب الجديد والذي فرض آنذاك على الأعمال التجارية، وفي ظل عدم إخبار محاميها لها عنه، تراكم مبلغٌ ضخمٌ على مصباني. ولعدم قدرتها على دفعه، أجبرت على الفرار من البلاد والعودة إلى لبنان.

قامت طالبة أخرى سابقة، ببا عز الدين، بشراء كازينو بديعة والتي بدورها أكملت دور استاذتها في جذب الفنانات والفنانين، لتقوم بتدريبهم على أصول الرقص الشرقي. ومع ذلك، كان اسم تحية كاريوكا يلمع بشكل أكثر وهجاً من الجميع، إذ يظل اسم تحية كاريوكا كأحد أهم الشخصيات الفنية المصرية في القرن العشرين. وعلى الرغم من أن كاريوكا كانت ناشطة سياسياً أيضاً – فقد عارضت بشدة الاحتلال البريطاني واعتقلت في عدة مناسبات بسبب معتقداتها الشيوعية – إلا أنها معروفة باسم “ملكة الرقص الشرقي.”

وبحسب ما وصفها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد “قد تلجأ بعض الراقصات إلى الحركة البهلوانيّة، أو التزلّق على الأرض، أو التعرّي الخفيف، أما تحيّة فلا، فرشاقتها وأناقتها توحيان بما هو كلاسيكي تماما بل ومهيب، والمفارقة أنّها كانت ملموسة وقريبة كما كانت نائية، لا تُطال، ولا تُنال في آنٍ معا، كان رقص تحيّة أشبه بأرابيسك متطاول تُحكم صنعه من حول شريكها الجالس. لم تتنطط، أو تهزهز نهديها، أو تتقدّم من أحد لتدفعه أو تحتكّ به. كان ثمّة تروّ مهيب في كلّ شيء بما في ذلك المقاطع السريعة.”

في العقود التي تلت ذلك، استمر تطور الرقص الشرقي، إذ تربعت راقصات من روسيا وأوكرانيا والبرازيل وأرمينيا على سوق الرقص على الرغم من ضعف موهبتهن ولكن إرضاءً لما يريده السوق حالياً.

“لطالما كان الرقص الشرقي أحد أهم الفنون التي عُرف بها الوطن العربي وخاصة في مصر ولبنان، منذ زمن طويل، ولكن للأسف هناك تراجع في أهميته وتم التعامل معه على أنه فن منبوذ، وهو ما تزامن مع المد الوهابي في سبعينات القرن الماضي،” يوضح لنا محمد عبد الرحمن، الناقد الفني ورئيس تحرير موقع في الفن. وأضاف “وهو ما يُفسر سبب أن أشهر الراقصات أصبحن غير عربيات، ولم يعُد الاستعانة بهذا المشهد في السينما المصرية، رغم وجوده في النوادي والملاهي الليلة حتى الآن، ولكن تم استبداله بالمطربة الشعبية والمطرب الشعبي.”

ويُضيف عبد الرحمن “من اللافت وجود مهرجان للرقص الشرقي يقام في فندق مينا هاوس سنوياً وكان هناك إقبال كبير عليه، ولكن منذ عام 2012 لا يتم الإعلان عنه ويقام في أجواء شبه سرية ولا يتم نشر أي شيء عنه، وأعتقد أن هذا الوضع سيستمر لفترة طويلة لأننا نحتاج الآن إلى تعريب الرقص الشرقي وهو شيء صعب في هذه الفترة لأنه موضوع يتطلب تغيير ثقافة المجتمع وليس هناك دعم من الفنون الأخرى مثل السينما بظهور الراقصات في الأفلام على سبيل المثال، ولكن المفارقة هي وجود راقصات في الساحل الشمالي طوال الصيف أغلبهم أجنبيات يرقصن على الشواطئ نهاراً مرتدين ملابس البحر مثل البكيني وهو ما يعبر عن تحول الرقص الشرقي من الفن إلى الشكل الترفيهي.”

وتقول أندريا ديجون، الأستاذة في جامعة نورث كارولينا في مقالتها عن أصول الرقص الشرقي: “علينا النظر إلى عالمٍ متطورٍ ومعقدٍ ومتغير يضم جميع أنواع الرقصات، فمن المؤكد أنّ الرقص الشرقي سيتطور في المستقبل على أمل أن لا يبوح بالسر الذي جعل منه مميزاً. ولكن للمحافظة عليه يجب التركيز على جماليته من الناحية الفنية، والابتعاد عن الإغراء الجسدي، وبهذه الطريقة وحدها يمكننا أن نأمل بأن تقدم الراقصات الجديدات أسلوباً جديداً متأصلاً، وأن تورّثه للأجيال المقبلة. لعلها الطريقة الوحيدة لكي يعود الرقص الشرقي إلى شكله الأصلي، ويرتفع عن سمعته الحالية لمرتبة أرقى.”

Advertisement
Fanack Water Palestine