فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / قانون الأسرة و الأقليات / على الرغم من العواقب، نساء مصر يتحدثنّ ضد التحرش

على الرغم من العواقب، نساء مصر يتحدثنّ ضد التحرش

Specials- Sexual harassment egypt
ناشط مصري يرسم لوحة غرافيتي تظهر عبارة “لا للتحرش،” على جدارٍ خارج القصر الرئاسي في القاهرة في 14 ديسمبر 2012. Photo: PATRICK BAZ / AFP ©AFP ⁃ PATRICK BAZ

في الدقيقة 62 من المباراة التي جمعت بين مصر وجنوب أفريقيا في 6 يوليو 2019 في منافسات كأس افريقيا، دخل اللاعب المصري عمرو وردة الميدان. هتف الجمهور في استاد القاهرة، تماماً كما فعلوا مع كل لاعبٍ مصري. ومع ذلك، لم يكن وردة مجرد لاعبٍ مصري فحسب.

ففي الأيام التي سبقت المباراة، عانى وردة من تشويه سمعته بسبب مزاعم التحرش الجنسي عندما كشفت عارضة الأزياء المصرية البريطانية التي تتخذ من دبي مقراً لها، ميرهان كيلر، عن العديد من الرسائل الصريحة والتخويفية التي تلقتها من وردة؛ حيث حذت العديد من النساء الأخريات حذوها بروايتهم نفس القصص.

بمجرد أن انتشرت الرسائل على الملأ، تم إيقاف وردة من اللعب مع المنتخب، بيد أنه وفي غضون أقل من 24 ساعة، وبعد أن ناشد النجم العالمي وزميل وردة في المنتخب المصري، اللاعب محمد صلاح، منح وردة “فرصة ثانية” عبر تغريدةٍ على تويتر، فضلاً عن نشر وردة فيديو يعتذر فيه لأسرته ولزملائه في المنتخب- دون أن يعتذر للضحايا- تمت إعادته إلى صفوف المنتخب. واجه صلاح، الذي كان قد أيّد حقوق المرأة في العالم العربي قبل بضعة أشهرٍ فحسب، انتقاداً لتعبيره عن دعمه لوردة لاستخدامه مصطلح “فرصة ثانية،” نظراً لتجاوزات وردة السابقة.

في ذلك اليوم في الملعب، كانت الجماهير مهتمةً بأداء المنتخب المصري المتوسط على أرض الملعب أكثر من اهتمامهم بسجل وردة بالتحرش. وعلاوةً على ذلك، في الأيام التي تلت هزيمة مصر المؤلمة، أصبحت كيلر ضحيةً لحملة تشويه على الإنترنت متهمة إياها بتشتيت انتباه اللاعبين بتهمها العلنية ضد وردة، وبالتالي التسبب في خسارة المنتخب.

تعتقد نفيسة الصباغ، وهي صحفية متخصصة في قضايا المرأة، أن المصريين الذين يهتفون لوردة على الرغم من اتهامات كيلر هو نتيجة “لاضطرابٍ اجتماعي حاد.” كما أوضحت أن سلوك وردة متجذرٌ في المجتمع المصري، وغالبية الأشخاص يرفضون النظر في المرآة والاعتراف بدورهم في هذه الظاهرة، إذ قالت لنا في فَنَك: “النساء يخلقن هذه الثقافة أيضاً: يُعدنّ تدوير [يخلدنّ] الاضطهاد لأنهن لا يردن أن يكنّ وحدهن [في مواجهته].”

ففي الفترة ما بين عامي 2018-2019، أفصحت عدد من النساء المصريات عن قصص تعرضهن للتحرش الجنسي، اللواتي ربما شجعتهنّ حركة #MeToo (وأنا كمان) التي تركز على تمكين الإناث. ومع ذلك، في معظم الحالات، كما هو الحال مع كيلر ووردة ، واجهت النساء عواقب سلبية أكثر بكثير من المتحرش المزعوم.

ففي أغسطس 2018، نشرت امرأة مصرية تدعى منة جبران فيديو لرجلٍ في الشارع يطلب منها الخروج لتناول القهوة. أوضحت لاحقاً أن الرجل كان يتبعها وهي تمشي ولم يتراجع إلا عندما بدأت في تصويره. فجر رد فعل المصريين على فيديو جبران نقاشاً حاداً: هل كان الرجل يضايقها فعلاً؟ هل بالغت جبران برد فعلها؟ هل كانت مسؤولة عن الحادث بسبب طريقة لبسها؟

إن مثل هذا التحرش في الشوارع مستوطنٌ في مصر. ففي حين أن الحكومة أصدرت قانوناً يجرم التحرش، إلا أن الوضع لم يتحسن بشكلٍ ملحوظ. ففي استطلاع أجرته وكالة أنباء تومسون رويترز في عام 2017، احتلت القاهرة المرتبة الأكثر خطورة على النساء في العالم. وفي هذا الصدد قالت الصباغ: “إن حماية النساء في الشارع ليست [ولكن يجب أن تكون] جزءاً من المعتقدات الأساسية [لقيم] للشرطة، لأنهن [النساء] أيضاً جزءٌ من هذا المجتمع.” ومع ذلك، فهي لا تزال متفائلة وتعتقد أن القانون الجديد هو خطوة أولى إيجابية، إذ أضافت “تدرك الدولة أن التحرش يضرها سياسياً واقتصادياً، ذلك أنه يُبعد السياح على سبيل المثال.”

وفي نهاية المطاف، أصبح الرجل رمزاً بسبب جملته الشهيرة المبتذلة، بينما قالت جبران إنها فقدت إحدى وظائفها بسبب الحادث، وشعرت بأنها مجبرة على إغلاق حسابها على الفيسبوك، وعانت من تشويه السمعة المتكرر على الإنترنت. حاولت فَنَك الاتصال بها، إلا أننا لم نتلق أي رد. عادت للظهور على الشبكة العنكبوتية وتعمل اليوم في مجال الفنون المرئية.

وبحسب ما كتبته المدونة المصرية زنوبيا، “لم تعد منة الضحية بل الجانية والعاهرة الباحثة عن الشهرة، في حين أصبح الرجل شخصيةً مشهورة ومن المؤثرين الآن.” وأضافت “العديد من الفتيات كنّ مكان منة، بل أسوأ، إلا أنهنّ لم يبلغن السلطات خوفاً من ردود فعل المجتمع.”

وبعد أسابيع من فيديو جبران، رفعت الصحفية مي الشامي دعوى قضائية تتهم رئيس تحريرها في صحيفة اليوم السابع المؤيدة للنظام، دندراوي الهواري، بالتحرش. وعليه، سرعان ما ألمحت صحيفة اليوم السابع وغيرها من وسائل الإعلام الموالية للدولة إلى علاقاتٍ تربط بين الشامي والإخوان المسلمين، حيث صاغت اتهاماتها بالتحرش بدوافع سياسية. أسقطت المحكمة القضية بسبب نقص الأدلة؛ فقد كانت كلمته ضد كلمتها. وفي النهاية تمت إقالة الشامي بينما بقي الهواري على رأس عمله.

وفي قضية تحرشٍ أخرى ظهرت ضمن صفوف حزب المعارضة العيش والحرية في أكتوبر 2017، كانت النتيجة مختلفة. فقد استقال المتهمان، المحاميان خالد علي ومحمود بلال، من مناصبهما في الحزب والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية غير الحكومي.

في بعض الحالات، تكون عواقب التحدث علناً مبالغٌ بها، فبعد تعرضها للتحرش في الشارع، نشرت أمل فتحي شريط فيديو على موقع فيبسوك تتهم فيه الحكومة بعدم حماية النساء. انتشر الفيديو كالنار في الهشيم وبالتالي ألقي القُبض على فتحي وحُكم عليها بالسجن لمدة عامين بتهمة “نشر أخبار كاذبة بنية الإضرار بالدولة.” كما تعرضت سائحة لبنانية عبرت بغضبٍ عن تعرضها للتحرش على الفيسبوك في مصر لمصيرٍ مماثل. فقد تم القبض عليها في مايو 2018 وحُكم عليها بالسجن لمدة ثماني سنوات بتهمة “إهانة المصريين.” أُطلق سراحها في نهاية المطاف بعد بضعة أشهر وتم ترحيلها إلى لبنان بعد أن عدل القاضي الحكم الصادر ضدها. وفي كلتا الحالتين، أوضحت الصباغ، “عندما تشعر الدولة بالإهانة، يكون لهذا أولوية على محاربة التحرش الفعلي.”

من جهته أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في شهر مارس عن عددٍ من التوجيهات لدعم تحرير المرأة، بما في ذلك مشروع لصياغة تشريع آخر بشأن حماية المرأة من العنف “الجسدي والعاطفي.” وفي عام 2017، فند السيسي ما توصل إليه تقرير توماس رويترز من أن القاهرة كانت أسوأ مدينة بالنسبة للنساء، لكنه أقر بأن التحرش الجنسي يمثل مشكلة، حيث أخبر المصريين “على المرأة أن تحظى بالتقدير.”

بالإضافة إلى ذلك، قال الأزهر، أعلى سلطة إسلامية في مصر، في أغسطس 2018، إن التحرش الجنسي لا يمكن تبريره بطريقة ارتداء الفتاة لملابسها وهو في الواقع محظور في الإسلام في جميع الأوقات.

أما القضية الأخيرة التي أثارت جدلاً فهي تتعلق باحتجاز فتاةٍ تبلغ من العمر 15 عاماً، أميرة، بسبب قتلها سائق حافلة صغيرة كان يحاول اغتصابها. ووفقاً للتحقيقات الأولية، تم إغراء أميرة بعد أن نصب لها حبيبها والعديد من أصدقائه فخاً، إلا أنها تمكنت من الاستحواذ على سكينٍ من الشخص الذي حاول اغتصابها وطعنته عدة مرات. نتيجةً لذلك، وجهت لها تهمة القتل.

على الرغم من أن النساء، عموماً، يواجهن ردود أفعال سلبية عندما يعلنّ عن قصص التحرش، إلا أن الصباغ ترى جانباً إيجابياً، إذ تقول “المناقشات على الإنترنت تجعل الناس الذين لا يفكرون عادة في [التحرش] يتحدثون عنه.” كما تعتقد أن العملية قد بدأت، ونتيجةً لذلك، فإن المجتمع يتغير. وأضافت “الجيل الشاب يرفض مواصلة [الحفاظ] على الوضع الحالي. كل حالة تظهر في وسائل الإعلام تثير النقاش، ويدعم المزيد والمزيد من الناس قضية [النساء].”

تشمل مبادرات تعزيز هذا التقدم، مبادرة خريطة التحرش (Harassmap)، التي تهدف إلى تمكين الناس من الوقوف ضد التحرش، وقصتها (HerStory)، حيث أن المبادرة الأخيرة مدعومة من هيئة الأمم المتحدة للمرأة وتهدف إلى “إنتاج ونشر المعرفة حول قضايا المساواة بين الجنسين وحياة النساء والفتيات وإسهاماتهن في المنطقة العربية.” من الطرق التي تريد قصتها تحقيق ذلك هي بإنشاء صفحات على موسوعة ويكيبيديا حول النساء في العالم العربي.

فقد قال القائمون على قصتها في تصريحٍ لفَنَك، “يمكن أن تكون ويكيبيديا أداةً مفيدة في تطوير المعرفة حول المرأة وإنجازات المرأة وعدم المساواة بين الجنسين،” موضحين أنه اعتباراً من يناير 2018، كانت 4,2% فقط من جميع مقالات ويكيبيديا العربية مرتبطة بالمرأة، في حين أن المعدل العالمي يبلغ 15%.

وبعد قضية عمرو وردة، عمدت قصتها إلى تحديث صفحته على ويكيبيديا بالمعلومات المتاحة للجمهور حول قضايا التحرش ضده. “شعرنا أنه تم غض النظر عن القضية وسيتم نسيانها. شعرنا بعدم وجود عدالة للضحايا الذين فقدوا المزيد من خصوصيتهم، و[واجهوا] زيادة في المضايقات عبر الإنترنت، بما في ذلك التخويف والتهديدات، وفقدوا وظائفهم أو علاقاتهم داخل أسرهم،” بحسب قولهم في قصتها.

وكحال الصباغ، يعتقد القائمون على قصتها أن التغيير قادم لا محالة، “عندما نشرنا عن التغييرات التي أدرجت على صفحة وردة على موسوعة ويكيبيديا، تلقينا الكثير من الرسائل و[كلمات] التشجيع. علينا أن نحافظ على قوة قصننا لتبقى حية لنتمكن من المضي قدماً وتحقيق ممارساتٍ أفضل [في القضايا المستقبلية].”

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ PATRICK BAZ

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.