الصفحة الرئيسية / التطرف / سيطرة داعش على أجزاء من العراق وسوريا

سيطرة داعش على أجزاء من العراق وسوريا

ISIS military parade in al-Raqqa, Syria, using US vehicles and weaponry seized from the Iraqi army
عرض عسكري لداعش في الرقة ,سوريا, تظهر فيه مركبات وأسلحة أمريكية استولت عليها داعش من الجيش العراقي

في 8 يوليو 2006 أبو مصعب الزرقاوي، زعيم القاعدة في العراق في غارة جوية أمريكية شمال بغداد. ومع مقتل الزرقاوي، بقيّ منصب زعيم القاعدة لفرع بغداد شاغراً، في حين برزت أسماء العديد من الخلفاء المحتملين. وفي أكتوبر 2006، اختارت قيادة القاعدة المركزية أبو أيوب الأنصاري، المعروف أيضاً باسم أبو حمزة المهاجر، لخلافة الزرقاوي إلاّ أن هذا الإختيار شهد معارضة كبيرة من قِبل مجلس شورى مجاهدي العراق، الذي عقد اجتماعاً بعد صدور القرار بفترة قصيرة لمناقشته. وبعد بضعة أشهر ومواصلة الإعتراض على تنصيب المصري، تنازل الأخير في نهاية المطاف عن منصبه لصالح أبو عمر البغدادي، الذي عمل على ضم جميع الجماعات الإسلامية الأساسية تحت مظلة ما أسماه أنذاك “الدولة الإسلامية في العراق”.

بعد مضي سنوات قليلة، اندلعت اشتباكات بين القوات العراقية ومقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” في صحراء الثرثار التابعة لمحافظة الأنبار. أجرى سلاح الجو الأمريكي، في دعمه للقوات العراقية، غاراتٍ جوية ضد مواقع التنظيم في تلك المنطقة، بما في ذلك قصف مقر اجتماعات أبو عمر البغدادي والمصري، حيث أعلن عن مقتل كلا الرجلين في ذلك الهجوم في 19 أبريل 2010. وفي غضون عشرة أيام، عقد “مجلس شورى مجاهدي العراق” اجتماعاً آخر لإختيار خليفة لأبو عمر البغدادي، ليقع اختيار المجلس أخيراً على أبو بكر البغدادي، زعيم ما يُعرف اليوم بتنظيم “الدولة الإسلامية”.

الدولة الإسلامية في العراق وجبهة النصرة

تحولت الاحتجاجات السلمية في جارة العراق، سوريا، ضد نظام بشار الأسد إلى حرب أهلية واسعة النطاق. وبحلول عام 2013، عمت الإشتباكات المسلحة بين قوات الأسد ومختلف جماعات المعارضة جميع أرجاء البلاد، وبرزت من بين هذه الجماعات، جبهة النصرة التي تعدّ من الجماعات الإسلامية القوية التابعة لتنظيم القاعدة والتي تطورت لتصبح واحدة من أقوى الجماعات المناهضة للأسد. كما تدفق المجاهدون الأجانب بأعداد هائلة إلى سوريا للمحاربة إلى جانب أكثر الجماعات تطرفاً.

في البداية، أعلن أبو بكر البغدادي تأييد “الدولة الإسلامية في العراق” لـ”جبهة النصرة” بشكلٍ كامل، وأرسل أبو محمد الجولاني، حاكم تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” في محافظة البصرة، لقيادة جهود الجبهة ضد الأسد، حيث أسفر الدعم العسكري والمالي لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” لـ”جبهة النصرة” والتنسيق رفيع المستوى بين الجماعتين عن تقدم كبير على الأرض في سوريا.

ولطالما كانت “النصرة” مجرد امتدادٍ لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق”، حيث قرر البغدادي في أبريل 2013 ضم الجماعتين تحت مظلة واحدة بقيادته باسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. ومع ذلك، أعلن الجولاني رفضه للقرار معلناً ولاء “النصرة” بشكلٍ مباشر لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري وليس للبغدادي. وتعود جذور العلاقة بين البغدادي والجولاني لما قبل اندلاع الحرب في سوريا، وقبل انتقال الأخير إلى سوريا، أعلن عن ولائه التام لجماعة البغدادي وتعهّد باستعداده القتال من أجل التنظيم في العراق.

ومع ذلك، تطوّر الخلاف حول “الإندماج” مع البغدادي إلى اشتباكاتٍ مسلحة بين “تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام- داعش” و”جبهة النصرة”، حيث انتهى الأمر بالفصائل المتحالفة فيما مضى ضد نظام الأسد، بالإقتتال في معارك عنيفة ضد بعضها البعض وتكبدهما خسائر ضخمة، مما منح ألد أعدائهم، نظام الأسد، فترة راحة من هجماتهم. ووفقاً للمحللين، لم يكن النزاع عقائدياً أو حتى منهجياً، بل تعلق بتقسيم غنائم الحرب، بما في ذلك آبار النفط والمعابر الحدودية التي تم الاستيلاء عليها في حربهم ضد الأسد.

وفي محاولةٍ لرأب الصدع بين الجماعتين، دعى زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، البغدادي إلى حل “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” ككيان في سوريا وفصله عن “جبهة النصرة”، وبذلك تعتبر “جبهة النصرة” الممثل الوحيد للقاعدة في سوريا تحت إمارة الجولاني، في حين يمارس “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق” أعماله في العراق فقط تحت إمارة البغدادي. رفض أبو بكر البغدادي الإمتثال لهذا القرار، وأصدر كلمة يقول فيها ” الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية ما دام فينا عرق ينبض أو عين تطرف، ولن نساوم عنها حتى يظهرها الله تعالى أو نهلك دونها”.

تنظيم الدولة

أبو بكر البغدادي
صورة للوجه التقطت لأبو بكر البغدادي من قِبل القوات الأمريكية أثناء احتجازه في معسكر بوكا، العراق، 2004.

بفضل حالة عدم الرضى التي كانت تسود بين سكان المناطق العراقية السنية الخاضعة للحكومة العراقية التي تُسيطر عليها أغلبية شيعية بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي، تمكّن “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام- داعش” إلى جانب الجماعات المتحالفة معه، من السيطرة على مدن رئيسية في محافظة الأنبار في يناير 2014. في حين، لم يتمكن الجيش العراقي، الذي تنخره عدم الكفاءة والفساد، من استعادة السيطرة على هذه المدن بما في ذلك الفلوجة وأجزاء من الرمادي.

في بداية يونيو، شن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى جانب حلفائه من البعثيين وجماعات القبائل السنية هجوماً جديداً، حيث بسط التنظيم سيطرته في 9 يونيوعلى الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، تليها تكريت مما دفع أفراد الجيش العراقي إلى الهروب مخلّفين ورائهم معدات حربية أمريكية استولى عليها التنظيم بما في ذلك مركبات مسلحة وبعض الدبابات. وفي بداية شهر أكتوبر، سقطت محافظة الأنبار بالكامل بيد التنظيم، فضلاً عن أجزاء من محافظة ديالي ونينوى مما دفع آلاف العراقيين من الأقليات غير المسلمة مثل اليزيديين والمسيحيين إلى الفرار إلى الأراضي الكردية في شمال العراق وتركيا.

في 29 يونيو أعلن أبو بكر البغدادي إقامة الخلافة في جميع المناطق التي تخضع لسيطرة التنظيم في العراق وسوريا (معظمها في الشمال)، ونصبّ نفسه خليفةً للمسلمين الذي بات يُعرف اليوم بأمير المؤمنين إبراهيم الخليفة، في حين تم تغيير اسم التنظيم من “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى “الدولة الإسلامية”، ودعا جميع المسلمين إلى طاعة الخليفة الجديد. وتم تطبيق قوانين صارمة في جميع المناطق الخاضعة لسيطرة “الدولة الإسلامية” بعد التفسيرات المتطرفة للشريعة من قِبل البغدادي ومستشاريه.

عندما حاصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، في هجومه على شمال وغرب العراق، آلاف اليزيديين من رجالٍ ونساء وأطفال في جبل سنجار شمال العراق، قرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما التدخل: بدأت الغارات الجوية في 8 أغسطس، في حين بدأت الغارات الجوية في سوريا على “تنظيم الدولة” وبعض الأهداف الإستراتيجية الأخرى في 23 سبتمبر. في غضون ذلك، بدأ أوباما بحشد تحالف دوليّ معارض “للدولة الإسلامية” ووعد بـ”إضعاف وتدمير التنظيم”، ولكن إلى الآن، وبالرغم من مرور شهرين على غارات التحالف، إلاّ أنه لا يوجد أي تغيير جذري وملموس على أرض الواقع.

مصادر دعم تنظيم “الدولة الإسلامية””

لا تزال المصادر الأولية لدعم “الدولة الإسلامية، أي المصادر التي مكنت التنظيم ومنذ البداية التمتع بمثل هذه القوة والقدرة على السيطرة على مناطق شاسعة، يشوبه الضباب. وبالرغم من تأكيدات وسائل الإعلام تورط بعض الحكومات، إلا أنها تفتقر إلى أدلة دامغة أو لا أساس لها من الصحة ، بينما اتهمت كل قوة في المنطقة منافسيها بتمويل “داعش” لخدمة أجندتها السياسية. وضعت كل من اسرائيل وتركيا وإيران وسوريا والمملكة العربية السعودية وقطر في قفص الإتهام بتمويل التنظيم، إلا أنّ أياً من هذه الدول أعلنت دعمها أو تأييدها “للدولة الإسلامية”. ولا ينشر تنظيم “الدولة الإسلامية” أي معلومات حول موارده المالية، إلا أن الرائج أنّ الجماعة تموّل من قِبل مانحين على الصعيدين الإقليمي والدولي، إلى جانب بعض الموارد التي تمكن التنظيم من اغتنمها بنفسه.

وجهت وسائل الإعلام أصابع الإتهام ضمناً أو صراحةً لبعض الحكومات، بدعمها محاولات “الدولة الإسلامية” الدفاع عن نفسها بالقول أنّ مثل هذا الدعم “غير رسمي” ولا يمثل الحكومة. كما يزعمون أنّ بعض الجمعيات والأفراد المقتدرين مجهولي الهوية يقدمون الدعم المالي لتنظيم “الدولة الإسلامية” وأنّ هذا الدعم يقوم على أسس دينية وعقائدية. تتمركز هذه الجهات المانحة على وجه الخصوص في البلدان السنية في الخليج مثل قطر والسعودية والكويت، ويزعمون أنّ تحويل هذه الأموال يتم عبر مجموعة متنوعة من القنوات، لذا يصعب تتبعها وإيقافها. هذا وتضغط الولايات المتحدة الأمريكية على الكويت لإغلاق القنوات المستخدمة لنقل الاموال من الجهات المانحة في دول الخليج. اليوم، يجمع التنظيم مبالغ طائلة من الضرائب والجزى التي يفرضها على سكان المناطق التي يُسيطر عليها في العراق وسوريا، إلى جانب ذلك يقوم التنظيم ببيع النفط الخام من حقول النفط التي استولى عليها، فضلاً عن الأموال الضخمة التي استولى عليها ببساطة من البنوك في الأراضي الخاضعة لسيطرته.

يُنشىء تنظيم “الدولة الإسلامية” حسابات بنكية ومعاملات تحت أسماء لافراد أو شركات وهمية. ومحلياً، يتولى مسؤول يُطلق عليه “أمين الحسبة”، أي المدير المالي، امور المعاملات المالية والأجور في “الدولة الإسلامية”.

عندما سيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على مدينة الموصل، شمال العراق، استولى على 500 مليون دينار عراقي (ما يعادل 425 مليون دولار أمريكي) من البنك المركزي للمدينة. هذا المبلغ الضخم، إلى جانب عمليات السطو على بنوك أخرى، زوّد التنظيم بما يكفي من الموارد لتشغيل عملياته العسكرية ودفع رواتب الآلاف من المقاتلين (الأجانب) لفترة طويلة. علاوة على ذلك، حدّت مصادرة تنظيم “الدولة الإسلامية” للأسلحة من الجيش العراقي في الموصل وغيرها من المدن في العراق وسوريا من نفقات التسلح “للدولة الإسلامية”.

 

image_pdfimage_print