فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / مصر / من الماضي الى الحاضر / مصر مرسي (2012-2013)

مصر مرسي (2012-2013)

Egypt- Morsi
الرئيس مرسي يلقي كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 أيلول/سبتمبر 2012.

المحتويات

السياسة الداخلية
الانقلاب العسكري
المجتمع الدولي
السياسة الخارجية
صياغة دستور جديد
الاستفتاء
الدستور

في ظل الظروف المذكورة آنفا، فاز محمد مرسي عيسى العياط، المرشح الرئاسي لحزب الحرية والعدالة للإخوانالمسلمين، في 30 حزيران/يونيو 2012 بـ 51,7% من الأصوات على شفيق أحمد، آخر رئيس وزراء عينه الرئيسحسني مبارك، والذي كان يُعتَبَر، على نطاق واسع، كامتداد للحزب الوطني الديمقراطي. كان مرسي أول رئيس مدني لمصر.

السياسة الداخلية

منذ انتخابه، ركّز مرسي على تعزيز حكمه محلياً. أولاً، أعاد البرلمان ذا الأغلبية الإسلامية، والذي تم حله من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في وقت سابق، وعيّن هشام قنديل، المتعاطف مع الإسلاميين، رئيساً للوزراء. ثم انتقل إلى إلغاء القيود المفروضة على منصبه من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأقال وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس أركان الجيش عنان سامي. واستبدل طنطاوي بعبد الفتاح السيسي المتديّن. كما رئيس المخابرات وقائد الحرس الجمهوري. وتولى الإخوان المسلمون أو البيروقراطيون المتعاطفون مع الإسلاميين معظم المناصب الهامة في الحكومة. وبعد تعيين عضو الإخوان المسلمين صلاح عبد المقصود وزيراً للإعلام، أدى استبدال رؤساء تحرير الصحف الرئيسية في البلاد إلى حالة مماثلة.

في رأي البعض، ينبغي فهم الخطوات التي اتخذها مرسي على الصعيد الداخلي كتدابير ضرورية لتطهير العناصر القديمة للحزب الوطني الديمقراطي ونفوذ الجيش على السياسة والاقتصاد والمجتمع، واستبدالهم بعناصر مدنية، حتى ولو إسلاميين. وفي رأي البعض الآخر، تؤدي هذه الإجراءات إلى أسلمة الدولة، خاصة وأن مرسي أفرج عن جميع السجناء الإسلاميين بعد توليه السلطة.

متظاهرون يحرقون عربة للشرطة خلال الاحتجاجات ضد الإحوان المسلمين والرئيس مرسي
متظاهرون يحرقون عربة للشرطة خلال الاحتجاجات ضد الإحوان المسلمين والرئيس مرسي في ساحة التحرير في القاهرة في 3 آذار/مارس 2013 / Photo HH

ازدادت حدة الاستقطاب في مصر بين أنصار مرسي الإسلاميين والمعارضين له، بمن فيهم اليساريين والليبراليين والعلمانيين. وخلال حملته الانتخابية وعد مرسي ببناء “دولة ديمقراطية ومدنية حديثة” تكفل حق الحريات الدينية والتظاهر السلمي. قدّم مرسي نفسه كحصن ضد حرس مبارك القديم. فقد تميزت فترة حكمه باحتكار الحكم، متجاهلاً الحاجة إلى تقاسم السلطة. وقد قام مرسي وحزب الحرية والعدالة بتضخيم مكاسبهم الضيقة (بما في ذلك الاستفتاء على الدستور) على أنها تفويض لصياغة السياسات. خلال عملية صياغة الدستور، اتّهمت المعارضة الإخوان المسلمين بعدم التوصل الى تسوية بشأن القضايا الرئيسية، وانسحب ممثلو الأقليات من الجمعية التأسيسية. وأثار الإعلان الدستوري في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، الذي أعلن فيه مرسي عن حصانته من الرقابة القضائية، احتجاجات واسعة في جميع أنحاء البلاد.

مع أن مرسي ألغى الإعلان الدستوري في كانون الأول/ديسمبر 2012، ساد جو من عدم الثقة تجاه الإخوان المسلمين. لم يرتئي مرسي حاجة الى تسوية مع المعارضة غير الإسلامية، منفّراً بذلك ليس فقط المعارضة الليبرالية والمسيحية، وإنما أيضاً حزب النور السلفي الذي أيّد في وقت سابق جماعة الإخوان المسلمين ثم أصبح ناقداً لتصرفات مرسي.

مع ضوابط وموازين محدودة (تم حل البرلمان في حزيران/يونيو 2012) انتقل مرسي لاحتكار المؤسسات (أي تثبيت أنصاره الإسلاميين) و تهميش السلطة القضائية التي كانت جماعة الإخوان المسلمين تعتبرها من فلول نظام مبارك. في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، اختار مرسي نائباً عاماً جديداً (إبراهيم عبد الله طلعت)، الخطوة التي أثارت احتجاجات النيابة العامة التي خشيت على استقلالية القضاء (استقال عبد الله في كانون الاول/ديسمبر تحت ضغط من المتظاهرين).

مع حلول الذكرى الثانية للثورة المصرية في كانون الثاني/يناير عام 2013، خرج المصريون الى الشوارع للاحتجاج ضد حكم مرسي والتعبير عن استيائهم مما يسمى بـ “أخونة” المجتمع وتزايد أعمال العنف والقمع وتدهور مستويات المعيشة واستمرار الفساد. وكان السبب الرئيسي للاحتجاجات المخاوف من خنق الحريات المقامة حديثاً في مصر من خلال مناهج الإخوان المسلمين الدكتاتورية والأجندة الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك، لم يتمكن مرسي من إصلاح أو مساءلة قوات الأمن – التي انتهجت أسوأ أساليب القمع ضد المصريين الذين احتجوا ضد مبارك.

استمر الجمود بين الرئيس والمعارضة طوال ربيع عام 2013. بلغت أعمال العنف ذروتها خلال الاعتداءات على مقرات الإخوان المسلمين والقصر الرئاسي في القاهرة في آذار/مارس 2013. لم تقتصر الاضطرابات على المعارضة السياسية. فقد قامت الشرطة وقوات الأمن بتنظيم إضرابات على الصعيد الوطني، وهي خطوة لم يسبق لها مثيل .

أدت الصدامات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في القاهرة وبورسعيد والسويس والإسماعيلية إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى. في كانون الثاني/يناير عام 2013، أعلن مرسي حالة الطوارئ لمدة شهر ودعا إلى حوار. رفضت جبهة الخلاص الوطني المعارضة دعوته وطالبت بدلاً من ذلك بحكومة وحدة وطنية وإدخال تعديلات على الدستور. نتيجة لذلك، زاد رئيس الوزراء هشام قنديل تمثيل الإخوان المسلمين في مجلس الوزراء من 8 وزراء إلى 10، مستبدلاً وزيرين شاركا في محادثات حاسمة مع صندوق النقد الدولي. وأخيراً، قام مرسي في حزيران/يونيو 2013 بتعيين 17 محافظاً جديداً، أكثرهم من الإخوان المسلمين. وكان عادل الخياط، الذي تم تعيينه محافظاً لمدينة الأقصر، عضواً سابقاً في الجماعة الإسلامية المسلحة التي تورطت في هجوم عام 1997 ضد سياح في الأقصر.

رداً على فشل المؤسسة السياسية في حل الأزمة بعد إعلان مرسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، أطلق ناشطون من الشباب حملة “تمرّد“؛ تضمنت مطالبهم إقامة حكومة مؤقتة وتعديلات على الدستور وانتخابات رئاسية مبكرة. ادعت حركة تمرّد أنها جمعت 22 مليون توقيعاً، حاصلة على تأييد واسع من نشطاء وأحزاب سياسية ومواطنين عاديين. دعت حركة تمرّد الى مظاهرات حاشدة في الذكرى الأولى لرئاسة مرسي يوم 30 حزيران/يونيو 2013. خرج عشرات الآلاف من المصريين إلى الشوارع للمطالبة باستقالة مرسي. وفي المقابل، تم تنظيم مظاهرات مؤيدة لمرسي في جميع أنحاء البلاد. في 30 حزيران/يونيو 2013، أوقعت الاشتباكات مع قوات الأمن 24 قتيلاً على الاقل ومئات الجرحى، معظمهم من المحتجين المناهضين لمرسي، وفق هيومن رايتس ووتش.

الانقلاب العسكري

في 1 تموز/يوليو عام 2013، أعلن وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي عن مهلة 48 ساعة وأنذر حكومة مرسي باتخاذ خطوات ضدها اذا لم تذعن لمطالب المحتجين. ومع ذلك، تجاهل مرسي الإنذار وقلل من شأن مظاهرات 30 يونيو وقدّم تنازلات غير كافية (بما في ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية ومراجعة الدستور). في 3 تموز/يوليو عام 2013، تدخل السيسي وأعلن عزل الرئيس مرسي من منصبه وإيقاف العمل بالدستور.

تم تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور، تمهيداً لانتخابات جديدة. لقيت “خارطة الطريق الجديدة” التي وضعها الجيش تأييد جبهة الخلاص الوطني وحزب النور وشيخ الأزهر أحمد الطيب وتاوضروس الثاني بابا الأقباط. في 8 تموز/يوليو، أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور إعلاناً دستورياً لخطة انتقالية مدتها تسعة أشهر. ولم تضم اللجنة التي اقترحت تعديلات على الدستور (المواد 28-29 )، “التي تمثل جميع فئات المجتمع”، الإخوان المسلمين أو حزب النور ( لم يرد ذكرهم في المادة 29).

من وجهة نظر جماعة الإخوان المسلمين، الذين اعتبروا الحكومة الجديدة غير شرعية، كان الجيش عازماً على استعادة النظام القديم. في الواقع، قام الجيش بتنصيب حكومة جديدة ولجنة لمراجعة الدستور وتنظيم استفتاء شعبي يليه انتخابات برلمانية ورئاسية. وقام بذلك دون رقابة برلمانية. لكن تنصيب حكومة جديدة برئاسة مدنية كان خروجاً عن مقاربة الجيش بعد الإطاحة بمبارك وأدار شؤون مصر بنفسه.

 وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي في تلفيزيون المصري, 3 يونيو 2013
وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي في تلفيزيون المصري, 3 يونيو 2013

مظاهرات مؤيدة لمرسي في القاهرة
مظاهرات مؤيدة لمرسي في القاهرة في أكتوبر 2013 / Photo HH

أدى الانقلاب العسكري إلى مزيد من العنف والاستقطاب. أقام متظاهرون مؤيدون لمرسي، طالبوا بعودة مرسي إلى الرئاسة، اعتصامات ومظاهرات سلمية في ساحتي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، حيث اشتبكوا مع قوات الأمن ومحتجين مناهضين لمرسي. في 8 تموز/يوليو ، قتل 51 شخصاً عندما تجمع محتجون خارج نادي الضباط، تلتها مجزرة أخرى في 27 تموز/يوليو قُتل فيها 74 شخصاً، كانت أكثر الإصابات في الرأس والصدر. وبعد أن أجاز مجلس الوزراء المصري للسلطات “اتخاذ جميع التدابير اللازمة لوضع حد للمظاهرات”، تحركت القوات المسلحة في 14 آب/أغسطس 2013 الى مواقع الاحتجاج الرئيسية واستخدمت “القوة المميتة وغير المبررة وإطلاق الرصاص الحي”، وفق تقرير Euromid Observer. تقدر Euromid أن عدد المتظاهرين الذين قتلوا في اليوم الأول كان 914 متظاهراً على الأقل وجُرح الآلاف. ووصفت هيومن رايتس ووتش الأحداث بأنها “أسوأ عمليات القتل الجماعي غير القانوني في تاريخ مصر الحديث”. كما أفادت هيومن رايتس ووتش عن إطلاق بعض المتظاهرين النار على قوات الأمن. لكن وفق منظمة هيومن رايتس ووتش، لم يكن سبب استخدام القوة المفرطة الاضطرابات الناجمة عن المظاهرات أو السلاح القليل لدى بعض المتظاهرين.

في أعقاب الانقلاب والعنف الذي أعقبه، أصبح الخطاب الرسمي تجاه الإخوان المسلمين أكثر سوداوية. ألقي القبض على العشرات من الإخوان المسلمين وزعماء إسلاميين آخرين. واعتقل الجيش الرئيس السابق مرسي ونقله إلى مكان سري. وفي 1 أيلول/سبتمبر 2013، أحال النائب العام مرسي للمحاكمة بتهمة التحريض على القتل والعنف، في إشارة الى الاشتباكات التي وقعت خارج القصر الرئاسي في كانون الأول/ديسمبر 2012. ونددت وسائل الإعلام غير الإسلامية بجماعة الإخوان المسلمين على أنها منظمة متطرفة، وأحياناً إرهابية، تدعمها المصالح الأجنبية، بما في ذلك منظمة حماس واللاجئين السوريين في مصر. وانتشرت حملة تشهير في وسائل الإعلام المصرية استهدفت الذين كانوا يدعمون الإسلاميين، بمن فيهم الفلسطينيين والسوريين. واتهمت وسائل الإعلام الفلسطينيين بالتدخل في الشؤون المصرية، بل حتى بتورطهم بهجمات على قوات الأمن في سيناء. وأصدرت تسع منظمات حقوق إنسان مصرية بياناً أدانت فيه “المعلومات الكاذبة التي كان بعض الصحفيين المصريين يروجون لها للتحريض على الكراهية ضد الشعب الفلسطيني”. وكانت إحدى أولى الخطوات التي اتخذها النظام العسكري حظر الفلسطينيين من دخول مصر من غزة.

من جانبهم، اتهم أنصار الإخوان المسلمين في اعتصامات في القاهرة الأقباط بلعب دور في الإطاحة بمرسي أو المساعدة في إطلاق حملة ضد المتظاهرين المؤيدين لمرسي. ومباشرة بعد الحملة ضد الإخوان المسلمين في 14 آب/أغسطس، هاجمت حشود من الرجال كنائس الأقباط ومدارسهم وشركاتهم ومنازلهم في عدة محافظات. وفق هيومن رايتس ووتش، هوجمت 42 كنيسة على الأقل، تم حرق 37 منها أو أصيبت بأضرار. برز العنف ضد الأقباط بعد الانقلاب العسكري مباشرة. في حين اتهمت جماعة الإخوان المسلمين بالهجمات، اتهمت السلطات في الوقت ذاته بلعب دور في التحريض على العنف واستخدامه كذريعة لفرض قانون الطوارئ (بحجة محاربة الإرهاب). وفق هيومن رايتس ووتش، في معظم الحالات لم يكن هناك حضور للشرطة والجيش خلال الهجمات.

خشي ناشطون من أن الجيش قد يستغل الأزمة لإعادة استخدام جوانب قمعية (أخرى) كان يستخدمها نظام مبارك السابق، مثل القمع المتزايد ضد الصحفيين وعدم التسامح في انتقاد للجيش.

في حين لم يحقق حكم أول رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر آمال بعض المصريين، تلقت الشرعية الديمقراطية ضربة موجعة بالإطاحة بمرسي. ومع أن الجيش ادعى في البداية التصرف نيابة عن “إرادة الشعب” والإشادة بعبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع الذي قاد الانقلاب، كبطل وطني، إلا أن أعمال القمع واعتقال أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين وزيادة الاستقطاب عرّض الأمل في تحقيق انتقال ديمقراطي ناجح للخطر. واعتباراً من أيلول/سبتمبر عام 2013، المظاهرات مستمرة ضد النظام المدعوم من قبل الجيشج.

المجتمع الدولي

الرئيس محمد مرسي مع وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في القاهرة, 24 أبريل/نيسان 2012 Photo Secretary of Defence /Wikipedia

زاد استمرار الاضطرابات الضغوطات على الولايات المتحدة لقطع المساعدات العسكرية لمصر. رفضت الولايات المتحدة تسمية الاطاحة بمرسي من قبل الجيش على أنه “انقلاب”، فمن شأن ذلك تعريض مبلغ 1,3 مليار دولار من الدعم المالي السنوي للخطر. ومصلحة الولايات المتحدة هو حماية معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، للولايات المتحدة مصالح تجارية (صناعة الأسلحة بشكل رئيسي). وعلاوة على ذلك، فإنه يعرض أمن إسرائيل للخطر (نظراً لانعدام الأمن في سيناء). وفي بيان صحفي، أعلنت إدارة أوباما في تشرين الأول/أكتوبر 2013 أنها ستعلق تسليم أنظمة عسكرية واسعة النطاق ومساعدات مالية للحكومة المصرية “بانتظار تقدم معقول نحو إقامة حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً عن طريق انتخابات حرة ونزيهة”. وفق صحيفة فاينانشال تايمز، تم تعليق مساعدات مالية بقيمة 260 مليون دولار و 300 مليون دولار كضمانات قروض لشراء معدات عسكرية. في غضون ذلك، تواصلت المساعدات الإنسانية وعمليات مكافحة الإرهاب. كما رحبت المملكة العربية السعوديةبالخطوة العسكرية (لم تسمها انقلاباً) وقدمت مليارات الدولارات من الدعم، كما فعلت الإمارات العربية المتحدة والكويت.

السياسة الخارجية

وعلى النقيض من سلفه حسني مبارك الذي كانت سياسته الخارجية موجهة للحفاظ على الوضع الراهن (ضمان الاستقرار الإقليمي وحليف موثوق به للولايات المتحدة)، أعلن مرسي أنه سيستعيد هيمنة مصر التاريخية.

وبدلاً من وضع الولايات المتحدة أو أوروبا على رأس قائمة أولوياته، زار مرسي أولاً دولاً أخرى مثل المملكة العربية السعودية وإثيوبيا والصين وإيران، وخصوصاً الأخيرة، حيث لم تكن مصر تربطها بها علاقات دبلوماسية منذ عام 1979.

كانت العلاقات مع دول الخليج في أوائل جدول أعمال الرئيس الجديد. فسافر إلى المملكة العربية السعودية لتعزيز العلاقات بين البلدين. وقام أمير قطر بزيارة مصر ووعدها بـ 2 مليار دولار.

حضر اجتماع قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، وكانت أول زيارة لرئيس مصري إلى إثيوبيا منذ 17 عاماً. وكان حسني مبارك قد توقف عن حضورها بعد محاولة اغتياله هناك عام 1995.

في نهاية شهر آب/أغسطس 2012، حضر مرسي قمة حركة عدم الانحياز في طهران. أشاد الكثيرون بموقف مرسي لانتقاده بشار الأسد على ارتكابه مجازر بحق الشعب السوري وإيرانعلى عدم اتخاذ موقف قوي ضد الأسد. أمّا خصومه في مصر فاعتبروا موقف مرسي مجرد كلمات من غير المرجح وضعها موضع التنفيذ. لكن في حزيران/يونيو 2013 أعلن مرسي عن قطع كل العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. حقق مرسي نجاحاً دبلوماسياً عندما توصل إلى وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل أثناء القتال في غزة.

وعد الرئيس مرسي باحترام التزامات مصر بموجب المعاهدات الدولية، بما في ذلك معاهدة السلام مع إسرائيل.

وفقاً للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، لم تكن سياسة مرسي الخارجية، على عكس سياسته الداخلية، مشروعاً “إسلامياً.”. فقد كان هناك توافق في الآراء بشأن دور القيادة في البلاد وإنهاء الاعتماد على الغرب بين مختلف المعسكرات السياسية. كما زار مرسي العديد من الدول غير الإسلامية وغير العربية، ليرسل رسالة بأنّ تياره الإسلامي مُعتدل ويمكن للعالم أجمعه إرساء سُبل تعاون تجاري معه.

الرئيس محمد مرسي

الرئيس محمد مرسي والقائد العام للقوات المسلحة محمد حسين طنطاوي
الرئيس محمد مرسي والقائد العام للقوات المسلحة محمد حسين طنطاوي

على الرغم من أن مرسي أثبت نجاحاً في محاولته نشر رسالته عن الاعتدال، إلا أنه وفقاً للنقاد، فإن استراتيجية سياسته الخارجية لم تكن واضحة، حيث كان مرسي مشغولاً بشكلٍ أكبر بالقضايا السياسية المحلية.

وفي الوقت نفسه، ازدادت المساعدات المالية والاقتصادية الخارجية لمصر. فقد وعدت المملكة العربية السعودية بتقديم دعم مالي يصل إلى 4 مليار دولار، كما وعدت قطر بتقديم 2 مليار دولا، فضلاً عن استثمارات بقيمة 3 مليار دولار في مشاريع صناعية وسياحية. وفي سبتمبر 2012، أعلنت تركيا عن تقديم سلسلة مساعدات بقيمة 2 مليار دولار.

صياغة دستور جديد

الجمعية التأسيسية
الجمعية التأسيسية

بدأت عملية صياغة دستور جديد في آذار/مارس 2012. منذ البداية، كان تشكيل هيئة صياغة الدستور، الجمعية التأسيسية، متنازع عليه. يتألف نصف الجمعية من أعضاء في البرلمان، والذي كان يهيمن عليه أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين من حزب الحرية والعدالة، وأعضاء سلفيون من حزب النور. كما هيمن عدد الإسلاميين على النصف الآخر من البرلمان. وخوفاً من العواقب المترتبة على طبيعة الدستور الجديد، قرر الأعضاء الليبراليون واليساريون ترك الجمعية بشكل جماعي. ونتيجة لذلك، أصبح ثلث مقاعد الجمعية شاغراً. ونظراً لاختلال وظيفتها، تم حل الجمعية بقرار من المحكمة في 10 نيسان/أبريل.

تحت ضغط من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، توصل الإسلاميون، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، إلى اتفاق مع أحزاب الأقليات، والذي يتطلب نسبة 50-50 من النواب الإسلاميين وغير الإسلاميين وتخفيض عدد المقاعد المخصصة لأعضاء البرلمان من الإسلاميين الذين يهيمنون عليه. تم تأسيس جمعية جديدة في 12 حزيران/يونيو، تتضمن أعضاء من المجتمع المصري الأوسع: رجال سياسة؛ وأعضاء من القوات المسلحة والقضاء والشرطة والنقابات العمالية؛ كما زعماء مسيحيين. ومع ذلك، بقي هناك جو من عدم الثقة تجاه الإخوان المسلمين الذين اتهموا بمحاولة احتكار الجمعية. في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، خرج ممثلون من جميع الكنائس المصرية، بمن فيهم الأقباط والكاثوليك والإنجيليين، في مظاهرة احتجاجاً على الفشل المزعوم للإسلاميين في التنازل عن قضايا رئيسية.

في 14 حزيران/يونيو 2012، أمرت المحكمة العليا في مصر بحل البرلمان، وذلك لأن الأحزاب السياسية ترشحت لمقاعد فردية في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2011، الأمر الذي اعتبر مخالفاً للدستور. وبعد صدور الحكم، طالب محامون بحل الجمعية أيضاً. وسط تهديد بحل الثانية، أصدر الرئيس السابق محمد مرسي في 22 تشرين الثاني/نوفمبر إعلاناً دستورياً يمنح نفسه صلاحيات إضافية وحماية تصرفاته من الرقابة القضائية. أمر مرسي بعدم جواز حل الجمعية التأسيسية أو مجلس الشورى من قبل أية هيئة قضائية (المادة 5). واعتبرت الخطوة كضربة ضد القضاء المصري: كان معظم القضاة قد تم تعيينهم من قبل حسني مبارك المخلوع.

كانت هذه المرة الثانية التي يستخدم فيها مرسي سلطته لتحدي مؤسسات نظام مبارك السابق. ففي وقت سابق، أمر بإعادة محاكمة جميع المسؤولين في عهد مبارك المتورطين في أعمال العنف ضد المتظاهرين السلميين.

في إعلانه الدستوري، أعطى مرسي الجمعية مهلة شهرين أكثر لإنجاز عملها. ولكن في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، صادقت الجمعية على نسخة مستعجلة من مسودة الدستور لتفادي حلها من قبل المحكمة الدستورية العليا وسط مقاطعة المعارضة. وفي اليوم التالي، أعلن مرسي عن استفتاء وطني على مشروع الدستور.

أثار إعلان مرسي احتجاجات حاشدة في جميع أنحاء مصر. خرج نشطاء المعارضة إلى الشوارع للاحتجاج على ما اعتبروه تدابير ديكتاتورية وانقلاب نفذه الإخوان المسلمون بزعامة مرسي. وفي القاهرة، اقتحم المتظاهرون مكاتب الإخوان المسلمين والقصر الرئاسي مطالبين بإلغاء الاستفتاء. لكن أنصار مرسي اعتبروا الإعلان بمثابة خطوة هامة للرئيس للسيطرة على البلاد وحمايتها من فلول النظام القديم المسؤولين عن غياب التغيير بعد الإطاحة بمبارك. وأضرب القضاء رداً على مرسوم مرسي. في 8 كانون الأول/ديسمبر، أعلن مرسي عن إلغاء إعلانه، وإزالة الحصانة عنه من الرقابة القضائية. لكن بعد انتهاء الجمعية التأسيسية من عملها، انحسر التهديد بإمكانية حلها. فقد خدمت النسخة المستعجلة لمسودة الدستور مرسي أكثر من مرسوم 22 تشرين الثاني/نوفمبر.

الاستفتاء

رغم إلغاء مرسي إعلانه الدستوري المثير للجدل، رفض تأجيل الاستفتاء. اعترضت المعارضة على أن مسودة الدستور المستعجلة والفترة القصيرة التي سبقت الاستفتاء حالت دون أي نقاش هادف بشأن أحكامه. كان هناك انتقاد لنص الدستور لعدم وصوله إلى المواطنين العاديين بشكل خاص. وجوبه الاقتراع بمعارضة كبيرة، حيث دعت جبهة الخلاص الوطني، تحالف الأحزاب الليبرالية واليسارية والوسطية، إلى التصويت بـ “لا”.

جرى الاستفتاء على جولتين في 15 و 22 كانون الأول/ديسمبر 2012، وذلك نتيجة انسحاب العديد من القضاة من الإشراف على الانتخابات احتجاجاً.

أظهرت النتائج النهائية موافقة 63,8% من الناخبين على مشروع الدستور. بسبب مشاركة 32,9% فقط من الناخبين المؤهلين للتصويت في الاستفتاء، تم الاعتراض على شرعية الاستفتاء. فقد كانت المشاركة أقل من استطلاعات الرأي في وقت سابق: 62% من الناخبين المؤهلين شاركوا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الأول/ديسمبر2011 وكانون الثاني/يناير 2012، في حين كان الإقبال على الانتخابات 51,8% في الانتخابات الرئاسية في أيار/مايو 2012. بعد الاستفتاء، ادعت المعارضة حدوث تزوير في الاقتراع.

الدستور

هناك الكثير من علامات الاستفهام حول مشروع الدستور نفسه. أكد مرسي وأنصاره على الحاجة للدستور الجديد لختم الانتقال من عقود من الحكم المدعوم بالجيش، في حين قال المعارضون إن الدستور متأثر بشكل كبير بالإسلاميين، وأنه يتجاهل حقوق الأقليات والنساء في مصر.

رغم مواتاة النص نسبياً لتطلعات الثورة – مثل المزيد من السلطة للبرلمان والحد من صلاحيات الرئيس وحرية التجمع والتنظيم – إلا أنه تعرض لانتقادات لغموضه والتباسه. فالحقوق المحددة في مادة ما تكون إما محدودة أو غير محددة بشكل كاف في مادة أخرى، تاركة بعض الأحكام مفتوحة للتأويل. وتخشى المعارضة، بقيادة شخصيات بارزة مثل محمد البرادعي (حزب الدستور)، حمدين صباحي (أحد زعماء جبهة الخلاص الوطني) وعمرو موسى (وزير الخارجية السابق 1991-2001)، أن يفتح هذا الغموض الطريق إلى الشريعة الإسلامية.

كان دور الإسلام في الدستور مصدر قلق للمصريين الليبراليين والعلمانيين والمسيحيين. ورغم ترك المادة 2 (“مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”) دون تغيير، إلا أن طريقة فهم وتطبيق هذه المادة قد تغيرت. سابقاً، كان تفسير لفظة “مبادئ” متروكاً للمحاكم (على أساس أحكام مجمع عليها)، ولكن هذا تغير في الدستور الجديد. فقد وسعت المادة 219 نطاق “المبادئ” ليشمل جميع أحكام الفقه الإسلامي والمصادر الموثوقة المقبولة في المذاهب السنيّة (القرآن والسنة والحديث). ويمكن الفصل في المسائل وفق هذه المصادر، حتى لو لم تكن موجودة في القوانين التشريعية. ولكون الشريعة الإسلامية مفتوحة للتفسير، تنص المادة 4 على وجوب الحصول على رأي الأزهر في جميع المسائل المتعلقة بالشريعة. ولم يتم تحديد الجهة التي ستطلب رأي الأزهر وماهية المسائل على وجه التحديد. لا يتضمن دستور عام 1971 مادة تتعلق بدور الأزهر. وفي الواقع، مارس السلفيون ضغطاً لتغيير المادة 2 وجعل الشريعة الإسلامية نفسها المصدر الرئيسي للتشريع.

للوهلة الأولى نجد الدستور يحمي الحقوق والحريات. ومع ذلك، تكشف القراءة الدقيقة قيوداً كثيرة عليها. فقد تم اختصار المادة 81 حول الحقوق والحريات الفردية بإضافة التالي: “تمارس هذه الحقوق والحريات على نحو لا يتعارض مع المبادئ الواردة في فصل الدولة والمجتمع من هذا الدستور”. وينطبق الأمر ذاته على المادة 48 بشأن حرية الصحافة. وقد تم تحديد حرية التعبير من خلال عدد من المواد في الدستور. وفي حين تمنح المادة 45 حرية الفكر والرأي دون قيود، تضع أحكام أخرى قيوداً عليها. (المادة 44: “يحظر إهانة أو إساءة جميع الرسل والأنبياء”؛ والمادة 31: “يحظر إهانة أو ازدراء أي إنسان”.) تحدد المادة 43 بشأن حرية الدين الحق في ممارسة الشعائر الدينية وإقامة أماكن العبادة للمسيحيين والمسلمين واليهود. وفي حين ينص دستور 1971 على الحق العام في ممارسة الشعائر الدينية، ينطوي الدستور الجديد على تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى، بمن فيهم البهائيين. ومع أن المادة 30 تكفل المساواة في حقوق المواطنين وواجباتهم، تتضمن المادة 10 قدرة الدولة على التدخل في خيارات المرأة الشخصية (“توازن الدولة بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع”).

تكفل مسودة الدستور الفصل بين السلطات. وقد أعطت البرلمان سلطة كبيرة في تشكيل الحكومة. يجب أن يوافق البرلمان على أية خطة للحكومة (المادة 139)، ويحق له استجواب رئيس الوزراء ووزرائه وإقالتهم (المادة 126). حتى أعضاء البرلمان يحق لهم استجواب الوزراء ( المواد 123-125). بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد سلطات الرئيس. وقد تم تحديد عدد الشروط إلى اثنين (المادة 133). ويحق للرئيس تعيين عشر أعضاء مجلس الشيوخ (المادة 128). وبالإضافة إلى ذلك، يقوم بتعيين جميع رؤساء الهيئات المستقلة تقريباً (المادة 202)، بما في ذلك الأجهزة الرقابية والبنك المركزي، مما يهدد استقلالها وقدرتها على مراقبة السلطة التنفيذية. وأخيراً، وضع الدستور الحكومة المركزية فوق السلطات المحلية، مما يحافظ على حكم يتسم بدرجة عالية من المركزية. تنص المادة 190 على أنه يجوز للحكومة المركزية نقض أي قرار من قبل المجالس المحلية المنتخبة. ولا يحدد الدستور كيفية اختيار المحافظين وسلطاتهم (المادة 187).

تنص المادة 197 على تأسيس مجلس دفاع وطني من 15عضواً من الحكومة والجيش. يقرر المجلس الميزانية المخصصة للجيش، ويقدمها كرقم واحد في الميزانية الوطنية، مما يمنع الرقابة الكافية من قبل البرلمان. كما سيكون للمجلس رأي في مشاريع القوانين المتعلقة بالجيش.

بينما كان إلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين مطلباً رئيسياً للثورة منذ البداية، فقد سُمح بالمحاكمات العسكرية في حالة الجرائم في حق ‘القوات المسلحة’ (المادة 198). وقد حظرت مسودات سابقة المحاكمات العسكرية للمدنيين بشكل صريح. ووفق هيومن رايتس ووتش، ينص الدستور الجديد على حماية قوية ضد الاعتقال التعسفي (المادة 35) والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية (المادة 36) وحرية الاجتماع والتجمع (المادتان 50 و51).

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.