فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / النفط والإتجاهات لإيجاد كيان للدولة بحكم الأمر الواقع في بلاد الشام

النفط والإتجاهات لإيجاد كيان للدولة بحكم الأمر الواقع في بلاد الشام

النفط والإتجاهات لإيجاد كيان للدولة بحكم الأمر الواقع في بلاد الشام

Map 5. Iraq’s oil and gas infrastructure and IS- and KRG-controlled territory (Kirkuk field seizure highlighted).
الخريطة رقم (5): البُنية التحتية للنفظ والغاز العراقي والمناطق التي يُسيطر عليها تنظيم الدولة وحكومة كردستان. (حقل كركوك الذي تم الاستيلاء عليه موّضح). أضغط للتكبير.

يتشابك مستقبل الدولة العراقية بشكل معقد مع ثروته النفطية. ومع الحرب التي تُخاض ضد تنظيم الدولة على الجبهتين الغنيتين بالنفط، التي يُسيطر على إحداها الأكراد في حكم شبه ذاتي في الشمال، والأخرى تقع في أراضٍ ذات أغلبية شيعية في الجنوب، يعتبر العِداء السابق المعهود حول عائدات النفط ذو أهمية ثانوية. يتمثل الأمر الأكثر أهمية بحل الأوضاع على أرض الواقع، من خلال الإستمرار في محاربة تنظيم الدولة والمحافظة مالياً على القوة العسكرية، فضلاً عن دعم الخطط المالية لمناطق معينة.

وفي حالة بغداد، هذا يعني مخاطبة السكان السُنة المهمشين والمعرضين حالياً لخطر تنظيم الدولة في محافظات غرب العراق وخطر خسارة تلك المحافظات. ستحدد الطريقة التي يتم فيها معالجة هذين التحديين مصير الدولة العراقية. ويبقى أن نرى ما إذا سيواصل العراق بحكم الأمر الواقع تجزئة الدولة الكردية في الشمال (دمج الأكراد السوريين على الحدود الشمالية الغربية للعراق مع سوريا، حيث تعرضت الأخيرة أيضاً للتجزئة)، وإنشاء دولة ذات أغلبية شيعية بوجود قوات الأمن العراقية كأداة طائفية إلى جانب الميليشيات، أم أنّ حكومة الوحدة الوطنية المنتخبة في أبريل 2014 ستوحد العراق معاً ضد تنظيم الدولة.

وبينما يحارب الأكراد تنظيم الدولة في الشمال، فإن حافز الإنفصال عن بغداد ليس أمراً بسيطاً. ومع التواجد المحدود لقوى الأمن الداخلي العراقي في الشمال، استولت البيشمركة (الجيش الكردي) على كركوك وحقل النفط العملاق في كركوك (أنظر الخريطة رقم (5)).

تم قطع طريق تصدير النفط من كركوك إلى الأردن بواسطة الشاحنات عبر الأنبار (يتم عادةً نقل 10,000 برميل في اليوم) بسبب وجود تنظيم الدولة، إلا أنه يتم تصدير حوالي 15,000 برميل في اليوم من المكثفات، و20,000 برميل في اليوم من النفط الخام إلى تركيا بواسطة الشاحنات. وعلاوة على ذلك، تتطلع حكومة إقليم كردستان إلى بناء خط أنابيب خاص بها لتصدير النفط الخام مباشرةً عبر تركيا، وتجاوز خط أنابيب التصدير الوطني. وعلى الرغم من أن تركيا لم توافق رسمياً على هذه الخطة، إلا أن الشركة الإنجليزية- التركية، جينيل للطاقة، تخطط لبناء خط أنابيب بسعة 420,000 برميل في اليوم لخط أنابيب كردستان العراق لتصدير النفط الخام. (أنظر القسم 2.3.2) الذي سيربط حقولها في المناطق الكردية شمال العراق بالحدود التركية. كما بحثت حكومة إقليم كردستان أيضاً إمكانية توريد الغاز الطبيعي إلى تركيا.

الاتفاق بين بغداد و حكومة إقليم كردستان

Map 6. Oilfields under IS control.
الخريطة رقم (6): حقول النفطرة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. أضغط للتكبير.

وفي النصف الثاني من عام 2014، هدأت موجة رغبة الأكراد في الإنفصال عن العراق وذلك ببساطة لأن الأكراد يواجهون خياراً صعباً، إذ يعني الإنسحاب من العراق فقدان العائدات من الحكومة المركزية. وستكون هذه الخسارة كارثية على المدى القريب، إذ من شأن كردستان المستقلة تحقيق عائدات تصل إلى أقل من 7 مليار دولار في السنة، أي تقريباً أقل بنسبة الثُلث مما يرد إليها من ما نسبته 12% من إجمالي عائدات النفط ي العراق.

ولا يعدّ هذا مستداماً من الناحية الإقتصادية، وبخاصة في الوقت الذي تواجه فيه حكومة رئيس الوزراء بارزاني أعباء مالية إضافية بسبب مساعدة الأكراد السوريين المحاصرين ليصبح أقليم كردستان مكباً لبقية مشاكل العراق. ومع وجود ما يقارب مليوني فرد من النازحين داخلياً في العراق، تتواجد الغالبية العظمى منهم في إقليم كردستان، تواجه حكومة إقليم كردستان عبئاً مالياً يصل إلى حوالي 300 مليون دولار في الشهر، والإنخفاض الأخير في أسعار النفط يعني أن الأكراد يحتاجون إلى إنتاج ضعف هذا العدد من البراميل يومياً للخروج بلا مكسب أو خسارة، أو حتى البيع بأسعار السوق. (وحتى الآن باعت حكومة إقليم كردستان النفط بخصومات هائلة، ويعود ذلك بسبب رئيسي إلى أنّ التجار يعتبرون شراء النفط من منطقة الإقليم الكردي يعرضهم لخطر مواجهة الإعتراضات القانونية من حكومة بغداد). .

في أربيل، ترك نقص أموال النفط القادمة من بغداد، والقليل جداً الذي يتم تحصيله من بيع النفط الكردي، العديد من موظفي الخدمة المدنية، بما في ذلك 180,000 من قوات البيشمركة دون رواتب منذ شهور.
وبسبب هذا الوضع، وقعّت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان إتفاقاً في نوفمبر 2014 لتخفيف التوترات بشأن صادرات النفط الكردية ومدفوعات الخدمة المدنية من بغداد.

وقال هوشيار زيباري، نائب رئيس الوزراء ووزير المالية العراقي ان الحكومة المركزية وافقت، في الوقت الحاضر، على استئناف المدفوعات من الميزانية الاتحادية لرواتب موظفي الخدمة المدنية الأكراد. ووصف زيباري هذه الخطوة، باعتباره كردي، بأنها “تقدم كبير” من شأنها أن تحدّ من الإحتكاك بين إقليم كردستان وبغداد. وقال أنّ المدفوعات ستغطي شهر أكتوبر (المعلّق سابقاً والمصدر الرئيسي للخلاف) ومن ثم شهر نوفمبر.

ووفقاً للإتفاق، ستلتزم كردستان العراق بـ150,000 برميل في اليوم من الميزانية الإتحادية لصادرات النفط، أي ما يعادل نصف شحنتها بشكلٍ عام. ويبدو أن حكومة إقليم كردستان تستفيد من حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في العراق، التي تضم الشيعة والسُنة والأكراد. ولعل إرث وزير النفط العراقي السابق، حسين الشهرستاني، الذي إتبع سياسة نفطية مركزية عدوانية مكروها من قبل الأكراد، بدأ يتلاشى. وقد ساعد تعيين عادل عبدالمهدي في منصب وزير النفط الجديد في التأثير على الأكراد، كما أنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع حزب البارزاني. وأخيراً، من المقرر إرسال ما نسبته 17% من عائدات النفط والغاز في العراق إلى أربيل، في حال إمكانية التوصل إلى إتفاق على المدى الطويل. وفي ضوء خطط تنمية الحقول في البصرة، تعتبر هذه مجرد شريحة من الفطيرة الكبيرة.

ومما لا يثير الدهشة، تختلف أرقام الطاقة بشكلٍ بارز في أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية. إذ أنّ الأراضي التي يُسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية حالياً في العراق هي في الغالب ضمن محافظة الأنبار الغربية، والتي تتضاءل من حيث احتياطات النفط والغاز بالمقارنة مع الشمال الذي يُسيطر عليها الأكراد، والجنوب الذي يُسيطر عليه الأغلبية الشيعية. ومع ذلك، يمكن العثور على النفط في المناطق التي يُسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا.

وتُشير تقديرات مؤسسة مابلكروفت، شركة إدارة المخاطر، إلى أنّ تنظيم الدولة الإسلامية يتحكم بستة من أصل عشر حقول للنفط في سوريا، بما في ذلك منشآة حقل العمر النفطي الكبير، وعلى الأقل أربعة حقول صغيرة في العراق، بما في ذلك تلك الموجودة بجاجيل وحمرين. وتُدعم تدفقات الإيرادات المرتبطة بالإنتاج غير المشروع من قِبل الشبكات طويلة الأمد لمبيعات النفط في السوق السوداء والتهريب في بلاد الشام. وأدى فرض العقوبات على قطاع الطاقة في العراق في التسعينيات إلى ظهور شبكة قوية من المهربين والتجار وسارقي المصافي.

“إن حقيقة بقاء العراق في ظل العقوبات لفترة طويلة قاد رجال الأعمال الأكراد والعراقيين إلى ملء الفراغ وخلق شبكات تهريب للنفط العراقي”،يقول فاليري مارسيل، أخصائي الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا في تشاتام هاوس. “كما نمت شبكات التهريب التركية، والإيرانية، والسورية، والعراقية، بسبب عقودٍ من الحظر على الصادرات”. قدرت إدارة معلومات الطاقة (EIA) ومعهد الطاقة العراقي إنتاج تنظيم الدولة الإسلامية من النفط بـ50 ألف برميل في اليوم في العراق، و30 ألف برميل في اليوم في سوريا، مما يعني أرباح قدرها 3,2 مليون دولار في اليوم الواحد عند بيعها في السوق السوداء بسعر 40 دولار للبرميل الواحد. على هذا النحو، باتت المنشآت النفطية أهدافاً رئيسية للضربات الجوية لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت في أغسطس 2014.

الآثار المترتبة على الشركات الأجنبية

من غير المرجح قيام مسلحي تنظيم الدولة بالإستيلاء على المناطق الشيعية الرئيسية أو المناطق الفيدرالية الكردية عسكرياً، وخصوصاً مع بدء الضربات الجوية لقوات التحالف ضد التنظيم. ولكن لا يزال هناك خطر أعمال الإرهاب لمرة واحدة التي قد تشمل التخريب والخطف وغيرها من التهديدات لمنشآت الطاقة العراقية والموظفين. وهذا لا ينفي أنّ المشاريع النفطية في العراق أكثر وضوحاً من الناحية الفنية والأقل تكلفةً في العالم، من حيث التكلفة الرأسمالية لكل وحدة من الطاقة الإنتاجية الجديدة ونفقات التشغيل. ولا تزال العديد من الشركات مهتمة بالكميات الكبيرة، مع العلم بأن الحقول في العراق ذات حجم ونوعية تحدّ نسبياً من المخاطر التقنية والاستكشاف والأسعار.
وكما يُقال، قد يتم تحويل رأس المال المخصص للإستثمار لقتال تنظيم الدولة الإسلامية. وفي حال تحسين الأمن، التي تبرز الحاجة إليه، سترتفع تكاليف التشغيل وتنخفض الأرباح بالنسبة للشركات والشعب العراقي على حد سواء.

image_pdfimage_print