تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

حكم الأقلية الطائفية دمر اقتصاد لبنان

مركبات تصطف للتزود بالوقود في بيروت - اقتصاد لبنان
مركبات تصطف للتزود بالوقود في إحدى المحطات وسط نقص حاد في الوقود في بيروت./ AFP

مات ناشد

يواجه لبنان أزمةً مصرفية غير مسبوقة أوقعت أكثر من نصف السكان في براثن الفقر، إذ تقع المسؤولية في ذلك على المسؤولين من النخب السياسية الطائفية الذين نهبوا اقتصاد البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان عام 1990.

وإلى جانب منطقة وسط بيروت المخصصة للأغنياء وأصحاب النفوذ، لم ينجز لبنان ما يذكر عدا ارتفاع الدين العام إلى ما نسبته 150% من الناتج الوطني، وهو ما يعدّ واحداً من أعلى المعدلات في العالم.

لطالما كان الفساد جلياً في لبنان. وفيما يمكن وصفه في الوقت الراهن بالأيام الخوالي، كانت الأحياء الثرية في البلاد تعاني من انقطاعٍ في الكهرباء لمدة ثلاث ساعاتٍ في اليوم قبل الأزمة المصرفية. وطوال الوقت، لم تصدر البلاد أي شيء ذي قيمة كبيرة بصرف النظر عن رأس المال البشري.

ولكن بعد فوات الأوان، كان الانفجار الداخلي متوقعاً، فقد حاول بعض الاقتصاديين تفسير سوء الإدارة والفساد في لبنان بكونهما مخططاً احتيالي خاضعاً للتنظيم الوطني، حيث يقترض مصرف لبنان المركزي الدولارات الأمريكية من المصارف الوطنية لسداد الديون المستحقة، حيث كان هذا المخطط مدعوماً بسعر صرفٍ ثابت بين الليرة اللبنانية والدولار الأمريكي، فقد تم التناوب على ربط سعر صرف الدولار الواحد بـ1500 ليرة لبنانية في الاقتصاد اللبناني لعقود.

دفعت العملة القوية ملايين اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج إلى إيداع تحويلاتهم في المصارف الوطنية، التي كانت تعتبر القطاع الأكثر أماناً في لبنان قبل عام 2019. كما تم دعم اقتصاد ما بعد الحرب الأهلية من قبل قطاع المساعدات والسياحة ودول الخليج التي ضخت مليارات الدولارات إلى مصرف لبنان المركزي. كان الحافز لقادة الخليج هو مواجهة النفوذ الإيراني المتمثل في جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية.

لكن مع تنامي قوة حزب الله سياسياً وعسكرياً في خضم الحرب السورية، بدأت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها في تقليص المساعدات إلى لبنان بشكلٍ كبير – البلد الذي باتوا ينظرون إليه بكونه نقطة مركزية إيرانية على نحوٍ متزايد.

وعلى نحوٍ تقليدي، استخدمت المملكة العربية السعودية ثروتها النفطية لفعل العكس تماماً: تمويل الجيش ومصرف لبنان المركزي لمقاومة النفوذ الإيراني، لكن مع انخفاض أسعار النفط العالمية في عام 2016، اعتقدت الرياض أن أموالهم ستذهب سدى في لبنان، ليحصل حزب الله في نهاية المطاف على موطئ قدمٍ في الجيش وقوات الأمن ويمارس حق النقض (الفيتو) عندما تعلق الأمر بالتعيينات الوزارية.

كما انخفضت التحويلات من الخارج، مما دفع المصارف الوطنية إلى تشجيع الودائع بالدولار من خلال تقديم أسعار فائدة مواتية بشكلٍ ملحوظ. جذبت هذه المعدلات العديد من اللبنانيين والأجانب لإيداع أموالهم في المصارف، مما مكّن المصرف المركزي من مواصلة اقتراض الدولارات لسداد قيمة الواردات الحيوية.

ومع ذلك، لم تكن هذه التدابير مستدامة، إذ أفلست المصارف، التي تُديرها مجموعة من الأسر السُنيّة والمسيحية ذات النفوذ، في نهاية المطاف بعد إقراض ثلاثة أرباع الودائع للحكومة، التي إما سرقت الأموال أو سددت رواتب موظفي القطاع العام الذي يشهد تضخماً والمرتبطين بالفصائل السياسية.

وبحلول عام 2019، باتت البلاد بأكملها تدرك أن لبنان على وشك الانهيار. حاولت النخبة الحاكمة فرض ضرائب على التبغ والبنزين وتطبيقات المراسلة مثل واتساب لتعويض العجز الكبير، إذ تعتبر مثل هذه التطبيقات السبيل الوحيد لبقاء العديد من اللبنانيين على تواصلٍ مع أقاربهم في الخارج، مما أدى إلى اندلاع احتجاجاتٍ واسعة في البلاد أطاحت بالحكومة.

بيد أن النخب السياسية ترفض التخلي عن السلطة، وعليه، سرعان ما شكلت حكومة جديدة. وفي الوقت نفسه، فرضت المصارف الوطنية ضوابط على رأس المال أدت فعلياً إلى تقييد وصول المواطنين إلى حساباتهم بالدولار، ومع ذلك، لم تطبق تلك الضوابط على الأغنياء وذوي النفوذ. وفي ضوء ما ذكر، يقدر مراقبون دوليون أن حوالي 17 مليار دولار سُحبت من لبنان في عام 2020، بينما يقول المسؤولون اللبنانيون إن حوالي 16 مليار دولار سُحبت في العام السابق. علاوة على ذلك، دمرت جائحة فيروس كورونا المستجد وانفجار مرفأ بيروت العائلات وسبل العيش في خضم كفاح المواطنين للبقاء على قيد الحياة. وفي أعقاب مأساة انفجار المرفأ، استقالت الحكومة مرةً أخرى.

ومع ذلك، لم يساعد الشلل السياسي في تخفيف الضرر، إذ فقدت الليرة اليوم 90% من قيمتها منذ احتجاجات أكتوبر، مما أدى إلى ابتلاع مدخرات المواطنين اللبنانيين التي تحققت بشق الأنفس فضلاً عن عدم قدرتهم بعد اليوم سحب أموالهم بالدولار.

فقد حاولت المؤسسات المالية الدولية، وعلى الأخص صندوق النقد الدولي، التعاون مع النخب السياسية اللبنانية العنيدة لإنقاذ البلاد. وفي شهر أبريل 2020، طرح صندوق النقد الدولي خطة من شأنها حماية أموال 90% من المودعين. ومع ذلك، رفض السياسيون والمصرفيون ومحافظ مصرف لبنان المركزي رياض سلامة الخطة. بل وصل الأمر إلى حد زعم بعض السياسيين أن البلاد لا تعاني من الإفلاس، بينما طالب آخرون صندوق النقد الدولي بتقليص تقديراته لخسائر لبنان.

وبحسب صندوق النقد الدولي، وصلت ديون لبنان إلى 90 مليار دولار، لكن لجنةً برلمانية شُكلت لتقصي الحقائق زعمت أن خسائر لبنان أقل من نصف هذا المبلغ. ومما زاد الطين بلة، لم يتفق المساهمون ولا حملة السندات الأجانب ولا الدولة على كيفية تقاسم الخسائر الفادحة.

وفي ظل صدمةٍ من تعنّت الطبقة السياسية، وصف البنك الدولي أزمة لبنان بـ”الكساد الاقتصادي المتعمد” وربما ثالث أسوأ أزمة مالية منذ منتصف القرن التاسع عشر بسبب تقاعس النخب السياسية.

كما كان للأزمة السياسية أيضاً تأثيرٌ مدمر على قطاع المساعدات، في كلٍ من لبنان والمنطقة، إذ وجد تحقيق أجرته مؤسسة رويترز أن أكثر من 250 مليون دولار من المساعدات الإنسانية خسرت قيمتها لصالح المصارف المحلية بسبب أسعار صرف الدولار غير المواتية. وعليه، كان اللاجئون والمواطنون الأكثر فقراً في لبنان الأكثر تضرراً، بسبب عدم قدرتهم على تحمل ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

علاوةً على ذلك، هناك أموالٌ لقلة من اليمن وسوريا والعراق تُقدر بملايين الدولارات محتجزة في المصارف اللبنانية، إذ التقى مؤخراً وفدٌ يمني برياض سلامة في يونيو لمناقشة استرداد 200 مليون دولار. وفي هذا الصدد أيضاً، قال مسؤول عراقي لصحيفة The New Arab أن ملايين الدولارات المخزنة في لبنان من “أنشطةٍ يشوبها الفساد” ما تزال بعيدة المنال عن متناول المودعين.

ومع ذلك، يتحمّل الفقراء فحسب وطأة الأزمة المتصاعدة، إذ تشهد البلاد نقصاً في الوقود، مما تسبب في إغلاق محطات الوقود وارتفاع أسعار المواد الغذائية وذلك بشكلٍ جزئي بسبب ارتفاع تكاليف الشحن. كما باتت الأدوية شحيحة أيضاً، بينما يغادر الأطباء البلاد بحثاً عن الاستقرار في مكانٍ آخر، إذ يفرض هذا النزوح ضغطاً إضافياً على قطاع الصحة المثقل بالويلات أصلاً.

وعلى الرغم من الأوضاع الصعبة، يعتقد الخبراء أن الأسوأ لم يأتِ بعد، فقد تنبأ مركز سينابس، وهو مؤسسة غير ربحية تقدم تحليلاً متعمقاً بشأن سوريا ولبنان، بأن السلع الأساسية ستصبح فوق طاقة تحمل معظم اللبنانيين خلال العام المقبل.

حتى المستوردين – الذين تهيمن عليهم الكارتلات القريبة من النخب السياسية – سيتمكنون من الوصول إلى مبلغ محدود من الدولارات من المصرف المركزي، وبحسب مركز سينابس سيؤثر نقص الوقود أيضاً على الاتصال بالإنترنت باستخدام تقنية الجيل الثالث بسبب نقص الكهرباء لتشغيل الهوائيات الخاصة بالاتصالات الخلوية.

باختصار، سيعتمد معظم اللبنانيين على المساعدات، ومع ذلك قد تحاول الطبقة السياسية التلاعب بالمنظمات غير الحكومية لدعم الوضع الراهن. على سبيل المثال، قد يطلبون من جماعات المساعدة تحويل جميع الدولارات الأمريكية من خلال مؤسساتهم المالية من أجل زيادة الإيرادات عن طريق فرض ضرائب على المعاملات الدولية. كما قد يعمدون أيضاً إلى دفع جماعات الإغاثة للقيام بأعمال تجارية مع الكارتلات القريبة من الفصائل السياسية.

قد يُسفر عن هذا جرائم عنيفة في الشوارع وصراعاتٍ أهلية في ظل انهيار التماسك الاجتماعي بسبب انتشار الفقر المدقع. وفي محاولةٍ بائسة للبقاء على قيد الحياة، قد يصبح السكان أكثر اعتماداً على الدعم الجزئي الذي تقدمه الفصائل الطائفية. في نهاية المطاف، مع ترسخ الطبقة السياسية في السلطة، من الصعب تخيل سيناريو لا ينحدر فيه لبنان إلى الجحيم.