تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

سامي كلارك: صوت كل الأجيال

سامي كلارك
سامي كلارك في Expo Horizon MangaCon ، 2018. (الصورة مأخوذة من حساب المغني على Facebook / Emad Mohamad / imograf)

يوسف شرقاوي

شكّل المغنّي اللبناني سامي كلارك لوحده التراث اللامادي للطفولة العربية. استطاع بإرثه الضخم، أن يكون ذاكرةً للأجيال، سواء في العصر الذهبي، أو عند تمزّق الأحلام في الحرب. رافق سامي كلارك الحياة العربية بكل الهزائم والخسارات والأحلام والخوف، فيما كان يقف هو ليدعو للسلام.

حياة عصفور يغنّي بلغات عديدة

وُلد سامي كلارك في قرية “ضهور الشوير” اللبنانية، عام ١٩٤٨. ولدته أم تعزف البيانو فأكسبته حب الموسيقى، واكتشف هو موهبته حين التحق بفرقة الموسيقى العسكرية. أراد أن يتخصص في الموسيقى، لكن والده العسكري أصر على دخوله كلية الحقوق في «الجامعة اليسوعية». ليتركها بعد عامين من الدراسة ويتفرغ لعالمه وأحلامه الموسيقية.

الأم التي غنّت معه في البيت، سوف تكون موضوع أول أغنية له. قدّم كلارك أول أغنية له في الإذاعة اللبنانية مع جورج عزيز وماري لويز عزيز، وكانت من تأليفه وألحانه، تدور حول عيد الأم. يقول سامي إن إصراره هو الذي أخذ به إلى درب الغناء: “اجتهدت ودرست الصوت في المعهد الموسيقي الوطني، ودرست لسنة ونصف مسرح في معهد الفنون الجميلة. ثم تابعت دراسة الصوت وحركة المسرح لتسعة أشهر في النمسا”.

غيّر سامي اسمه الأخير من “حبيقة” إلى “كلارك” وهو اسم عصفور، كي يسهل انتشاره في العالم. وغنّى كلارك بلغات كثيرة، هي إلى جانب العربية: الإيطالية والفرنسية والإنجليزية، والألمانية والأرمنية واليونانية والروسية. شكّل كلارك بتلك اللغات ظاهرة فنية عصرية في موسيقى “البوب” اللبناني. جاءت أغانيه وألحانه المتأثرة بالأغنية الشعبية الفرنسية والبوب الأوروبي، جريئة ومتصالحة مع هويتها الغربية. تعترف بها لتطرح نمطاً عصرياً يشبه لغة جيلها وأهوائه وسلوكياته وتذوّقه الفني المتأثر بالغرب.

نجح كلارك في توظيف خامته الصوتية الأوبرالية منذ سبعينات القرن الماضي للغناء الغربي. ونجح في المزج اللغوي في الغناء بين العربية وغيرها، خصوصاً ما عرف بأغنية الـ “فرنكو-أراب”.

 

المجد، الوطن والسلام

بدأ كلارك بصنع مجده الفني منذ ١٩٧٠. وقف بإطلالته العصرية وتسريحته الشهيرة في أحد المهرجانات الفنية في اليونان، وغنى “jamais jamais”، التي تحكي قصة شاب لبناني حمل الجيتار وسافر من مكان إلى مكان.

تعاون تلك الفترة مع الفنان إلياس الرحباني، وجابا معاً مسارح العالم لمدة تربو على الثلاثين عاماً.

شرع كلارك ثقافة وموسيقى لبنان على العالم، وثقافة العالم وموسيقاه على لبنان، في زمن انغلاق لبنان على ذاته، كما يقول ميشال الكيك.

مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان سنة ١٩٧٥، كان صوت كلارك وعداً بالسلام.

لا يستطيع جيل السبعينات والثمانينات اللبناني أن ينسى صوته الذي وعد بأيام أجمل، وبطمأنينة آتية.

غنّى كلارك في تلك الفترة للوطن والسلام، كما أسس جمعية «نيو ليبانون» (١٩٧٦) التي تمكنت من استقطاب أكثر من ١٤ ألف شاب من شطري العاصمة المقسومة بيروت لوقف حد لمسلسل الدماء. وقدّم ألبوماً وطنياً كاملاً في الثمانينات، من أغانيه: «أرضي أرض البطولة»، و«وطني الحب وطني النار»، و«أنا جايي من الأحزان»، و«اسمي كتبتو عحد السيف»، و«أوتوبيس الثورة جايي»، و«وقف الشعب ورفع الصوت»، و«تايعيشوا ناس ويموتوا ناس».

صار صوت كلارك بعد ذلك مرتبطاً بالذاكرة الشعبية التي تستحضر الحرب. “فأغنياته استحالت مرادفاً مباشراً لذكريات الحرب التي تتحول إلى نوستالجيا عندما تترافق مع صوته، فعمدت الدراما العربية الحقبوية التي ترصد تلك المرحلة، لتضمين شريط الصوت غالباً لأغنية من «ريبرتواره» في دليل على أنه كان وبحق «صوت فترة الحرب الأكثر بروزاً»”.

أكمل كلارك مشروع دعوته إلى السلام بأغنيات ذات موضوعات إنسانية كثيرة، منها: الأغنية المخصصة للصليب الأحمر، وحقوق المرأة، ووهب الأعضاء.

صوت الطفولة وذاكرتها

يُعد تأديته لشارات بعض مسلسلات الكرتون وهج شهرته الأكبر. تحديداً سلسلة “غرندايزر” وقد عرّب كلماتها من اليابانية موفق شيخ الأرض عام ١٩٧٩، وسلسلة “جزيرة الكنز” وأغنيتها “ها نحن ذا على دروب كنزنا” التي عرّب كلماتها من اليابانية جوزيف خوري عام ١٩٨٣.

ترتبط أغانيه تلك بالذاكرة الطفولية الجمعية في العالم العربي، في حالة مستمرة من النوستالجيا لزمنٍ يكون معافى، ونقياً. زمن تتوق الأرواح فيه للشجاعة والبطولة والخلاص، بعد أن فقد كل ذلك. كانت تلك المرحلة شائكة، مهددة بالانهيار، فجاء الصوت وجدانياً، يشبه النداء.

YouTube video

 

تقول كلمات أغنية غرندايزر:
“هَذه الأرضُ يا غِرِنْدايزَرْ كَوكَبٌ صَغير
خَيرُها يَزهو، حُبُّها يَسمُو، للعَدلِ الفَسيح
دافِعُوا، دافِعُوا، حتَّى تَفُوزوا، بِالحُبِّ العَظيم
فالخَيرُ عَميمْ”.

يقول المؤلف الموسيقي عبد القبيسي “إنه لا يمكن تقديم مقاربة نقدية علمية لإنتاج كلارك لأن أغانيه ترتبط بذاكرتنا الطفولية الجماعية الجميلة”. وإنّ سرّ تعلّقنا وحفظنا لأغاني كلارك “لأنه كان صوتاً مميّزاً ومتمرّساً وخالياً من الاستعراض الفائض الذي كان سائداً ولا يزال لدى غالبية مغني البوب اللبنانيين، واستطاع أن يصل الى المستمع (الطفل تحديداً) لأنه استخدم صوته بصدق وحب ولم يقحم الهويات الفنية في أعماله”.

رحل سامي كلارك عن عالمنا في ٢٠ شباط، تاركاً إرثاً غنائياً يفوق ٧٠٠ أغنية، معروفاً أنه استطاع أن يكون “صوت كل الأجيال”.

حقق العصفور الذي غنّى بلغاتٍ عديدة مقولة الفيلسوف نيتشه: “حين يكون الإنسان مسكوناً بهذه القوى يصبح قبل كل شيء فناناً، بل يغدو هو ذاته عملاً فنياً”.