فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / التطرف / لمَ يجذب القتال في سوريا أعدادا أكبر من التونسيين وأقل من الجزائريين

لمَ يجذب القتال في سوريا أعدادا أكبر من التونسيين وأقل من الجزائريين

IS foreign fighters
مقاتلان من جيش الاسلام (داعش) – حلب -سوريا 17 أكتبر 2013 Photo Zuma Press ©Hollandse Hoogte

سافر عشرات الآلاف من المقاتلين من 81 دولة مختلفة وخلفيات متنوعة إلى سوريا للقتال إلى جانب المنظمات المتطرفة منذ عام 2012. يحرك هؤلاء المقاتلين الأجانب مجموعة واسعة من الدوافع، فبعضهم يسعون لإقامة الخلافة الإسلامية، في حين يهدف آخرون إلى محاربة الظلم، بينما يذهب الكثير منهم لأهداف مادية. وبغض النظر عن دوافعهم، يُخاطر هؤلاء المقاتلون بحياتهم عن طريق السفر إلى سوريا التي مزقتها الحرب، وفي العديد من الحالات ينخرطون بالقتال.

ومنذ يناير 2015، وصلت التقديرات بمشاركة المقاتلين الأجانب من خمس بلدان من شمال إفريقيا، ألا وهي الجزائر، ومصر، وليبيا، والمغرب، وتونس إلى 5350 مقاتل في المنظمات المتطرفة في سوريا، حيث قُدِّر عدد المقاتلين من تونس وحدها 3000 رجل. في حين وصلت أعداد المقاتلين من كل من الجزائر، ومصر، وليبيا، والمغرب إلى 250، و360، و600، و1,500 على التوالي. كما أوقفت السلطات المحلية في هذه البلدان العديد من المقاتلين من السفر إلى سوريا.

قد تبدو الحالة التونسية الأكثر دهشة. فحتى خلال حكم الأنظمة الديكتاتورية، لطالما تمتعت تونس بسمعتها كدولة تسعى إلى السلام والاستقرار. ومع ذلك، منذ الثمانينات، سافر التونسيون، على غرار العديد من جيرانهم في شمال افريقيا، إلى أفغانستان والبلقان والعراق ولبنان للقتال من أجل المسلمين المضطهدين. وذات يوم قال الأب المؤسس للدولة الإسلامية، أبو مصعب الزرقاوي، لو أن ابن قردان (وهي بلدة صغيرة في جنوب تونس) كانت بجانب الفلوجة، لتم تحرير العراق. وكان يعني الزرقاوي آنذاك أنّ المقاتلين التونسيين من بن قردان يتمتعون بالشجاعة والإخلاص، وإنه إذا ما كانوا يعيشون بالقرب من ساحة المعركة، لكان ذلك كافياً لإخراجهم الأمريكان من العراق. وعلى الرغم من أنه كان يُثني عليهم، إلا أنّ اقتباسه هذا كان يعني أن التونسيين كانوا يقاتلون في العراق منذ بداية عام 2000، أي قبل الربيع العربي وصعود الدولة الإسلامية أو ما بات يُسمى بداعش.

الهجرة المحفوفة بالمخاطر ليست ظاهرة غريبة على شمال افريقيا. وكما يتضح من العديد من الحوادث المأساوية، خاطر الآلاف من الأفارقة الشماليين، عن طيب خاطر، بحياتهم من قبل من خلال الأقدام على الإبحار بقوارب غير صالحة من أجل تحقيق حياة أفضل في أوروبا. واستمروا في فعل ذلك بالرغم من من معرفتهم أن حياتهم في أوروبا قد لا تجلب لهم بالضرورة السلامة والكرامة والإزدهار.

وتماماً كحال أوروبا، فإن القرب الجغرافي لشمال افريقيا يوفر “باب خلفي” مفتوح نسبياً لهجرة المقاتلين الأجانب إلى سوريا. كما أن العلاقات في البلد المضيف من الأقارب والأصدقاء أو العلاقات الافتراضية على شبكة الإنترنت، يشجعون ويطمأنون المقاتلين. وفي كثير من الحالات، تسهل الشبكات الجهادية هذه العملية، ولكن على عكس شبكات الهجرة غير الشرعية، تدفع المنظمات الإرهابية في الدولة المُضيفة ما معدله 3000 دولار للتجنيد الواحد. يُشجع هذا المجندين الجهاديين ومن يُجندونهم على حد سواء.

ويقال أن التنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية يدفع رواتب شهرية تُقدر بـ50-2000 دولار لمجنديهم. يدعمونهم بنفقات المعيشة ويوفرون لهم فرص عمل تناسب مهاراتهم واهتماماتهم. يلقى هذا صدى جيد بين فئة الشباب، نظراً لارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في شمال افريقيا (30%)، وقلة رواتب العاملين، وخريجي الجامعات عديمي الخبرة (إذ أنها منخفضة وتصل إلى 100 دولار/ الشهر).

كما تُقدم هذه المنظمات العنيفة هدفاً حياتياً لمعظم هؤلاء الشباب، وهو غرض تعجز حكوماتهم عن تلبيته. فالفظائع التي يرتكبها نظام الأسد في سوريا وظلم نظام المالكي السابق في العراق، في ظل صمت المجتمع الدولي، يُعزز ما يسمى بالسرد الجهادي. وينظر العديد من المقاتلين الأجانب إلى الجهاد كمن يمنحهم هدفاً في الحياة، ولا يتمثل هذا بالضرورة بالوفاء بواجب “إسلامي” بل من مبدأ إنقاذ المظلوم من الظالم.

ومن الضروري فصل أعمال المتطرفين الهمجية عن الإسلام، ولكن لا ينبغي للمرء أن يصرف أهمية مفهوم الجهاد في الحملات الترويجية لداعش وغيرها من التنظيمات المماثلة. فقد أثبت العديد من الشباب في شمال افريقيا أنهم عرضة لفكرة السعي للجهاد وإقامة الخلافة تماماً كما في القرون الوسطى من أجل إرضاء الله. وبالتالي سرعان ما يقعون ضحايا للسرد الباطل المستوحى من الإسلام. وفي العديد من الحالات، يستخدم خطباء السُنة المتشددين مفهوم الجهاد لتضليل الشباب المحرومين عن طريق سحبهم إلى جحيم التطرف والعنف.

وعلى صعيدٍ أخر، فإن الفترات الإنتقالية التي شهدتها كل من مصر وليبيا وتونس بعد ثورات 2011 وضعت حداً لحقبة الاستقرار “الكاذب” التي فرضته الأنظمة الديكتاتورية من خلال تكميم حرية التعبير والفكر وبالتالي باتت مؤخراً كل من مصر وليبيا وتونس أكثر عرضة للتطرف من الجزائر والمغرب. ويعتقد البعض أن المؤسسات المعادية للثورة، بما في ذلك وسائل الإعلام،استخدمت أجندة الإرهاب لإثبات أن الدول كانت أفضل حالاً قبل عام 2011.

تونس

بينما وفر نظام بن علي الأمن والأمان، إلا أنه قمع الحوار والتعليم الإسلامي. فقد فتحت حقبة ما بعد ثورة 2011 الأبواب على مصراعيها أمام المجتمع التونسي فيما يتعلق بالحرية والديمقراطية، مما فتح المجال أمام الدعاة المتعصبين لغسل أدمغة الشباب المحبطين عن طريق وعظهم بالجهاد. وفي عام 2011، أصدرت الحكومة عفواً عاماً عن 2000 سجين. وسرعان ما شكّل البعض منهم منظمة إرهابية تونسية باسم أنصار الشريعة. والأهم من ذلك، وبعد سقوط نظام القذافي عام 2011، انتشرت الأسلحة في الصحراء التي ينعدم فيها القانون على الحدود التونسية الليبية، مما وفر فرصة استثنائية للمتطرفين لتدريب المجاهدين الجدد قبل انتقالهم إلى سوريا.

مصر وليبيا

التطرف العنيف على أرض الواقع في كل من مصر وليبيا يوّضح نسبياً لجوء أعداد قليلة من الليبيين والمصريين للقتال في سوريا (600 و360 على التوالي). عوضاً عن ذلك، يقاتلون على أراضيهم. وفي شمال ليبيا، شهدت عودة المقاتلين الليبيين إنشاء فرعٍ لداعش في البلاد والذي بات بالفعل يُسيطر على بعض المناطق هناك. فهم يقاتلون كلا الحكومتين الحاليتين في ليبيا ولديهم خطط للتوسع داخل البلاد وخارجها، حيث يزدهر التنظيم في بيئة تشهد فشل الدولة واضطرابات أهلية. أما في مصر، تشن الدولة الإسلامية ولاية سيناء (أنصار القدس سابقاً) هجمات إرهابية شبه يومية في شمال سيناء ولديها خطط للتوسع في أجزاء أخرى من البلاد. وقد اجتذب التطرف الإرهابي الكثير من الشباب المحرومين من حقوقهم السياسية والإنسانية من قِبل حكومة الرئيس السيسي من خلال تزويدهم بطريقة “هادفة” لإعادة تحصيل حقوقهم.

الجزائر والمغرب

بشكلٍ غير متوقع، تُمسك كل من الجزائر والمغرب بزمام أمور تحدي المقاتلين الأجانب على نحوٍ أفضل. فقد وظفوا خبرتهم الواسعة في مجال مكافحة الإرهاب والوضع السياسي المستقر لحماية جيلها الشاب والنجاح بتفكيك الشبكات الإرهابية ومنع الأفراد من السفر إلى سوريا. واعتباراً من الأول من يناير 2015، وصل عدد المقاتلين المغاربة في سوريا إلى 1500 مقاتل بينما وصلت أعداد الجزائريين إلى 250. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ ذاكرة الجزائريين، التي لا تزال حية، حول عقدٍ من إراقة دماء أبنائهم باسم الجهاد (منذ عام 1991 إلى 1997) جعل من الصعب على أمثال داعش جذب اهتمام الشباب الجزائري.

 

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©Hollandse Hoogte | ©Hollandse Hoogte

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.