فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / مصر / وُجوه / الشيخ القرضاوي: الطيب، الشرس والقبيح

الشيخ القرضاوي: الطيب، الشرس والقبيح

Egypt- Yusuf al-Qardawi
الشيخ يوسف القرضاوي. Photo AFP ©AFP

يعتبر الشيخ يوسف القرضاوي أحد أكثر علماء السُنة احتراماً في العالم العربي. وباعتباره مؤلف أكثر من 100 كتاب، يعتبره أتباعه صوتاً موثوقاً ومعتدلاً في المنطقة لمناصرته الديمقراطية وإدانته الهجمات الإرهابية الكبرى في مختلف أنحاء العالم.

ولكن بنظرة أكثر تعمقاً، تجد أنّ سياساته طائفية إلى حدٍ كبير، مما يجعله شخصية غير مريحة ومثيرة للانقسام لدى الحكومات الغربية والمحللين الإقليميين.

ولد القرضاوي عام 1926 في إحدى محافظات دلتا النيل في مصر، حيث يدعيّ حفظه للقرآن بالكامل في سن التاسعة. وبعد أقل من عقدين من الزمان، حصل على شهادةٍ من جامعة الأزهر الشريف، أقدم وأبرز مؤسسة في الإسلام السُني.

وكحال الإصلاحيين من قبله، أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، اجتذب القرضاوي أعداداً كبيرة من الأتباع من خلال التوفيق بين الممارسات الإسلامية والعالم الحديث. ولكن بدلاً من الوعظ من أجل “الإصلاح الإسلامي،” يُصر القرضاوي على أن القرآن الكريم يحمل جميع الأجوبة لأهم الأسئلة التي تطرح اليوم.

يتماشى موقفه مع الإخوان المسلمين– الحركة التي ألهمها وينتمي إليها- مما يجعله عدواً للدكتاتوريين العرب. فلطالما كانت جماعة الإخوان المسلمين شوكةً في حلق القادة القمعيين، الذين يخشون أن القاعدة الشعبية الكبيرة للجماعة ومواردها الضخمة تشكل تهديداً مباشراً لحكمهم.

وعليه، لم تكن مصر استثناءً قط، فقد اعتقل الملك فاروق القرضاوي بدايةَ عام 1949، ليُعتقل بعدها ثلاث مرات على يد الرئيس المصري الثاني المحبوب، جمال عبد الناصر، الذي سحب أيضاً الجنسية المصرية من القرضاوي.

وبحلول عام 1961، غادر القرضاوي إلى قطر حيث عمل كسفيرٍ، نوعاً ما، للدولة الخليجية الصغيرة. وبعد 6 سنوات، شهدت جماعة الإخوان المسلمين انتعاشاً في مصر في أعقاب إنتصار إسرائيل المدمرفي حرب 1967. ونتيجةً لذلك، حُمل نعش القومية العربية، مما مهد الطريق أمام شخصياتٍ كالقرضاوي لتوجيه الشباب المحرومين في المنطقة. وقال الدكتور عزام سلطان التميمي، وهو مؤيدٌ لجماعة الإخوان المسلمين ومؤسس قناة الحوار الفضائية، أنه تأثر بشكلٍ كبير بتعاليم القرضاوي.

فقد أخبرنا في فَنَك “ما جعل القرضاوي يحظى بشعبيةٍ كبيرة بين أبناء جيلي هو بساطة واعتدال خطابه.” وأضاف “يسعى إلى ربط الإسلام بحياة الناس والإجابة عن الأسئلة الصعبة بشكلٍ مستقل عن أي سلطة سياسية.”

ساعدت قطر القرضاوي على التواصل مع أجيال شباب المسلمين. ولعقدين من الزمان، تألق عبر برنامجه الشريعة والحياة الذي بث على قناة الجزيرة المملوكة للدولة القطرية. يُبث البرنامج ليلة الأحد ويصل عدد مشاهداته إلى حوالي 60 مليون مشاهدة، كما أنه رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مما يمنحه الأهلية للوصول إلى ملايين الأشخاص.

ويقول أبو هنية، وهو خبير أردني ألف العديد من الكتب عن الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط “يؤيد القرضاوي مزج السياسة مع الدين تماماً كما هو حال قطر. وعموماً، تتداخل وجهات نظره مع السلطات القطرية، مما يُفسر سبب إرساء علاقاتٍ قوية ومفيدة للطرفين بين بعضهم البعض.”

فدعوة القرضاوي إلى الحرية والديمقراطية كان لها صدى كبير لدى الشباب مع بداية الربيع العربي. وبعدها فقط، أي بعد أسابيع من الإطاحة بنظام حسني مبارك في يناير 2011، عاد القرضاوي إلى مصر بعد أن قضى 50 عاماً في المنفى. وفي 18 فبراير 2011، ألقى خطاباً أمام الملايين في ميدان التحرير.

“لا تحاربوا التاريخ،” قال القرضاوي محذراً الدكتاتوريين الذين كانوا يشنون حملةً وحشية على المتظاهرين في جميع أنحاء العالم العربي، “فلا يمكن تأخير اليوم المحتوم، وقد تغير العالم العربي.”

بالفعل، تغيرت المنطقة، ولكن ليس للأفضل. وباستثناء تونس، تحولت الانتفاضات الشعبية إما إلى حربٍ أهلية أو قمعت بوحشية. وسرعان ما ندد الحكام في السعودية والبحرين ومصر والإمارات العربية المتحدة بالقرضاوي مدعين أنه يساهم في التطرف. كان منطقهم بسيطاً: فهم يعتبرونه تهديداً لقوتهم.

وبالفعل أيضاً، لم يكونوا على خطأ. فبعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013، عاد القرضاوي إلى قطر، حيث حث أنصاره في مصر على الشهادة لإعادة مرسي إلى الحكم. فشلت الفتوى ولم تلقى صدىً لدى غالبية المصريين، كما أغضبت اللواء عبد الفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة بالقوة.

لم يقتصر تدخله السياسي على مصر فحسب، ففي حين ندد القرضاوي بشدة بالمتطرفين الدينيين، مثل الدولة الإسلامية المُعلنة وتنظيم القاعدة، إلا أنه لربما مكنّ هذه الجماعات من خلال التحريض على الانقسامات الطائفية من خلال آرائه وفتاواه. وعلى وجه الخصوص، في عام 2012، عندما أدان الشيعة لنسبهم المكانة الإلهية للأشخاص الذين يعتبرونهم الخلفاء الشرعيين للنبي محمد.

وبعدها دعا المسلمين السنة إلى حمل السلاح في سوريا. فقد صاغت فتواه الأزمة السورية في إطار الحرب الدينية لتحرير البلاد من حكم العلويين، وهي جماعة شيعية وأقلية دينية في سوريا، بدلاً من تحريرها من الرئيس بشار الأسد.

لم تكن هذه أول فتوى مثيرة للجدل له. فقبل 10 سنوات، تغاضى عن الهجمات الانتحارية الفلسطينية في إسرائيل باعتبارها دفاعاً مشروعاً عن النفس. أثار هذا غضب العديد من العلماء المسلمين، بحجة أن الانتحار محظورٌ في الإسلام أياً كان الدافع. كما أغضبت الفتوى حلفاء إسرائيل، سيما الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا، التي منعت القرضاوي من دخول أراضيها.

وانتقد حسن حسن، وهو من كبار الخبراء في مجال التطرف الإسلامي، القرضاوي لموافقته على العمليات الانتحارية الفلسطينية في إسرائيل. ففي مقالٍ له في ذا ناشونال، قال أنه على الرغم من أن الفلسطينيين عاجزون في مواجهة الهجمات الإسرائيلية، إلا أن إجازة التفجيرات الانتحارية يهدد تطبيع النهج في ظروفٍ أخرى، ناهيك عن أن المدنيين غالباً من يقتلون دوماً في مثل هذه الهجمات.

ويرى حسن أن الفتاوى العنيفة والطائفية التي يُصدرها القرضاوي تفوق إنجازاته النبيلة الأخرى. فهي تمنح المتطرفين سلطة قتل المدنيين الأبرياء، بينما تحرض على التوترات الطائفية. لكن أبو هنية، الخبير الأردني، لا يوافقه الرأي. فقد قال لفَنَك إنه لا ينبغي تحميل القرضاوي المسؤولية إذا ما تم تطبيق فتاويه خارج السياق.

فقد شدد أبو هنية على أن القرضاوي “أدان أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأدان تفجيرات لندن،” وأضاف “لا يوافق على قتل المدنيين.”

وهذا ليس صحيحاً بالضرورة. ففي عام 2009، وخلال حرب إسرائيل على حماس والتي أسفرت عن خسائر غير متكافئة في حياة المدنيين في غزة، صرح القرضاوي على قناة الجزيرة أن المحرقة (الهولوكوست) كانت عقوبةً إلهية لليهود بسبب فسادهم. ألحق هذا التصريح المعادي للسامية الضرر بسمعة الإمام في نظر الكثيرين ممن يعتبرونه معتدلاً.

ولا تزال الحكومات الغربية تشعر بالقلق من الشيخ الطاعن بالسن. وفي حين يلقي أتباعه باللوم على المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لتأطيره كإرهابي، إلا أن بعض وجهات نظر القرضاوي لا تساعد قضيته.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP | ©AFP

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.