تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ضرورة مُلحة لموقف أمريكي أكثر تشدداً تجاه ملف حقوق الإنسان في مصر

Egypt prisons
صورة التقطت خلال جولةٍ نظمتها الهيئة العامة للاستعلامات في مصر في 11 فبراير 2020، تظهر شرطياً مصرياً بالقرب من أحد أبراج المراقبة في سجن طره الواقع في الضواحي الجنوبية للعاصمة المصرية القاهرة. Photo: Khaled DESOUKI / AFP

صوفيا أكرم

جمدت الولايات المتحدة الأمريكية جزءاً من حزمة مساعداتها العسكرية البالغة 1,3 مليار دولار لمصر في محاولةٍ لإجبار حكومة السيسي على إدانة سجلها الحقوقي المتدهور. ومع ذلك، يتساءل البعض عما إذا كان الرئيس الأمريكي جو بايدن سيضع وعوده بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان موضع تنفيذ في أعقاب تاريخٍ طويل من إغفال التدقيق عليها.

ففي نهاية العام الماضي، أقر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون، بما يجعل نسبةً من المساعدات العسكرية التي يتم صرفها بشكلٍ دوري لمصر مشروطةً بالإفراج عن السجناء السياسيين. فقد تم حجب مبلغ 75 مليون دولار من إجمالي المبلغ المخصص إلى أن يقرر وزير الخارجية أن مصر تحقق “تقدماً واضحاً وثابتاً لإطلاق سراح السجناء السياسيين وتوفير الإجراءات القانونية الواجبة للمحتجزين.”

وفي حين سبق وأن تم حجب المساعدات عن مصر في الماضي، بيد أن هذه هي المرة الأولى التي لا تستطيع فيها وزارة الخارجية الأمريكية ممارسة خيار الإعفاء لصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك، تم أيضاً تجميد مبلغ 225 مليون دولار، يحكمه شرطٌ أعم ذلك أن على وزارة الخارجية الشعور بالرضى من أن مصر تتخذ خطواتٍ مستدامة وفعالة نحو الإصلاحات التي تعزز الحقوق وسيادة القانون والديمقراطية، مع السماح للولايات المتحدة بمراقبة جهودها، حيث سيخضع هذا التخصيص لخيار الإعفاء الذي يخّوله الأمن القومي والذي تم ممارسته في ظل إدارتي ترمب وأوباما.

يعد تعليق الإعفاء عن نسبةٍ من المساعدات العسكرية إشارةً إلى خطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن المتشدد في حملته الانتخابية بأنه “لن يكون هناك مزيدٌ من الشيكات على بياض لديكتاتور ترمب المفضل،” في إشارةٍ إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فضلاً عن خطابه الأول حول السياسة الخارجية الذي يَعِد بمركزية الديمقراطية وسيادة القانون في الدبلوماسية الأمريكية.

ومع ذلك، سيتم صرف المليار دولار المتبقي من التمويل العسكري الأجنبي إلى مصر دون شروط.

من جهتها، تقول ميشيل دنّ، وهي باحثة أولى في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط، “ليس الهدف من اشتراط مبلغ الـ300 مليون دولار انهيار ميزانية الجيش المصري، بل إرسال إشارة من الولايات المتحدة حول قلقها من انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.”

ومع ذلك، أثارت صفقة أسلحة حديثة بقيمة 200 مليون دولار مؤخراً غضب مراقبي حقوق الإنسان الذين تساءلوا عما إذا كان موقف بايدن المتشدد تجاه حقوق الإنسان في الخارج له أي سلطان.

وفي هذا الصدد، قال سيث بيندر من مشروع الديمقراطيّة في الشرق الأوسط لنا في فَنَك: “من ناحية، لدى [إدارة بايدن] هذا الخطاب القوي، ولكن المضي قُدماً في مثل تلك الصفة لبيع الأسلحة يُثير بالفعل إشاراتٍ متضاربة، ويقوض هذه الرسالة.”

وذكرت قناة الجزيرة أن الصفقة تضمنت 168 صاروخاً تكتيكياً تهدف إلى تحسين الدفاع حول البحر الأحمر والمناطق الساحلية.

“كما رأينا مع المملكة العربية السعودية، يبدو أن إدارة بايدن حريصة على إظهار أنها ستساعد الحلفاء ذوي الاحتياجات الدفاعية المشروعة لكنها ستنتقد انتهاكات حقوق الإنسان بل وتعاقبها أكثر مما فعل ترمب،” على حد تعبير دنّ.

ومن الجدير بالذكر أنه في عهد ترمب، صدق وزير الخارجية مايك بومبيو على مساعداتٍ بقيمة 1,2 مليار دولار لمصر على الرغم من المخاوف المستمرة حول انتهاكات حقوق الإنسان.

ومع ذلك، قام سلفه، الجمهوري ريكس تيلرسون، بدايةً بحجز 195 مليون دولار من التمويل العسكري لمصر، موضحاً بالتفصيل العديد من الشروط المحددة، والتي تشتمل على إصلاح قانون المنظمات غير الحكومية المثير للجدل الذي كان يهدف إلى إضعاف المجتمع المدني، والإفراج عن 43 من موظفي المنظمات غير الحكومية المدانين في عام 2013 وتقليص التعاون مع كوريا الشمالية، والتي تم اتخاذ إجراءاتٍ ما بشأنها إلى حدٍ ما.

وهنا، يقول بيندر إن هذا “يُظهر أنه إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلاً للضغط على المصريين بشأن بعض هذه المخاوف، فيمكنهم في الواقع رؤية النتائج.”

تجذر الإشارة إلى أنه هناك حوالي 60 ألف معتقل في مصر ممن يعتبرون سجناء سياسيين، بينهم أكاديميون ونشطاء وصحفيون. فقد كشفت منظمة العفو الدولية في تقريرٍ لها في وقتٍ سابق من هذا العام عن ظروف قاسية وغير إنسانية يتعرض لها السجناء في السجون الستة عشر التي شملها البحث.

وقال فيليب لوثر، مدير البحوث وكسب التأييد للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، “إن مسؤولي السجون يبدون استخفافاً تاماً بأرواح وسلامة السجناء المكدَّسين في السجون المصرية المكتظَّة، ويتجاهلون احتياجاتهم الصحية إلى حد كبير.”

وأضاف، “يلقون على عاتق أهالي السجناء أعباء إمدادهم بالأدوية والأطعمة والنقود اللازمة لشراء أساسيات مثل الصابون، ولا يكتفون بذلك بل يتسببون في معاناة إضافية لهؤلاء السجناء بحرمانهم من تلقي العلاج الطبي الكافي أو من نقلهم إلى المستشفيات في وقت مناسب”.

وأضاف التقرير أن الظروف في السجون، بما في ذلك ظروف الحبس الانفرادي المطوَّل، بالإضافة إلى الحرمان المتعمَّد من الرعاية الصحية الكافية، قد تسببت أو أسهمت في وقوع عدة وفيات في الحجز، حيث أشار التقرير إلى 37 حالة محتملة كانت المنظمة الحقوقية على علمٍ بها و12 حالة وفاة أخرى حققت فيها، في حين أشارت منظمة الكرامة السويسرية غير الحكومية في عام 2017، إلى تضاعف عدد الوفيات رهن الاحتجاز ثلاثة أضعاف منذ انقلاب السيسي العسكري عام 2013.

ومن بين المعتقلين حالياً في السجون المصرية عدة مواطنين أمريكيين. ففي العام الماضي، أثارت وفاة المصري الأمريكي مصطفى قاسم انتقاداتٍ من المسؤولين الأمريكيين بعد وفاة الرجل البالغ من العمر 54 عاماً إثر إضرابه عن الطعام.

علاوةً على ذلك، أثارت قوانين مكافحة الإرهاب و”الآداب العامة” مخاوف أخرى، إلى جانب القيود المفروضة على حرية التعبير والانتهاكات في منطقة شمال سيناء حيث تقوم قوات الأمن المصرية بعملياتٍ لمكافحة الإرهاب.

فقد دفعت خطورة حالة حقوق الإنسان في مصر البرلمان الأوروبي إلى إصدار قرار لإعادة النظر في العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي مع آليات مراقبة ومساءلة أكثر صرامة، وصفت بأنها الأكثر قسوة حتى الآن، إذ يأتي هذا القرار، الذي تم إقراره في ديسمبر 2020، في أعقاب دعواتٍ من الكونغرس للإفراج عن السجناء السياسيين.

من جهته، سبق وصرح وزير الخارجية المصري سامح شكري بأن “مسيرة التطوير الشامل التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي تمضي بثبات إلى الأمام وفق رؤية متكاملة تراعي حقوق الإنسان بمعناها الواسع والشامل وتخاطب احتياجات وتطلعات المواطن المصري قبل أي شيء.”

كما أفادت الأنباء أن وزير خارجية بايدن، أنتوني بلينكن، أبلغ شكري بالتركيز الرئيسي على حقوق الإنسان في علاقة واشنطن والقاهرة، مما أدى إلى زيادة القلق في أروقة وزارة الخارجية، بينما ذكرت مصادر إعلامية أن القاهرة تحجم عن تقديم “تنازلاتٍ متسرعة لإدارة بايدن في المرحلة الحالية.”

ومع ذلك، من المحتمل أن إطلاق سراح بعض السجناء أمرٌ لا مفر منه لنظام السيسي في حال كان يسعى إلى تأمين حزمة المساعدات الكاملة، إذ أشارت النظام إلى إمكانية إطلاق سراح عدد محدد من السجناء كما فعل سابقاً مع رئيس أركان الجيش السابق سامي عنان وحازم حسني.

تجدر الإشارة إلى أن المساعدات العسكرية لمصر – ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات الأمريكية – كانت قد بدأت في عام 1946، حيث ازدادت بعد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، إذ يتم حفظها في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك قبل نقلها إلى وزارة الخزانة حيث يتم شراء الأسلحة من مقاولي الدفاع الأمريكيين.

ولم يتحدد بعد من سيشمله العفو أو عدد قرارات العفو التي ستتم لوضع حدٍ لإصرار الولايات المتحدة وحسم الإفراج عن المساعدات المشروطة، أو ما إذا كان المبلغ الكامل البالغ 300 مليون دولار سيخضع لتدقيقٍ أكبر مما شوهد في السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من وجود العديد من الآليات، مثل قوانين ليهي والقسم 502 (ب) من قانون المساعدات الخارجية، إلا أن تطبيق التشريعات تأخر. فقد تأخر تطبيق قوانين ليهي، التي صُممت لمنع تقديم المساعدات الأمنية الأمريكية لوحدة من قوات الأمن الأجنبية في حال ارتكبت تلك الوحدة انتهاكاً لحقوق الإنسان، على مصر.

وكما يقول بيندر، فإنه نادراً ما يتم التذرع بقانون المساعدات الخارجية في أحكام حقوق الإنسان التي تنص على أنه “لا يجوز تقديم أي مساعدة أمنية إلى أي دولة تشارك حكومتها في نمط ثابت من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً.”

نهايةً، لا بد من أن نذكر أن حزمة المساعدات تمتد على مدار عامين، لذا، نظرياً، يمكن أن يتم البت في القرار في وقتٍ متأخر من نهاية السنة المالية 2022.

في هذه المقالة: مصر | حقوق الإنسان