تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

سوريا، تزايد خطر التوترات مع ارتفاع تكاليف المعيشة

دمشق سوريا
صورة للرئيس السوري بشار الأسد تزين سوق البزورية بالبلدة القديمة في العاصمة السورية دمشق، في 12 شباط 2020. Photo: LOUAI BESHARA / AFP

صوفيا أكرم

بعد ما يقرب من عقدٍ من الحرب في سوريا، يعاني 9,3 مليون نسمة في البلاد من انعدام الأمن الغذائي، فقد أدت موجات النزوح الجديدة في الجزء الأول من العام الماضي إلى تقليص الإنتاج الزراعي إضافةً إلى الظروف الاقتصادية غير المستقرة حالياً في البلاد، كما أسفرت القيود المفروضة بسبب جائحة فيروس كورونا والشتاء القاسي عن تفاقم أوضاع وتكلفة ونوعية المعيشة، سوءاً. علاوةً على ذلك، ساهمت تكتيكات الأرض المحروقة التي اتبعها النظام وعملية صنع القرار المالي العام في اليأس الاقتصادي والاجتماعي الذي يواجهه السوريون وأدت، بحسب ما ورد، إلى توتراتٍ لربما تحمل في طياتها بعضاً من عدم الاستقرار في سوريا.

فقد بات نقص الغذاء سُنّة الحياة في العديد من المناطق في سوريا لبعض الوقت، ومع وجود طوابير طويلة خارج المخابز ومحطات الوقود، تقول التقارير إن بعض الأشخاص انتظروا ما لا يقل عن ست ساعات في كل مرة للحصول على السلع الأساسية.

من المحتمل أن تختلف تكلفة المعيشة حسب المنطقة، لكن تم الإبلاغ عن زياداتٍ شهرية في دمشق، حيث أعلن نظام الأسد زيادة بنسبة 100% في سعر الخبز في المنطقة التي يسيطر عليها في أكتوبر الماضي. وفي غضون ذلك، وبحسب مؤشر قاسيون، بلغت الزيادة الوطنية ما نسبته 192% على مدار العام الماضي، من 380 ألف ليرة سورية إلى 732 ألف ليرة سورية، بيد أن متوسط الدخل السوري يبلغ نحو 33 ألف ليرة سورية بحسب تقارير عام 2020، أي أقل بثلاث أضعاف من متوسط تكلفة الاحتياجات الغذائية الأساسية لأسرة مكونة من خمسة أفراد في دمشق.

ومن الجدير بالذكر أن عوامل مختلفة ساهمت في تعثر الاقتصاد، بما في ذلك الميزانية التضخمية، وإعطاء الأولوية للدفاع العسكري على حساب الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع البطالة، والمسار القاتم للحرب، كما كان للوضع الاقتصادي في لبنان تأثيرٌ على السوريين أيضاً الذين خسروا مدخراتهم في البنوك اللبنانية.

علاوةً على ذلك، تفاقم انعدام الأمن الغذائي بشكلٍ مباشر أيضاً بسبب التكتيكات الحربية مثل استهداف المحاصيل في إدلب وحلب – وفقاً لوسائل الإعلام التركية – بهجمات بقذائف الهاون في محاولة لتجويع السكان.

وقبل الجفاف الذي ضرب البلاد في عام 2008، كان القمح وفيراً إلا أن سوريا أصبحت مستورداً للقمح منذ بدء الحرب، مما دفعها للجوء إلى روسيا، التي عرضت تقديم الحبوب من خلال خط ائتمان مقابل الوصول إلى مناجم النفط والفوسفات.

ومع ذلك، ما تزال هناك حاجةٌ للواردات، إلا أن صادرات القمح الروسي تراجعت اليوم. بالإضافة إلى ذلك، أعاقت العقوبات الأمريكية التجارة مما أثر على الإمدادات المحلية خلال جائحة كورونا، كما أعاقت القيود التي فرضتها الجائحة توزيع المساعدات ودفعت المدنيين إلى اتخاذ إجراءات يائسة.

وبحلول 31 ديسمبر 2020، كان هناك 20,300 حالة مؤكدة للإصابة بفيروس كورونا، بزيادة قدرها 50% من 18 نوفمبر إلى 21 ديسمبر 2020 ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع نسب الفحوصات وارتفاع معدلات الإصابة. وعلى الرغم من أن أرقام موقع وورلد ميترز تذكر أن الحالات المؤكدة في 7 فبراير 2021 وصلت إلى 14,408 حالة، إلا أن الحجم الكبير من الحالات في ظل نظام رعاية صحي مستنفد قد ترك المرافق مزدحمة، لا سيما في شمال غرب سوريا.

وعلاوةً على ذلك، أعيق وصول المساعدات الإنسانية في بيئة الصراع التي تزخر بالتحديات بالفعل بسبب إغلاق المعابر الحدودية المهمة، مما حرم الناس من المؤن الأساسية بما في ذلك الإمدادات الغذائية والطبية.

سوريا إدلب
أشخاص يشترون المعجنات في أحد شوارع أسواق مدينة أريحا الواقعة في الريف الجنوبي لمحافظة إدلب السورية، في 15 مايو 2020. Photo: OMAR HAJ KADOUR / AFP

وفي هذا الصدد، قال تشارلز لولي، رئيس التواصل والمناصرة في منظمة إغاثة سوريا، “من الصعب للغاية الاستجابة في أي مكانٍ يشهد صراعاً،” وأضاف “في تاريخ المساعدات الإنسانية، الأزمة السورية هي الأكثر صعوبة في الاستجابة،” إذ كان عمال الإغاثة في الماضي يعاملون كأهداف عسكرية مشروعة. فقد كانت الطريقة الوحيدة للاستجابة من خلال الشركاء الإنسانيين المحليين، ومع ذلك، يقول لولي إن المنظمة فقدت الكثيرين في الصراع.

وبالإضافة إلى التأثير المباشر للجوع، يقول لولي إن أزمة الغذاء أدت إلى ظهور آليات مواجهة سلبية، مثل تسرب الأطفال من المدارس، مما قد يعني عمالة الأطفال أو الزواج المبكر، كما تلجأ العائلات أيضاً إلى بيع ممتلكاتها مثل الثلاجات أو السيارات لشراء الطعام ويخرج البعض منهم للتسول.

ويُضيف لولي إن الأمهات اللواتي لديهن أطفال حديثي الولادة لا يتناولنّ وجباتهن بشكلٍ روتيني مما يعني أيضاً أن الأطفال قد فقدوا العناصر الغذائية الأساسية المبكرة التي يمكن أن تؤثر عليهم لاحقاً، وخاصة بالنسبة للأطفال الذين قضوا أجزاء كبيرة من حياتهم تحت الحصار.

إجمالاً، ينتشر في سوريا اليوم، بشكلٍ متزايد، أنشطة السوق السوداء، وعمليات اختطاف ونهب واسعة النطاق، فضلاً عن التربح من الحرب.

كما أدى ارتفاع تكلفة المعيشة إلى إحباطٍ عام تمثل بانتشار منشوراتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المظاهرات، حيث اندلعت الاحتجاجات لأسباب مختلفة في سوريا، لكن تقرير سوريا يشير إلى أنه كان هناك عدد محدود من مظاهر الاستياء من تدهور الظروف المعيشية، ومع ذلك لم يتم معالجة القضايا التي أشعلت فتيل الصراع الأهلي.

وفي هذا الشأن، تقول كارولين بروكس، مديرة برنامج سوريا في منظمة إنترناشونال إليرت غير الحكومية لبناء السلام، إن ندرة الموارد في البلاد وارتفاع تكاليف المعيشة والظروف العامة للمشقة تفرض ضغوطاً متزايدة على الظروف الصعبة بالفعل ويمكن أن تسهم في تصاعد التوترات.

وعلى حد تعبير بروكس لنا في فَنَك: “إن معالجة المخاوف والديناميكيات الاقتصادية أمرٌ بالغ الأهمية لبناء السلام في سوريا على المدى الطويل.”

وأضافت، “في الوقت الراهن، نفتقر للظروف الملائمة لتحقيق التنمية الاقتصادية الفعالة والشاملة والانتعاش على المستوى الكلي، كما أن القدرة على العمل وفقاً لأفضل الممارسات والمعايير مقيدة بشدة بالبيئة السياسية والأمنية.”

يُشكل انعدام الأمن الغذائي، أولاً وأخيراً، خطراً على الأمن القومي. وعليه، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2018 القرار رقم 2417 الذي يدين استخدام التجويع كأداة للحرب ويكرر الحاجة إلى ضمان حصول المدنيين على الغذاء أثناء النزاع.

ولإخراج سوريا من الأزمة الحالية، تروج المنظمات لحلولٍ إضافية، إلا أنه ينبغي زيادة الأجور الحالية الإجمالية بنسبة 420% لتلبية الأسعار الحالية، بحسب كلية لندن للاقتصاد (LSE). قد يعني هذا 500 مليار ليرة سورية إضافية كل شهر للعاملين في القطاع العام، بيد أن دفع 6 تريليون ليرة سورية غير مدرج حالياً ضمن الميزانية العامة البالغة 4000 مليار ليرة سورية.

من جهتها، اقترحت مجموعة الأزمات الدولية في الماضي مقايضة العقوبات التي تهدف إلى اكتساب القدرة على فرض نفوذٍ على النظام أو “نهج قائم على الحوافز الإضافية،” الذي يتضمن تخفيفاً بطيئاً للعقوبات مقابل إعادة الإعمار المرحلي كحافزٍ للإصلاحات السياسية.

هناك حاجة أيضاً إلى إعادة التفكير في الاستجابة الإنسانية لتغطية الاحتياجات الأساسية التي يمكن أن تكون الأساس لاقتصاد شامل ومنتج تحكمه مؤسسات عادلة لضمان التأثير الإنساني المستدام. إن تصميم مثل هذا الحل “يجب أن يتم تنفيذه بشكل تدريجي ويشمل السوريين من جميع الخلفيات… لجعله جزءاً من سلام قابل للحياة،” بحسب كلية لندن للاقتصاد.

وتقول بروكس أيضاً أنه كان هناك جهودٌ على المستوى المحلي لبرامج وأنشطة كسب العيش من أجل التعافي الاقتصادي على نطاق صغير، التي تضمنت إدماج التماسك الاجتماعي وبناء السلام في بعض الأحيان ضمن البرامج. ومع ذلك، من الصعب قياس تأثير هذه الجهود، كما أن توسيع البرامج خارج المجتمع المباشر يمثل تحدياً أيضاً.

تعد التداعيات في المناطق المتضررة على نحوٍ خاص في الشمال الغربي أو الشمال الشرقي، مثل إدلب التي يُسيطر عليها المتمردون، تداعياتٍ صارخة، والذي من المحتمل أن يحولها إلى نموذجٍ عن قطاع غزة وبالتالي عدم اعتراف أي حكومات بها. وبحسب لولي، فإن الفقر سينتشر، وفي أسوأ السيناريوهات، سيستولي النظام على إدلب مما قد يؤدي إلى تداعياتٍ إنسانية أكبر.

أما السيناريو الأفضل، كما يقول لولي، فيتمثل في أخذ اللجنة الدستورية السورية المفوضة من قبل الأمم المتحدة على محمل الجد من قبل جميع أطراف تسوية الصراع، والذي يبدو في هذه المرحلة احتمالاً بعيد المنال.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles