تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

الجزائر الجندي الاحتياط في حرب الطاقة

الجزائر الجندي الاحتياط
صورة تم التقاطها يوم ١٦ يناير ٢٠١٨ في مصنع أميناس لإنتاج الغاز، وذلك على بعد ١٣٠٠ كيلومتراً جنوب العاصمة الجزائرية الجزائر. ويظهر في الصورة عاملان وهما يقودان دراجتين. المصدر: RYAD KRAMDI / AFP.

حسين الزعبي

دخلت حرب الطاقة التي فرضها الغزو الروسي لأوكرانيا مرحلة حرجة بعد أن اتخذ الرئيس الأمريكي جو بايدن قرارا بحظر واردات النفط والغاز الروسية. في المقابل، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحظر استيراد وتصدير المنتجات والمواد الخام من وإلى روسيا في العام 2022 وفقا للقوائم التي يحددها مجلس الوزراء، فيما لم يتضح بعد إن كان قرار بوتين يشمل الغاز الروسي الذي يزود أوروبا بالطاقة، علما أن أوروبا، التي تعمد على روسيا بثلث حاجتها من الغاز، لن تحذو حذو واشنطن في قرارها وهذا ما أكده مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.

الهواجس الأوروبية بشأن إمدادات الطاقة، ولاسيما الغاز، بدأت تظهر إلى العلن أكثر فأكثر مع ازدياد تفاعلات الحرب الروسية على أوكرانيا. وبدأت التحركات للبحث في الخيارات المتاحة لتأمين احتياجات أوروبا من الغاز في حال توقف تدفق الإمدادات الروسية، إذ تستورد أوروبا نحو 40 بالمئة من صادرات الغاز الروسي.

الجغرافيا وضعت الجزائر، التي تحتل المركز العاشر عالميا من حيث مخزون الغاز، كواحدة من الخيارات التي يمكن اللجوء إليها وذلك لقربها من أوروبا. وفي هذا السياق، بادرت الولايات المتحدة للقاء كل من شركة “إيني” و”توتال إينرجيز” وشركات أخرى للطاقة تعمل في الجزائر، للوقوف على إمكانية جلب المزيد من الغاز الطبيعي نحو أوروبا.

عوائق تقنية وقانونية

تستطيع الجزائر من حيث المخزون والإنتاج تغطية نسبة جيدة من النقص الذي قد ينتج عن وقف الإمدادات الروسية. لكن أسبابا عديدة تجعل من الصعب على الجزائر أن تحل محل روسيا التي تعتبر أول مصدر للغاز في العالم بحسب تصريحات للخبير الاقتصادي الجزائري، والمختص في أسواق النفط، عبد المالك سراي.

وبحسب سراي، يتمثل أحد الأسباب في محدودية إنتاج الجزائر للغاز مقارنة بروسيا، ناهيك عن افتقار الجزائر لتقنيات النقل الحديثة، واتفاقات مع الاتحاد الأوروبي تحد حريّتها السوقية.

سراي أكد في سياق حديثه لقناة الحرّة على ما تواجهه الجزائر من صعوبات على مستوى نقل الغاز إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط. ويرى سراي أن الدول الأوروبية مطالبة بمساعدة الجزائر على هذا المستوى حتى يتمكن عدد أكبر من دول القارة من تحصيل الغاز الجزائري.

وتأتي الجزائر في المرتبة الثالثة بين كبار موردي الغاز للاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج. بيد أن طاقة الجزائر في تصدير غازها تصطدم بنقل الغاز عبر ثلاثة خطوط أنابيب فقط، وهذه الخطوط التي تمتد عبر البحر المتوسط لا يتم استغلالها على نحوٍ كبير.

وتعمل الحكومة الجزائرية على عشرات المشاريع التي من المتوقع أن تعزّز الإنتاج وتساهم في استقرار تدفق صادرات الغاز إلى أوروبا. لكن هذه المشاريع ما تزال في طور التنفيذ، وهو ما يعني عدم توفرها في الوقت الراهن لسد العجز الأوروبي من الغاز.

ويعد الجانب القانوني من العوامل التي تعيق تصدير غاز الجزائر للغاز إلى أوروبا. وسبق للجزائر توقيع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تمنعها من بيع الغاز مباشرة إلى الدول الأوروبية، وهو ما يقتضي بحسب سراي تعديل الاتحاد الأوروبي لبنود الاتفاقية بما يكفل مساهمة الجزائر في تعويض الغاز الروسي.

وبموجب بنود اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، فإن الجزائر لا تستطيع تخزين وتسويق الغاز في أوروبا. كما ليس بإمكان الجزائر بيع الغاز بشكل مباشر من جميع العقود الراهنة والمستقبلية بين شركات من الاتحاد الأوروبي وشركة سوناطراك النفطية الجزائرية الحكومية.

وكانت الجزائر قد أعادت التفاوض في عام 2007 مع الجانب الأوروبي بخصوص بعض بنود التقييد التي تضمنتها هذه الاتفاقية. ومع ذلك، ما يزال الاتحاد الأوروبي يفرض قيودا على تسويق الغاز الجزائري، الأمر الذي تحتاج بروكسل لإعادة النظر فيه في ضوء رغبتها بتخفيف الاعتماد على الغاز الروسي.

اعتبارات اقتصادية.. وأخرى سياسية

الجزائر الجندي الاحتياط
صورة تم التقاطها يوم ١٧ يناير ٢٠١٩ لجان باسكال كيلمينكون، مدير توتال في الجزائر، أثناء مصافحته لتوفيق حكار، نائب رئيس سوناطراك للأعمال والتطوير والتسويق، وذلك على هامش توقيع اتفاقية بين الشركتين. المصدر: RYAD KRAMDI / AFP.

تستطيع الجزائر، المورد الرئيسي للغاز إلى إيطاليا وإسبانيا وأكبر مصدر للطاقة للاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج، أن توفر حلّا لهذه الأزمة، وهذا ما سينعكس إيجابيا على الاقتصاد الجزائري. لكن الأمر لن يتوقف هنا، فهذا من شأنه أن يؤدي أيضا إلى اضطراب العلاقات المتنامية مع روسيا.

وفي هذا السياق، يقول سيريل ويدرسهوفن، محلل الطاقة ومؤسس شركة استشارات المخاطر “Verocy” بحسب وكالة “بلومبيرغ” إنه “موقف صعب” بالنسبة للجزائر. وبحسب ويدرسهوفن، فإن رغبة الجزائر بأن تكون مصدراً رئيسياً للطاقة “تتقاطع مع المصالح الأوروبية في هذا الجانب، لكن ذلك سيعني المخاطرة بتقويض خطط إقامة علاقة أعمق مع موسكو”.

وفي سبتمبر 2021، اتفقت شركة الطاقة الروسية العملاقة غازبروم على إنتاج ونقل الغاز مع الجزائر. ووصفت صحيفة المجاهد الجزائرية الحكومية الاجتماع بأنه “شراكة بين عملاقين”. وفي هذا الإطار، أعلنت شركة سوناطراك أنّ حقل الغاز الأصيل الذي تعمل عليه مع غازبروم سيبدأ الإنتاج في عام 2025.

ورغم ذلك يقول ويدرسهوفن إن الجزائر يمكنها زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، لكن الكميات المتاحة لن تقترب من سد الفجوة الناجمة عن توقف الإمدادات الروسية. إلا أن إسبانيا الأقرب إلى الجزائر تعتزم ضخ كميات من الغاز الجزائري على مدار الشهرين القادمين لتأمين الإمدادات الفرنسية.

موقع “إيكونوميا ديجيتال” الإسباني، وهو موقع مختص في أخبار الاقتصاد والطاقة، لفت إلى أن إسبانيا تتواجد في أريحية كبيرة مقارنة بدول أوروبية أخرى فيما يتعلق بإمدادات الغاز، مشيرا إلى أن خط الأنابيب الذي يجلب الغاز الجزائري يعمل بصفة عادية وتجري أعمال توسعة للرفع من قدراته. يشار إلى أن السلطات الفرنسية تعترض منذ ثمانينات القرن الماضي على ربطها بإسبانيا عبر خطوط ناقلة للغاز القادم من الجزائر.

ونقل الموقع الإسباني عن وزيرة التحول البيئي تيريزا ريبيرا عزم مدريد على شراء كميات إضافية من الغاز المسال من الجزائر عبر البواخر. ريبيرا لفتت إلى عزم بلادها تحويل الغاز الجزائري إلى دول أوروبية أخرى في حال تم تسجيل نقص في الإمدادات بسبب الحرب في أوكرانيا.

أما بيانات استهلاك إيطاليا للغاز خلال العام 2021، فتشير إلى مضاعفة إمدادات الغاز الجزائرية إليها. وارتفعت كميات الغاز الجزائري المستهلكة في إيطاليا من 12 مليار متر مكعب في 2020، إلى 21.16 مليار متر مكعب في 2021، وهو ما يشكل 28.4 بالمئة من إجمالي استهلاك الغاز الإيطالي، مقابل 29.06 مليار متر مكعب من صادرات الغاز الروسي، والتي تصل حصلتها إلى 37.8 بالمئة.

وبحسب بيانات الاستهلاك الشهرية خلال يناير 2022، فإن الجزائر تخطت روسيا كأول مورد للغاز إلى إيطاليا. وبلغت الصادرات الجزائرية 1.5 مليار متر مكعب، مقابل 1.2 مليار مكعب من صادرات الغاز الروسي.

عقود طويلة

الحرج في العلاقات مع روسيا الذي أشار إليه سيريل ويدرسهوفن، لا يوافق عليه أستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة الجزائر علاوة بلخباط. وفي حوارٍ أجرته معه “العين الأخبارية”، ردّ بلخباط ذلك إلى ارتباط الجزائر بعقود طويلة ومتوسطة الأمد مع شركائها الأوروبيين، مؤكداً أنه لا يحق لأحد منع الجزائر من تمويل الأوروبيين بالغاز. ويرى بلخباط أن العلاقات مع روسيا سياسية بامتياز، وهو ما دفع الجزائر للامتناع عن التصويت لصالح قرار يدين التدخل الروسي في أوكرانيا، وهو موقف حيادي في هذا النزاع. وفي الوقت الذي اعتبر فيه أن علاقات الجزائر مع موسكو أو مع الاتحاد الأوروبي تأتي في إطار المصالح المشتركة، فإن الجزائر ليس عليها ديون لأي جهة لكي تضغط عليها، سيّما وأنها في وضع مالي يساعد في عدم فرض أية شروط عليها.

أما على مستوى عقود توريد الغاز التي تربط الجزائر بالاتحاد الأوروبي، فإن الجزائر لا تمتلك، بحسب بلخباط، قدرة كبيرة على زيادة إنتاجها على المدى القريب، وهو ما يجعل فكرة تعويض للغاز الروسي فهي “فكرة خاطئة وغير واردة”.

وعلى هذا النحو، فإن الجزائر لن يكون بإمكانها تزويد أوروبا سوى بما التزمت تعاقدياً بتوفيره من الغاز. وفي نفس السياق، فإن تعويض الغاز الروسي يتطلب استثمارات ضخمة يجب تنفيذها على الأمد الطويل.

الأنبوب العابر للصحراء

أعادت “أزمة الطاقة” الحديث من جديد عن مشروع جزائري نيجيري قديم لنقل الغاز إلى أوروبا، يعرف باسم “الأنبوب العابر للصحراء”.

الأنبوب الذي يمر – وفق المخططات – من أدغال إفريقيا إلى القارة الأوروبية، بدأ الحديث عنه قبل 20 عاما من خلال مشروع أنبوب الغاز “نيجيريا – الجزائر”. هذا المشروع رافق تنفيذ مشروع طريق بري عابر للصحراء ينطلق من الجزائر العاصمة وصولا إلى لايغوس النيجيرية على مسافة 4600 كيلومتر.

وشهد عام 2002 توقيع الشركة الجزائرية للمحروقات سوناطراك على أول مذكرة تفاهم لتنفيذ المشروع مع شركة النفط الحكومية النيجيرية. ونصّت الاتفاقية على مد خط أنابيب من حقول الغاز جنوب نيجيريا، مرورا بدولة النيجر وصولا إلى الجزائر. وتم تقدير التكلفة الأولية للمشروع بـ 13 مليار دولار، علماً بأن المشروع يهدف إلى نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا إلى أوروبا.

ويصل طول الأنبوب على الجانب الجزائري إلى نحو 2300 كيلومتر. وتجدر الإشارة إلى أن الغاز الواصل إلى تلك شمالي الجزائر يتم نقله إلى أوروبا عبر ثلاثة أنابيب، واحدٌ منها باتجاه إيطاليا والخطان الآخران نحو إسبانيا.

تنفيذ مشروع الأنبوب العابر للصحراء تأخّر لأكثر من عقدين بسبب عدم وجود مشترين للغاز، وفق تصريحات سابقة لوزير الطاقة الجزائري الأسبق شكيب خليل عام 2007، وليس لارتفاع تكلفته.

أما الآن وقد قرعت الأزمة الأوكرانية ناقوس الخطر في دول الاتحاد الأوروبي، فإن هذا المشروع قد يحظى باهتمام وقبولٍ أكبر. لكن هذا الاهتمام لا يعني تلبية احتياجات الطاقة الأوروبية على المدى القصير، سيّما وأن هذا المشروع ما يزال في طور دراسة الجدوى للشروع بالاستثمار فيه، حسب ما صرّح به الرئيس التنفيذي لسوناطراك توفيق حكار.