فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / قانون الأسرة و الأقليات / تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة: “انتهزوا الفرص من الأزمات.”

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة: “انتهزوا الفرص من الأزمات.”

Specials- Tunisia Women's Day
تونسيون يرددون هتافاتٍ خلال مظاهرةٍ للاحتفال بعيد المرأة في تونس ويطالبون بالمساواة في الميراث بين الرجال والنساء، في 13 أغسطس 2018 بالعاصمة تونس. Photo AFP ©AFP ⁃ FETHI BELAID

تم تجاهل الرد المبدئي للأحزاب السياسية التونسية والمجتمع المدني والإعلام على التوصيات التي طال انتظارها من قبل اللجنة الرئاسية المعنية بالحريات الفردية والمساواة (لجنة الحريات الفردية والمساواة)، والذي صدر في 8 يونيو 2018.

فقد أُنشئت لجنة الحريات الفردية والمساواة في 13 أغسطس 2017 – الذي يُصادف اليوم الوطني للمرأة التونسية – وكُلفت بمواءمة قوانين البلاد مع الدستور الجديد، والذي تم تبنيه في عام 2014 بعد الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في عام 2011.

ويتزامن نشر التقرير، المكون من 300 صفحة، مع أزمةٍ اقتصادية وسياسية عميقة، ذلك أن عدم قدرة الحكومة على التغلب على عدم الثقة واستمرار الصراعات على السلطة وتضارب المصالح، قد بلغ ذروته في خضم الشلل السياسي، مما جعل محاولات الدفع بعجلة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الضرورية أمراً مستحيلاً. وفي الوقت نفسه، عانى عددٌ كبير من التونسيين من انخفاضٍ حاد في الدخل، بسبب ارتفاع التضخم وهبوط سعر صرف الدينار وارتفاع معدل البطالة. فالانقسامات الاجتماعية القديمة أصبحت غير واضحة ويتم استبدالها بانقساماتٍ جديدة إلى جانب زيادة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

وأخيراً، استجاب الرئيس الباجي قائد السبسي لدعوات لجنة الحريات الفردية والمساواة للإصلاح، معلناً عن خططٍ لتقديم مشروع قانونٍ إلى البرلمان يساوي بين الرجال والنساء في الميراث- وهي إحدى توصيات التقرير. وقال في كلمته السنوية التي بثها التلفزيون “نقترح أن تصبح المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة قانوناً،” مضيفاً أنه من يريد تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية في توزيع الإرث فله ذلك: حلٌ وسط يستند إلى “النسخة المخففة” من التوصية بشأن قانون الميراث الذي اقترحته اللجنة الرئاسية.

فقد طرح رد السبسي، الذي وصفه بعض النشطاء على الفيسبوك برد الفعل الأقل من المطلوب والذي جاء بعد فوات الأوان، السؤال حول ما إذا كان تعمير تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مضموناً. فالصمت السياسي لا يُبشر خيراً، وحتى الآن، لم يتخذ سوى عددٌ قليل من الأحزاب السياسية، مثل حزب المسار اليساري، موقفاً رسمياً بشأن توصيات اللجنة.

الاستراتيجية الجنسانيّة

إن القصد من إصلاح قانون الميراث، القائم حالياً على الشريعة الإسلامية ويمنح الرجال ضعف ما تحصل عليه النساء، له قيمة استراتيجية ورمزية هامة لكلٍ من المجتمع التونسي والمؤسسة السياسية. وليس من قبيل المصادفة تحدث السبسي خلال خطابه بإسهاب عن تاريخ البلاد فيما يتعلق بحقوق المرأة. فالمرأة عنصرٌ أساسي في حماية سمعة تونس باعتبارها الدولة الأكثر تقدماً في العالم العربي. وحتى الآن، ظل قانون الميراث صامداً في وجه الإصلاحات المتتالية لتعزيز حقوق المرأة، التي انتُقدت أحياناً على أنها أداةٌ لأغراض سياسية أخرى من قبل الرئيس التونسي الأول الحبيب بورقيبة ومن ثم بن علي، للتغطية على انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة. كما يعتز العديد من التونسيين بقواعد الشريعة الإسلامية في الميراث باعتبارها البقية الباقية للهوية الدينية للبلاد.

لذلك فإن مُقترحات التغيير حساسة من الناحية السياسية، مما يؤدي بسهولة إلى الانقسامات والصراعات داخل الأحزاب السياسية. وفي حالة السبسي، لا تبدو هذه الخطوة من قبيل المصادفة قبل عامٍ من إجراء الانتخابات الرئاسية. في الواقع، يمكن أن يساعد هذا في تأمين الأصوات لحزبه نداء تونس من قِبل النساء اللواتي يقلقن من احتمال قيام السياسيين الإسلاميين بإلغاء الإصلاحات، إذ ساعد دعمهم في فوز السبسي قبل أربع سنوات. فموقف السبسي، في الوقت الراهن، ضعيفٌ للغاية بسبب استمرار الخلافات داخل الحزب بين رئيس الوزراء ونجل الرئيس. ويرى النقاد من جمهور الناخبين من داخل وخارج نداء تونس على حد سواء إن قرار السبسي بالوقوف إلى جانب ابنه ما هو إلا تذكرةٌ بالمحاباة التي كانت منتشرةً لدى النظام القديم.

مقترحاتٌ لتعزيز سيادة القانون

Specials- Inheritance Tunisia
تونسيون يرفعون شعاراتٍ خلال الاحتجاجات ضد الإصلاحات المقترحة التي يعارضها المسلمون المحافظون والتي تشمل المساواة في حقوق الميراث بين الرجل والمرأة وإلغاء تجريم المثلية الجنسية، في 11 أغسطس 2018 في العاصمة تونس. Photo AFP ©AFP ⁃ FETHI BELAID

إن نطاق تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة يتجاوز بكثير القضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي؛ إذ يضم أيضاً مقترحاتٍ مختلفة لتعزيز سيادة القانون، منها على سبيل المثال توسيع نطاق التعريف القانوني للتعذيب، وضمان الحق في محاكمة عادلة، وحماية البيانات الشخصية وإزالة القيود المفروضة على حرية الفكر والتعبير والدين. كما تستجيب المقترحات للقضايا المحورية التي لا تزال تعيق ضمان الأهلية والثقة في المؤسسات التونسية، مثل وحشية الشرطة والفساد، وبالتالي تعدّ حيويةً لتعزيز فهم الجمهور لحكم القانون والثقة في المؤسسات باعتبارها ركائز لسيادة القانون.

ومع ذلك، نتيجة لكون قضايا النوع الاجتماعي ذات أولوية باعتبارها وسيلة ليضع حزب نداء تونس نفسه في قالب المصلح الحداثي وليؤطر ثاني أكبر حزب إسلامي، حزب النهضة، في إطار الأحزاب التي عفا عليها الزمن و”المسيئة للمرأة،” فإن اهتمام الأحزاب السياسية والمجتمع المدني بالمقترحات الأخرى في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة قد طُمس تماماً أو تم التغاضي عنه بشكلٍ عملي.

نحو خطابٍ جديد؟

يبدو أن تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة قد أعاد إلى الأذهان معركةً من الماضي عفا عليها الزمن حول الحق في تحديد هوية الأمة؛ إحياءٌ لنقاشٍ حول دستور عام 2014 خلال السنوات الأولى بعد الثورة. فأثناء صياغة الدستور، نشأ صراعٌ عنيف بين الجماعات السياسية الإسلامية، ممثلة بحزب النهضة، والحركات العلمانية، اللذان قدما رؤيتين مختلفتين بشكلٍ جذري عن المجتمع.

يبدو أن الحوار الجاد حول المقترحات التي يمكن أن تسهم في المزيد من الشرعية والثقة المؤسسية بعيدة المنال طالما أن الجنسانيّة والميول الجنسية لا يزالان محوريين في النقاش وتجربة الهوية، التي يعززها الإعلام والقوى الاستعمارية الأجنبية (الرسمية)، التي ما زالت تميل إلى اعتبار هذه القضايا مؤشرات بالغة الأهمية للتقدم والديمقراطية. ونظراً للأزمة الاقتصادية والسياسية الحالية، يمكن أن تكون توصيات لجنة الحريات الفردية والمساواة بمثابة فرصة ممتازة لتجديد حيوية خطاب الهوية وتطوير نهجٍ عملي بشكلٍ أكبر لإرساء سيادة القانون بشكلٍ مستدام وديمقراطي.

وكما قال ونستون تشرشل ذات مرة، “انتهزوا الفرص من الأزمات،” فلربما قد حان الوقت لترجمة أقواله الشهيرة إلى أفعال.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ FETHI BELAID | ©AFP ⁃ FETHI BELAID

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.