تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

العراق: موارد كبيرة وأزمات عميقة

العراق: موارد كبيرة
عراقي يغوص في نهر شط العرب مقابل حقل نهر بن عمر النفطي في محافظة البصرة جنوب العراق في 18 يوليو / تموز 2022. حسين فالح / وكالة الصحافة الفرنسية

علي نورالدين

يتميّز العراق بحجم الإمكانات التي يملكها، والقادرة على لعب دور كبير في نهضة البلد الاقتصاديّة، سواء في ما يتعلّق بالموارد الطبيعيّة، كاحتياطات الغاز والنفط، أو الإمكانات المرتبطة بالقطاع الزراعي والموقع الإستراتيجي والديموغرافيا. ومع ذلك، من الأكيد أن البلاد فشلت في استغلال كل هذه الموارد لدعم نهضة اقتصادها، أو تحقيق الاستقرار الاجتماعي والمعيشي لأبنائها، بدلالة كل المشاكل المرتبطة بالخدمات العامّة، والقطاعات الأكثر حساسيّة. وعمليًّا، يبدو من الواضح أن عوامل كثيرة مرتبطة بهشاشة المؤسسات العامّة وضعف أطر الحوكمة، ناهيك عن سوء إدارة الموارد المتوفّرة، لعبت دورًا في الحؤول دون استفادة العراق من إمكاناته المتوفّرة، وهو ما دفع البلاد إلى الوضع الصعب الذي تعيشه اليوم.

موارد طبيعيّة ضخمة

وفقًا للتقديرات المتاحة، يمتلك العراق ما يقارب ال145 برميل من احتياطات النفط الأكيدة، وهو ما يوازي نحو 17% من إجمالي احتياطات الشرق الأوسط النفطيّة، و8% من احتياطات العالم. وبذلك، يمكن القول أن احتياطات العراق تقع في المرتبة الخامسة على مستوى العالم، من ناحية ضخامتها، فيما يُعد العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة “أوبك” بعد السعوديّة. ومن ناحية الإنتاج السنوي، ارتفعت إيرادات العراق النفطيّة من 33.92 مليار دولار خلال العام 2020، إلى ما يقارب ال75.65 مليار دولار خلال العام 2021، أي بزيادة قدرها 123%، نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالميّة. مع الإشارة إلى أنّ متوسّط سعر برميل النفط ارتفاع خلال العام الماضي –أي 2021- إلى حدود ال68.38 دولار، ما يوازي 1.78 مرّات متوسّط سعر برميل النفط خلال العام السابق، والذي لم يتجاوز حدود ال38.41 دولار للبرميل. وهذه الزيادة في سعر برميل النفط، كان من المفترض أن تمثّل دفعًا كبيرًا لاقتصاد العراق المحلّي، الذي يعتمد على إيرادات بيع النفط لتمويل 85% من إيرادات الميزانيّة العامّة.

كل ما سبق ذكره، لا يختصر الإمكانات الضخمة الموجودة لدى العراق، على مستوى الثروات الطبيعيّة. فالعراق يملك أيضًا احتياطات مؤكّدة من الغاز يقارب حجمها ال137 تريليون قدم مكعّب، وهو ما يضع العراق في المرتبة العاشرة عالميًّا من حيث حجم احتياطات الغاز المؤكّدة. مع العلم أن نسبة الأراضي العراقيّة التي لم يتم التنقيب فيها عن مكامن محتملة للغاز الطبيعي، تتجاوز ال80%، وهو ما يمثّل بحد ذاته فرصة كبيرة لاكتشاف احتياطات إضافيّة من الغاز في المستقبل. ومرّة جديدة، كان من المفترض أن يكون العراق أمام فرص اقتصاديّة كبيرة خلال الأشهر الماضية، نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار الغاز الطبيعي، بعد الحرب الأوكرانيّة.

إمكانات تجاريّة وزراعيّة وديموغرافيّة

يُضاف إلى كل هذه الثروات الطبيعيّة الضخمة، التي يملكها العراق، الإمكانات المرتبطة بموقعه الإستراتيجي، والذي يخوّله لعب دور كبير على مستوى التجارة الدوليّة. فالعراق يتوسّط جغرافيًّا كل من إيران، التي تعتبر العراق بوّابة تجاريّة لا غنى عنها باتجاه المشرق، والخليج العربي الذي يمثّل التكتّل الاقتصادي والمالي الأهم في المنطقة. كما يتوسّط بلاد الشام التي تمثّل نافذة بالغة الأهميّة باتجاه مياه البحر الأبيض المتوسّط، وتركيا التي تمثّل منفذا إستراتيجيا باتجاه الأسواق الأوروبيّة. وبذلك، يصبح من الواضح أنّ العراق يمتلك فرصة مزاوجة الإمكانات الماليّة الناتجة عن ثرواته الطبيعيّة، مع الإمكانات التجاريّة المرتبطة بموقعه، والدور الإستراتيجي الذي يمكن أن يلعبه من خلال هذا الموقع.

بالإضافة إلى كل ذلك، يمتلك العراق ما يقارب ال23 مليون دونم من الأراضي القابلة للاستثمار في الزراعة، حيث تمتاز بلاد ما بين الرافدين بخصوبة التربة والسهول الواسعة المناسبة للنشاط الزراعي. كما تمتاز هذه المنطقة بالتحديد بوفرة المياه الجوفيّة المتجددة، التي يتجاوز مخزونها الخمسة مليار متر مكعّب، يُضاف إليها مياه نهري دجلة والفرات. ولعلّ خصوبة الأرض، ووفرة مياه النهرين، هما ما سمحا على مرّ التاريخ بنشوء حضارات عظيمة في أزمنة مختلفة. وهذه الإمكانات بالتحديد هي ما يمكن أن يسمح للعراق –في حال استثمارها بشكل جيّد- بالوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي على مستوى الأمن الغذائي، ناهيك عن تطوير صادرات البلاد الزراعيّة.

أمّا أهم الإمكانات التي يملكها العراق، فهي وجود قوّة عاملة شابّة، قادرة على استثمار طاقاتها في إطار أي عمليّة نهوض اقتصادي. فأرقام مسح القوّة العاملة تشير إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة، يمثّلون نحو 64% من إجمالي السكّان. كما يمتلك العراق قطاعا أكاديميا فاعلا، قادرا على لعب دور كبير في تطوير قدرات ومهارات القوّة العاملة في البلاد.

أزمة نقص الكهرباء

رغم كل هذه الإمكانات، يعاني العراق من مشاكل وأزمات عميقة، تبدو مستغربة في بلد ينعم بثروات طبيعيّة بهذا الحجم. فرغم وفرة احتياطات النفط والغاز، لا يزال العراقيون يعانون من أزمة نقص الكهرباء، ويلجؤون إلى كهرباء المولّدات الخاصّة المكلفة لتغطية نقص “الكهرباء الوطنيّة”. مع الإشارة إلى أنّ هذه المشكلة تتفاقم تحديدًا في فصل الصيف، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى معدلات تتراوح بين 45 و50 درجة مئويّة، ما يرفع الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف. وفي الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى نحو 28 جيغاواط من الكهرباء لتغطية حاجات مواطنيه في فترات الذروة، يقتصر الإنتاج المحلّي على قيمة لا تتجاوز ال18 جيغاواط.

الملفت للنظر، هو أنّ العراق أنفق خلال الأعوام الماضية ما يفوق ال81 مليار دولار على قطاع الكهرباء، دون أن يتمكّن من التخلّص من هذه الأزمة، وهو ما يشير إلى حجم الهدر وسوء الإدارة في هذا القطاع بالتحديد. أمّا كلفة هذه الأزمة من الناحية الاقتصاديّة، فتتجاوز ال40 مليار دولار سنويًّا، نتيجة نقص الطاقة المطلوبة لتشغيل القطاعات الإنتاجيّة، وتداعيات هذا النقص على إنتاجيّة هذه القطاعات وربحيتها، بالإضافة إلى كلفة لجوء الأسر العراقيّة إلى كهرباء المولّدات الخاصّة. مع العلم أن هناك تقديرات غير رسميّة تفيد بأن هناك أكثر من 4.5 مليون مولّد خاص للكهرباء تعمل في جميع أنحاء العراق، للتعويض عن انقطاع “الكهرباء الوطنيّة”، ما يعني وجود مولّد كهرباء واحد لكل تسعة أشخاص في العراق.

أسباب أزمة الكهرباء

عمليًّا، تتنوّع أسباب أزمة الكهرباء في القطاع، رغم ارتباط جميع هذه الأسباب بمسألة سوء إدارة المؤسسات العامّة والهدر وضعف أطر الحوكمة. فرغم وفرة احتياطات الغاز في العراق، مازال العراق عاجزًا عن تأمين ما يكفي من مصافي ومعامل لإنتاج الغاز الطبيعي الذي يحتاجه لتشغيل القطاع الكهرباء، وهو ما يدفعه للاعتماد على دول الجوار لتأمين الغاز لمعامل الكهرباء. وخلال الفترة الماضية، تراكمت الديون المتوجبة على العراق نتيجة استيراد شحنات الغاز من إيران، لتشغيل قطاع الكهرباء، فيما قامت بإيران بتخفيض كميات الغاز المصدّر إلى العراق لهذا السبب، حتى بعد تسديد الديون المتأخرة. وفي النتيجة، عانى قطاع الكهرباء من تراجع واردات الغاز من إيران.

أمّا المفارقة الأساسيّة، فهي أنّ العراق، وفي مقابل الغاز الذي يستورده من إيران، يلجأ إلى حرق كميات ضخمة من الغاز الذي ينبعث من حقول النفط، خلال عمليّات استخراج النفط، لعدم امتلاك العراق المنشآت اللازمة لمعالجة الغاز الطبيعي أو ضخّه أو تسييله. مع العلم أن كميات الغاز التي يتم هدرها سنويًّا بهذه الطريقة تكفي لتأمين الكهرباء لأكثر من ثلاثة ملايين أسرة في العراق، فيما تعاني في الوقت الراهن الأسر العراقيّة من نقص الغاز المطلوب لإنتاج الكهرباء. بمعنى أوضح، مثّل سوء إدارة قطاع النفط والغاز السبب الأساسي لتردي ظروف قطاع الكهرباء، وهو ما يدفع ثمنه اليوم عموم الشعب العراقي.

بالإضافة إلى ذلك، ثمّة أسباب أخرى لأزمة قطاع الكهرباء، منها التخريب المتعمّد الذي لحق ببنية القطاع التحتيّة، المخصصة لنقل الكهرباء عبر المناطق. وبمعزل عن هذه العمليات التخريبيّة، تعاني البنية التحتيّة أساسًا من نقص في خطوط الإمداد الكهربائيّة الإستراتيجيّة التي تربط بين المحافظات، وهو ما يؤدّي في العادة إلى خلق نقص في الإمداد الكهربائي إلى بعض المناطق، حتّى في حال توفّر معدلات الإنتاج المطلوبة. كما يُضاف إلى كل هذه المشاكل، أزمة نقص الطاقة الإنتاجيّة للمعامل الموجودة، وهو ما تحاول السلطات العراقية التعويض عنه حاليًّا باستجرار الغاز من دول الخليج.

أزمات المياه والغذاء

تتنوّع الأزمات الأخرى التي تطال كل جوانب الحياة في العراق، والتي تتصل بدورها بسوء التخطيط والإدارة العامّة. أبرز هذه الأزمات يتمثّل اليوم في شح المياه، وهو ما بات ينعكس في انخفاض القدرة الإنتاجيّة للقطاع الزراعي إلى حدود النصف. وهذه الأزمة نتجت أساسًا من عدم توفّر الاستثمارات اللازمة لاستخراج المياه الجوفيّة بالكميات المطلوبة، بالإضافة إلى تراجع منسوب مياه نهري دجلة والفرات، وعدم القيام بأي جهد لتخزين مياه الأمطار للاستفادة منها في عمليّات الري. تجدر الإشارة إلى أن هذه المشكلة بالتحديد أدّت إلى تهجير نسبة كبيرة من الفلاحين من أراضيهم، نتيجة فقدانهم الموارد المائيّة المطلوبة للاستمرار بعملهم، وهو ما ساهم بدوره برفع معدلات البطالة التي تجاوزت اليوم نسبة ال14% بحسب إحصاءات وزارة التخطيط.

النتيجة الطبيعيّة لتراجع المساحات المزروعة، كانت فقدان الاكتفاء الذاتي على مستوى حاجات البلاد الغذائيّة. فالصناعات الغذائيّة العراقيّة، لم تعد تغطي اليوم سوى 1% من حاجات السوق، وهو ما يمثّل نسبة منخفضة جدًّا بالنسبة إلى بلد تمتلك مساحات زراعيّة شاسعة كالعراق. ومع اعتماد البلاد على السلع المستوردة لتأمين حاجاتها، كان من الطبيعي أن يتعرّض الأمن الغذائي العراقي لخطر كبير مع انطلاق الحرب الأوكرانيّة، وما رافقها من ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائيّة في الأسواق العالميّة، وتهديد لسلاسل توريدها. مع الإشارة إلى أنّ تداعيات هذه الأزمة على العراق، من ناحية ارتفاع أسعار السلع الغذائيّة المستوردة، أثّرت على قدرة معظم الأسر العراقيّة على تأمين أبسط حاجاتها الغذائيّة.

في النتيجة، يبدو من الواضح أنّ ثمّة جانبا أساسيا من مشكلة العراق يكمن في كفاءة نظامه السياسي، وقدرة الدولة على استخدام مواردها بالطريقة المثلى. فوجود كل هذه الموارد والإمكانات الضخمة، في مقابل كل هذه الأزمات العميقة، لا يدل إلّا على فشل كبير في التخطيط والإدارة العامّة، وهو ما يُعنى بدور السلطة في بناء الاقتصاد المحلّي وحمايته. وكل هذا الحديث، يقودنا للبحث في المشاكل السياسيّة التي يعاني منها العراق، لجهة الانقسامات الطائفيّة والتدخلات الخارجيّة، والخلافات السياسيّة التي تنعكس دائمًا على شكل شلل في عمل المؤسسات الدستوريّة، واضطراب أمني دائم.