وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

برنامج الدعم يساعد مزارعي الزيتون في حاصبيّا على التكيف وسط الأزمة

بدأ مزارعو الزيتون في حاصبيا يتخلّون عن تمسّكهم بأساليبهم القديمة بمساعدة المنظمات غير الحكومية.

شجرة زيتون عمرها أكثر من 4000 سنة
شجرة زيتون عمرها أكثر من 4000 سنة في حاصبيا. تصوير ماغي غالي

ماغي غالي

في قرية حاصبيّا الهادئة في جنوب لبنان، كُرّست الأراضي الواقعة على سفوح جبل الشيخ لزراعة أشجار الزيتون التي يرجع تاريخ بعضها إلى أكثر من أربعة آلاف عام.

لطالما كان زيت الزيتون شريان الحياة للمنطقة منذ العصور الفينيقية القديمة. إلا أن لبنان عادةً ما يُغفل عنه في الوقت الحاضر في سوق زيت الزيتون العالمي نتيجةً للممارسات البالية ونقص البنية التحتية الصناعية بسبب التاريخ المضطرب لهذا البلد الصغير.

تغطي أشجار الزيتون تلال حاصبيا.
تغطي أشجار الزيتون تلال حاصبيا. تصوير ماغي غالي

تقع حاصبيا على ارتفاع 800 متر فوق مستوى سطح البحر، وتضمّ 12 ألف مرزعة زيتون و15 معصرة، وهي الآن في منتصف موسم الحصاد. تعمل المعاصر على مدار الساعة، ويقطف المزارعون ما بين 400 إلى 800 كغم من الزيتون يومياً.

زراعة الزيتون وعصره عمل عائلي، إذ ينقل كل جيل المعرفة إلى الجيل التالي. ويساهم الأطفال في رعاية الأشجار حتى يكبروا ويرثوا أرضهم. وتساعد النساء على فرز الزيتون المقطوف وإحضار الزيتون للأكل. أما بقية المحصول، فيُأخذ إلى المعصرة ليتحول إلى “ذهب سائل”.

نبيل بدوي مُزارع زيتون اعتنت عائلته ببساتينها العديدة على مدى عدة أجيال. قال لفنك: “الأرض فيها روح وقوة، فحياتنا كلها مرتبطة بها منذ زمن أجدادي، وهي مصدر الرزق الرئيسي لجميع أهل حاصبيا. وأشجار الزيتون ورعايتها هي شراكة رائعة”.

وأضاف: “إنها تمنحنا أكثر مما تأخذ، وهي قادرة على الصمود أمام الزمن والتغيير. فهي لا تحتاج إلى رعاية كبيرة كأشجار الفاكهة الأخرى”.

أدى الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019 وما تلاه من أزمات إلى تدهور قطاع الزراعة. وصار كثير من الناس يعتمدون الآن على العملة الصعبة لتعويض انهيار قيمة الليرة اللبنانية الذي تخطى نسبة 90%، لكن ما يزال من الصعب تأمين دخل بالدولار.

الأحداث الخلفية

شرائط مرتبطة بأشجار الزيتون
غالبًا ما يربط القرويون رغباتهم بشرائط بأقدم الأشجار التي تعتبر مقدسة. تصوير ماغي غالي

نظراً إلى أن غالبية مزراعي الزيتون في لبنان ما يزالون يستخدمون الأساليب التقليدية التي غالباً ما تفتقر إلى الكفاءة، فإن أولئك العاجزون عن تبنّي المعايير الحديثة صاروا يعانون في سوق يعتمد على التصدير إلى الخارج. لذلك بدأ مزارعو الزيتون في حاصبيا يتخلّون عن تمسّكهم بأساليبهم القديمة بمساعدة المنظمات غير الحكومية.

قال بدوي: “المنطقة بحاجة إلى هذه المساعدة. لقد اتّبعت حاصبيا الأساليب نفسها لعقود طويلة من دون تغيير ملحوظ لأنها منعزلة قليلاً، وعلينا أن نقدّر المعارف الحديثة. بعض المزارعين غير مقتنعين بذلك، ويرون أن ممارساتهم التقليدية أفضل لأنها صمدت آلاف السنين. لكن كل شيء يمكن تحسينه”.

 وأضاف: “نتطلّع إلى التصدير وتحسين أساليبنا لإنتاج زيت زيتون أفضل وتقديم خير رعاية للأشجار كي يزيد إنتاجها في المستقبل. التقاليد جيدة، ولكن هناك مجال للتطوير دائماً، ويجب استغلاله لتحسين منتجاتنا، خاصةً في الظروف الحالية. فمن لن يتأقلم عليها، لن ينجو من الأزمة التي نعانيها”.

بدوي واحد ضمن أكثر من مائة مزارع زيتون في حاصبيا تلقّوا دعماً وورش عمل لبناء القدرات من مشروع DOT-Olive الذي نفّذته منظمة “شيلم” CELIM الإيطالية غير الحكومية بالشراكة مع الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي ومؤسسة الخليل.

المشروع

زيت زيتون مضغوط حديثًا يخرج من المعصرة
زيت زيتون مضغوط حديثًا يخرج من المعصرة، وجاهز للتخزين. تصوير ماغي غالي

يسعى المشروع إلى تحسين جودة زيت الزيتون في حاصبيا من خلال تطبيق أساليب أفضل في المزارع والمعاصر. وهذا سيسهّل التسويق لزيت الزيتون في الخارج ويجعل الإنتاج منتظماً، ما يمكّن المزارعين من تصدير إنتاجهم مقابل دولارت هم في أمسّ الحاجة إليها. كما أنه يزيد من كفاءة الإنتاج ويقلل التكاليف غير الضرورية الموجودة في الأساليب التقليدية.

قال مزارع الزيتون رامي حمد، الذي يعمل مع والده في عدة مزارع، لفنك: “كان مزارعو الزيتون يستخدمون العصيّ لضرب الأغصان وإسقاط الزيتون ثم قطفه من الأرض. لكن هذا كله يتغيّر الآن. وكان المزارعون يقولون إن الأشجار تثمر كل عامين فقط، لكن المنظمة غير الحكومية علّمتنا أن السبب هو أن العصيّ تضرّ الأشجار”.

وأضاف: “العصيّ تكسر البراعم والأغصان الصغيرة التي تنتج محصول العام التالي، ما يعني أننا نخسر محصول تلك السنة. أما الآن، فنحن سنحصد الزيتون كل عام لأننا غيّرنا أساليبنا القديمة وتعلّمنا أخرى جديدة. والأشجار تتعافى وننتظر حصاداً آخر العام المقبل”.

باستخدام آلات الحصاد الميكانيكية التي تؤجّرها منظمة “شيلم” بتكلفة زهيدة تبلغ 60 ألف ليرة (1.5 دولار أمريكي) في اليوم، قلّل المزارعون من الوقت اللازم لقطف الزيتون بمقدار الثلثين، وخفّضوا عدد العمال.

التحديات المناخية والاقتصادية

تساعد النساء في انتقاء أوراق الشجر والزيتون الفاسد
تساعد النساء في انتقاء أوراق الشجر والزيتون الفاسد من الزيتون المجمع. تصوير ماغي غالي

وقال حمد إن التغيّر المناخي قد نقل موسم حصاد الزيتون من ديسمبر ويناير إلى أكتوبر ونوفمبر خلال الثلاثين عاماً الماضية تقريباً. وجدير بالذكر أن الأمطار كانت شحيحة خلال أشهر الصيف منذ 2016، ما يعني أن المزارعين بحاجة إلى سقاية الأشجار خلال فترات الجفاف لضمان وفرة الزيتون وجودته.

بالإضافة إلى ذلك، تأثّر ضخ المياه نتيجة لأزمة لبنان السياسية وانعدام سلطة الدولة. فقد شهد هذا العام نقصاً هائلاً في المياه في جميع أنحاء البلاد، لا سيما المناطق الريفية. وبإضافة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، صارت المولدات الكهربائية تكلّف مبالغ طائلة. وهذه التكاليف عبء يجب على المزارعين أن يتحمّلوه قبل جني أي أرباح من زيت الزيتون في نهاية العام.

قال حمد: “لحسن الحظ، يوجد نهران في حاصبيا، وكلاهما قريب من المزارع، لكن الأمر ما يزال صعباً. فنحن نحتاج إلى مضخات لضخ الماء فوق قمة الجبل حتى تصل كمية كافية منه إلى الجانب الآخر. لذلك نحتاج إلى مولّدات كهربائية، وتكلفة الديزل باهظة.” وأضاف: “الأشجار الكبيرة لا تحتاج إلى ماء كثير لأن جذورها عميقة، ولكن هذا سيجعل الأشجار تنتج ثمار زيتون أصغر أو أقل جودة، أو قد تنتج ثماراً أقل إذا لم تحصل على ماء كافٍ في أشهر الصيف”.

وأوضح: “وكذلك ارتفعت تكاليف حصاد الزيتون جرّاء الأزمة. فقد ازدادت أجور العمّال، وأسعار وقود الشاحنات، والطعام الذي نتناوله طوال يوم الحصاد. وكذلك صارت الأسعار في معاصر الزيتون بسبب الوقود، أو حتى الصناديق البلاستيكية المستخدمة في نقل الزيتون”.

لذلك صار المزارعون يسعّرون الزيت بالدولار أو بسعر السوق لتعويض ارتفاع الأسعار في كل شيء، محاولين تقديم أسعار معقولة للمستهلكين اللبنانيين الذين يكسبون أجورهم بالليرة والحفاظ في الوقت نفسه على مصدر رزقهم. يبلغ سعر الوعاء سعة 16 لتراً نحو 100 دولار حالياً، ويربح المزارعون منه 30 دولاراً فقط، لكن ما يزال الكثيرون عاجزين عن تحمل تكلفته.

لذلك اضطُر بعض المزارعين العاجزين عن تحمّل تكاليف الحصاد ومعاصر الزيتون إلى إنهاء الموسم مبكراً وعصر كميات صغيرة من الزيتون. وأوضح حمد أن بعض المزارعين خفّضوا التكاليف بتجنّب استخدام مبيدات الحشائش أو المبيدات الحشرية المستوردة، ما أدى إلى انتشار ذباب الفاكهة ونقص المحصول لأن الحشائش تنافس الأشجار على مصادر المياه.

الطرق القديمة مقابل الطرق الجديدة

رجل يستخدم آلة الحصاد الإلكترونية في قطف الزيتون
رجل يستخدم آلة الحصاد الإلكترونية في قطف الزيتون بدلاً من ضرب الشجرة بالعصي. تصوير ماغي غالي

تعتمد جودة زيت الزيتون على عدة عوامل، من نوع التربة التي تنمو فيها الشجرة إلى الأوعية التي يُنقل فيها الزيتون إلى المعصرة. لذلك توفّر “شيلم” حاويات بلاستيكية مثقبة لنقل الزيتون بدلاً من الأكياس البلاستيكية التي تفتقر إلى الأكسجين وترفع درجة حرارة الزيتون، ما يجعله أكثر حمضية ويقلل من جودته.

ما تزال المعاصر الحجرية التقليدية مستخدمة في حاصبيا، لكن “شيلم” تشجع المزارعين على استخدام المكابس الأوتوماتيكية الحديثة لتنظيم عملية الإنتاج وتوحيد جودة زيت الزيتون.

مشكلة أخرى هي النفايات السائلة الناتجة عن عملية العصر التي عادة ما يرميها المزارعون في نهر الحاصباني القريب، مما يؤدي إلى تلويثها.

قالت رباب عواد، مسؤولة مشروع “شيلم”، لفنك: “تُوجد ثلاث عوامل تؤثر على الزيت في المعاصر التقليدية: الضوء والأكسجين ودرجة الحرارة. أما المكابس الأوتوماتيكية، فهي مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ ومحكمة الغلق، لذلك لا يتأثر الزيت سلباً بتلك العوامل. كما تُصنع المكابس من معدن غير تفاعلي يمكن تعقيمه جيداً”.

وأضافت: “نحاول أيضاً تقليل الضرر البيئي على نهر الحاصباني من حيث النفايات السائلة القادمة من المعاصر التقليدية. إذ نطلب من المزارعين استخدامها في التسميد بدلاً من الروث أو شراء الأسمدة الباهظة التي لا تحتاج إليها بعض المزارع لان تربتها غنية بالفعل بالنيتروجين والفوسفات. كما أنها تقضي على الحشائش الضارة بشكل طبيعي، ما يجعلها حلاً مثالياً للمزارعين”.

تعبئة زيت الزيتون
أول محطة تعبئة في حاصبيا. تصوير ماغي غالي

الخطوة الأخيرة في توحيد معايير إنتاج الزيت وتعزيز قابليته للتسويق هي التعبئة. وقد افتتحت مبادرة Dot-Olive مؤخراً محطة تعبئة في حاصبيا وأنتجت زيت زيتون بكر ممتاز تحت علامة “ماونت هرمون” التجارية التي تقوم بتعتيق وتعبئة الزيت الذي ينتجه المزارعون المشاركون في البرنامج. كما يمكن للمزارعين غير المشاركين استخدام محطة التعبئة مقابل رسوم رمزية للتعتيق أو التعبئة للاستفادة من عملية الإنتاج المنظم.

وبدلاً من تعبئة الزيتون في أوعية معدنية سعة 16 لتراً، تستخدم العلامة التجارية زجاجات وعبوات زجاجية صغيرة ليسهل تصديرها وتُتاح للعملاء بأسعار معقولة.

شهادتا التجارة العادلة والعضوية، بالإضافة إلى إمكانية التتبع الكامل للزيت، تعني أن المزارع سيكسب أكثر من الزيت الذي ينتجه. وقد بدؤوا بالفعل في تصدير المنتج نيابةً عن المزارعين إلى إفريقيا، ويعتزمون التوسع أكثر.

مرونة مثل أشجار الزيتون

مزارع الزيتون نبيل بدوي
مزارع الزيتون نبيل بدوي. تصوير ماغي غالي

كانت أزمات لبنان تمثل تحدياً أمام المزارعين، لكن ما يزال الكثيرون يأملون أن يصمدوا في وجه العاصفة من خلال التكيف مع الظروف الحالية. وقد أكّد حمد على ان مزارعي الزيتون لن يتنازلوا عن أراضيهم أو يغيّروا مهنتهم مهما كان الوضع صعباً.

وقال حمد: “صحيح أن أصحاب الأراضي الذين يعيشون في الخارج ولا يجدون من يرعاها قد باعوا أراضيهم. لكن هذا مستحيل على من يعيشون هنا ويعملون في الأرض، سيكون ذلك صعباً للغاية”. وأضاف: “نحن نعمل طوال العام، لا أشهر الحصاد فحسب. فالأشجار بحاجة إلى التقليم والتربة إلى التقليب، ويجب إزالة الحشائش. هذه ليست أول مرة يواجه فيها لبنان الأزمات. ونحن بداخلنا حب كبير لأرضنا”.