وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ريم بنّا: صوت فلسطين

الفنانة الفلسطينية ريم بنّا كانت رمزاً ملهماً للنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما أنها كانت رمزاً للصراع ضد مرض السرطان، سيّما وأنها تفوقت عليه أكثر من مرّة خلال سنوات العلاج.

ريم بنّا
صورة تم التقاطها يوم 8 يناير 2009 للمغنّية الفلسطينية ريم بنّا في حفلة اقامتها في دمشق. وأصرّت بنّا خلال الحفلة على أداء اغانٍ تجسّد الجوانب المختلفة للحياة الفلسطينية، بما في ذلك السعادة، والحب والحرب والمقاومة. المصدر: LOUAI BESHARA / AFP.

يوسف شرقاوي

بعد مرور سنواتٍ على رحيلها، ما تزال المغنية الفلسطينية ريم بنّا تجسّد بصوتها فلسطين وتطلعات الشعب الفلسطيني.

ريم بنّا استطاعت بموسيقاها تقريب الفلسطينيين من بعضهم البعض على مختلف مشاربهم وأطيافهم السياسية. ويمكن القول إن موسيقى ريم قلّصت المسافات، وحطّمت جدران الفصل، وخالفت حظر التجول.

لم تنطلق ريم إلا من صوتٍ واحد هو صوت فلسطين. وفي صوتها، كان المسيحيون والمسلمون. كانت في صوتها كلّ الفصائل الفلسطينية، واجتمعت في موسيقاها غزة ورام الله حتى صار التراب الفلسطيني بأكمله جسداً واحداً. وبفضل هذه الرؤية، تمكنت ريم من تأكيد الثقافة الفلسطينية، في كل أنحاء العالم.

ولادة غزالة

جاءت ريم بنّا إلى الدنيا في مدينة الناصرة عام 1966، لأمٍّ قادت حركات نسوية، هي الشاعرة زهيرة صباغ.

ومنذ أن كانت في العاشرة من عمرها، شاركت ريم بالاحتفالات التي كانت تقام في المدرسة المعمدانية حيث درست. كما أنها شاركت في العديد من المهرجانات والمناسبات الوطنية التي كانت تقام في الناصرة.

اختارت لنفسها طريق الغناء، فقررت السفر إلى موسكو للدراسة في المعهد العالي للموسيقى هناك.

وفي عام 1985، أصدرت ريم ألبومها الأول الذي حمل اسم “جفرا”، وكانت حينها تبلغ العشرين من عمرها.

ريم أصدرت ألبومها الثاني “دموعك يا أمي” عام 1986. بعدها، تعرّفت على الموسيقي الأوكراني ليونيد أليكسيانكو، ثم تزوجت منه عام 1991، وهي السنة الأخيرة من إقامتها في العاصمة الروسية، قبل أن تعود إلى الناصرة في السنة نفسها.

في عام 1993، أطلقت ريم ألبومها الثالث “الحلم”، لتنطلق بعد ذلك بمشروعها النضالي الملتزم.

النضال

لم تترك ريم عباءتها الفلسطينية التراثية، فهي تميّزت بها وعملت على نشر فن التطريز. كان مشروعها “إعادة إحياء” ما تمّ نسيانه.

ولم تتوقّف ريم عند حدّ نشر الملابس التراثية الفلسطينية، بل مضت في مشروعٍ يهدف لحماية التراث اللامادي الفلسطيني. وبدأت ريم بتسجيل أغاني الأطفال التي ترددها الجدات وانتقلت إلينا بالتواتر الشفوي ولم تتم أرشفتها. وعلى هذا الأساس، فقد خصّصت لهذه الأغاني ألبوم “قمر أبو ليلة” الصادر عام 1995 وألبوم “مكاغاة” الصادر عام 1996.

موسيقى ريم تنتمي إلى الفن المتمركز حول الثقافة، فهي سعت لـ “إعادة تقديم – وأحيانًا إعادة ابتكار – الماضي في صورة أكثر معاصرة وحيويّة”.

الالتزام القيمي عند ريم، كما تقول الكاتبة إسراء عرفات، شكّل “دعامة ومبدأ أساسياً، فكان انحيازها الصريح لقضيّة شعبها الفلسطينيّ، ودفاعها عن حقوقه على طول مسيرتها الفنّيّة”.

ولم يتوفق التزام ريم بالنضال عند القضية الفلسطينية فحسب، بل أنّها مضت أيضاً في طريقها لتلتزم بقضايا الشعوب العربية الأخرى. وكان هذا الأمر واضحاً من خلال انحيازها الكامل لثورات الربيع العربي.

هذا الالتزام النضالي يظهر بوضوح في ألبوماتها. وعلى سبيل المثال، فإنّ ألبوم “مرايا الروح” مخصّصٌ للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية. أمّا ألبوم “لم تكن تلك حكايتي”، فهو مخصّص للشعبين اللبناني والفلسطيني. ويتضمن ألبوم “مواسم البنفسج” أغاني حب من فلسطين. وفي نفس السياق، فإن ألبوم “نوّار نيسان”، يتضمن مجموعة أغانٍ مُهداة إلى الأطفال الفلسطينيين اللاّجئين. وفي ألبوم “صرخة من القدس”، تشاركت ريم مع فنانين فلسطينيين. ومن ألبوماتها النضالية أيضاً ألبوم “تجلّيات الوَجْد والثورة”.

ويعتبر الفلسطينيون أنّ كلمات معظم أغاني ريم قريبة لوجدان وثقافة وتاريخ مجتمعهم وبلدهم. ويعود السبب في ذلك إلى تعبير ريم على مرّ سنوات النضال عن معاناة الشعب الفلسطيني وهواجسه وأحزانه وآماله. كما أنها انفردت بتقديم التهاليل التراثيّة الفلسطينيّة التي التصقت باسمها.

تأريخ المآسي

يقول طارق حمدان إنّ ريم ولدت في عام “الكذبة الكبيرة”. ففي هذا العام، وهو عام 1966، ادعت دولة الاحتلال، والقول لحمدان، “إعطاء الحقوق للفلسطينيين المتبقين في أراضي الـ48”. لكن هذا العام تلته نكسة حزيران. وسط خيبة الأمل تلك، ترعرعت ريم في نابلس ورأت بعينيها أشكال العنصرية الإسرائيلية وفرض قوانين الاحتلال ومصادرة أملاك كلّ ما هو فلسطيني. ريم عاشت تلك الممارسات، ورأت مستوطنين بوجوهٍ ولغات كثيرة يزدادون يوماً بعد يوم ويأتون لالتهام كل ما يحيط بها.

لهذا السبب، فقد كان من الطبيعي أن تحاكي أغاني ريم الواقع والحياة اليومية للفلسطينيين. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه المحاكاة كانت مستمدة من حياة ريم المنصهرة بالوقائع التاريخية المؤلمة التي عاشها الفلسطينيون.

بعد اتفاقية أوسلو وبيع الأوهام، ستنتبه ريم بوعيها المبكر، وتذكّر بكلمات الشاعر سميح القاسم في ألبومها “الحلم”: “احكي للعالم احكي له/ عن بيت كسروا قنديله.. لماذا صارت أيدينا بحبال اللعنة مجدولة”.

لقد أرّخت ريم سيرتنا الذاتية لأكثر من ثلاثة عقود من الموسيقى والمقاومة.

الألفية الثالثة والأطفال

اتخذت أغاني ريم في الألفية الثالثة بعداً جديداً، مختلفاً عن البعد التراثي والذاكرة.

في ألبومها “وحدها القدس بتبقى” الصادر عام 2001، عبّرت عن انتقادها تحويل القضيّة الفلسطينيّة إلى “تْرِنْد” وموضة فنّيّة شائعة. وبذلك أكّدت على أنّ الشعب الفلسطينيّ وقضيّته “يسموان فوق الحالة التي يظهران عليها في الفنّ العالميّ”.

أصدرت ريم سنة 2007 ألبوم “مواسم البنفسج” الذي تضمن مجموعة من أشعار الحب من فلسطين. وعادت ريم مع هذا الألبوم لتسليط الضوء على الأغاني والأشعار العاطفية الفلسطينية، التي أهملت بعد أن اقترنت الأغنية الفلسطينية بالسياسة في تلك الأعوام. وفي سنة 2009، أصدرت ألبوم “نوار وبيسان”، لتعود به إلى أغاني الأطفال مرة أخرى. وأهدت الألبوم إلى الأطفال اللاجئين الفلسطينيين أينما كانوا.

تقول المعالجة بالموسيقى رنين حنّا: “لم تأت ريم بأغاني الطفولة لتمنح الطفل معلومات ومضامين علميّة/ وعظيّة، إنّما لتدخله عالمًا مليئًا بطبيعة وجغرافيا الوطن، والعادات والتقاليد، والقيم التكافليّة، ودفء المشاعر”.

الإرث والجوائز

أصدرت ريم خلال حياتها 13 ألبوماً. وتلقّت أثناء مسيرتها الفنية عدّة جوائز، منها تكريمها كشخصية العام وسفيرة السلام في إيطاليا عام 1994، وشخصية العام من وزارة الثقافة التونسية عام 1997. كما فازت بجائزة فلسطين للغناء عام 2000 وبجائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2013.

كلمات أخيرة

تعتبر ريم رمزاً ملهماً للنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما أنها رمزٌ للصراع ضد مرض السرطان، سيّما وأنها تفوقت عليه أكثر من مرّة خلال سنوات العلاج.

في حفل اختيارها شخصية العام الثقافية 2016، قالت ريم: “صوتي كان سلاحي الوحيد ضد الاحتلال، ضد إرهاب إسرائيل التي قتلت وشردت وذبحت وحاصرت ونفت، وما زالت تمارس أبشع جرائمها ضد الشعب الفلسطيني. ولكن إذا بتّ غير قادرة على العودة إلى الغناء، فهذا لا يعني أن سلاحي سقط.. سلاحي لم يسقط، لأني ما زلت قادرة على تقديم الكثير لخدمة شعبي وفلسطين الوحي الأول والأخير”.

وأضافت: “بالنسبة لي، فلسطين الخطوط الحمراء، وأتحدث عن فلسطين التاريخية، فلسطين الكاملة من الشمال إلى الجنوب.. بالنسبة لي هذا التكريم هو لفلسطين التاريخية، ولأرواح الشهداء، وكل الأسرى والمعتقلين، ولكل اللاجئين الفلسطينيين الذين ننتظر يوم عودتهم إلى بلداتهم الأصلية”.

قبل أيام من رحيلها في 24 مارس 2018، كتبت ريم آخر كلماتها: “”بالأمس، كنت أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي. فكان عليّ أن أخترع سيناريو. فقلت: لا تخافوا. هذا الجسد كقميص رثّ. لا يدوم. حين أخلعه، سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق. وأترك الجنازة وخراريف العزاء عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام… مراقبةً الأخريات الداخلات.. والروائح المحتقنة.. وسأجري كغزالة إلى بيتي”.

وأضافت: “سأطهو وجبة عشاء طيبة. سأرتب البيت وأشعل الشموع وأنتظر عودتكم في الشرفة كالعادة. أجلس مع فنجان الميرمية. أرقب مرج ابن عامر. وأقول: هذه الحياة جميلة. والموت كالتاريخ؛ فصلٌ مزيّف”.

كانت ريم إذن، كما يقول فادي إصليح، “رمزاً للفلسطيني الذي خسر بلاده وتشتت شعبه وظل فوق أرضه”. ويضيف: “ولدت والحكم العسكري الإسرائيلي في الأفق. وشكلت مع أبناء جيلها ما سيسمى الجيل الثاني للنكبة. في خسارتها انقضاء مرحلة. وفي موسيقاها تسجيلٌ لمحطات مهمة فيها”.

تجاوزت ريم، كأبناء جيلها، المنظومة القهرية التي خلقها الاحتلال الإسرائيلي وما لحقها من عوارض لدى فلسطينيي الداخل. هذه العوارض تشمل الرعب والخوف من الهوية الفلسطينية، وإنكار الذات، والانزواء في هوامش النشاط السياسي.

شحنت أغاني ريم قطاعاتٍ من الشباب الفلسطيني. ووفرت للهوية الفلسطينية منافذ أخرى لتعزيزها. وكانت صوتاً من الداخل وصل العالم حين لم يكن العالم يعلم بوجوده.