فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / مستقبل الحركة الجهادية في أوروبا: نظرة تشاؤمية (الجزء الثالث)

مستقبل الحركة الجهادية في أوروبا: نظرة تشاؤمية (الجزء الثالث)

الاتجاه الرئيسي الثالث: النزاع المستمر في العالم الإسلامي

Translation- Islamic State in Iraq
تنظيم الدولة الإسلامية استقطب الآلاف من المقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا. المصدر: AFP. ©AFP ⁃ AHMAD ALRUBAYE

يكمن الاتجاه الرئيسي الثالث في استمرار النزاع المسلح في بعض مناطق الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وجنوب آسيا. وفي الوقت الذي لم تبرز فيه علامات واضحة على قرب انتهاء النزاعات الحالية، فقد تظهر أيضاً بعض النزاعات الجديدة في العالم الإسلامي. ولهذا السبب، فإن هذه المنطقة من العالم قادرة على تزويد الجهاديين الأوروبيين بفرص التجمع والتدريب في المستقبل المنظور، وبصورةٍ مماثلة لما كان عليه الحال في الماضي.

ولطالما ارتبط تطور الحركة الجهادية في أوروبا بالتطورات السياسية الحاصلة في العالم الإسلامي. وشهدت نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي وصول الحركة الجهادية إلى أوروبا، حيث حصل المتمردون الإسلاميون في تلك الحقبة على تربةٍ خصبة لجمع الأموال والتمتع بملاذات آمنة في القارة العجوز. وبعد ظهور مجتمع جهادي أصيل في أوروبا منذ منتصف التسعينيات فصاعداً، فقد استمر تأثير النزاعات التي يشهدها العالم الإسلامي على هذا المجتمع بطريقتين مهمتين. ويقول هيغهامر: “تكمن الطريقة الأولى في توفير المظالم التي تحظى باهتمام المهاجرين المسلمين في أوروبا وتدفعهم للإصغاء إلى الروايات الجهادية حول ما يواجهه الإسلام من هجوم الكفار والمرتدين. ولطالما أبدى الجهاديون الأوروبيون اهتماماً أكبر بالحروب وحركات التمرد التي يشهدها العالم الإسلامي مقارنةً مع القضايا الأوروبية المحلية المماثلة لحظر الحجاب. وحظيت النزاعات المماثلة للحرب الأهلية الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي، والانتفاضية الفلسطينية الثانية منذ عام 2000، والحرب في سوريا بعد عام 2011 باهتمام واسع في النقاشات الداخلية الدائرة بين صفوف الجهاديين الأوروبيين وفي الحسابات المتطرفة الخاصة بالمقاتلين”.

كما حظيت النزاعات التي شهدت تدخلاً عسكرياً غربياً، كما عليه الحال في أفغانستان بعد عام 2001، أو العراق بعد عام 2003، بتأثير حاشد وخاص على الحركة الجهادية الأوروبية. وعندما قام الجهاديون الأوروبيون بتبرير الهجمات التي تم شنها في أوروبا، فقد كان يتم ربط هذا التبرير في أغلب الأحيان بما تقوم به الدول الأوروبية من أعمال عسكرية في العالم الإسلامي. وشهدت حقبة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حلقة مفرغة أدى فيها ما قامت به الجماعات الجهادية الموجودة في العالم الإسلامي من هجماتٍ إرهابية في الغرب إلى تحفيز العمل العسكري الغربي تجاه هذه الجماعات، وهذا ما أدى بدوره إلى إثارة التطرف في العالم الغربي. وتشير الحرب الدائرة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا إلى أن هذه الحلقة المفرغة بعيدة عن الانتهاء. وحتى لو افترضنا عدم تنفيذ الغرب لأعمال عسكرية في العالم الإسلامي خلال العقد المقبل، فإن التاريخ يؤكد لنا أن الحركة الجهادية الأوروبية ستواصل الازدهار على خلفية النزاعات الخارجية. وعلى سبيل المثال، فقد أسفرت الحرب التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 عن وصول أعداد المقاتلين الأجانب الأوروبيين إلى أرقامٍ قياسية قبل قيام الجيوش الأوروبية بقصف أهداف تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا أواخر عام 2014.

وتكمن الآلية الثانية التي أثرت من خلالها النزاعات الدائرة في العالم الإسلامي على الحركة الجهادية الأوروبية في تسهيل ظهور المنظمات الجهادية القادرة على استضافة المقاتلين الأجانب الأوروبيين. وشهدت العديد من النزاعات التي ظهرت في العالم الإسلامي بعد عام 1990 تورط جماعة جهادية أو أكثر فيها. وليس من الصعب إثبات استعداد تلك الجماعات لاستضافة المقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا. ونتيجة لذلك، فقد قام المقاتلون الأجانب الأوروبيون بالتدرب والقتال في مجموعة متنوعة من مناطق النزاع خلال السنوات الخمسة والعشرين الماضية، بما في ذلك طاجيكستان، والبوسنة، والشيشان، وأفغانستان، وكوسوفو، والصومال، وفلسطين، والعراق، ولبنان، واليمن، ومالي، وليبيا، وسوريا.

ويزيد القتال في الدول الأجنبية بريق الحركة الجهادية الأوروبية عبر نقل المهارات العسكرية إلى المقاتلين الأجانب وزيادة تطرفهم بعضهم ومنحهم مكانة اجتماعية يمكنهم استغلالها لتجنيد المقاتلين لدى عودتهم. ونحن على دراية بأن المقاتلين الأجانب العائدين إلى أوروبا يحظون بتمثيلٍ واسع النطاق في صفوف مخططي شن الهجمات الجهادية في أوروبا، كما أن هجماتهم أكثر فتكاً من الهجمات الأخرى، علماً بأن بعضهم بات من أبرز العاملين في مجال تجنيد المقاتلين ويحظى بسلطةٍ واسعة في صفوف الجهاديين. وسعت بعض الجماعات الجهادية الموجودة خارج أوروبا، كالقاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية”، إلى مهاجمة الغرب بطريقةٍ ممنهجة، حيث قامت بتدريب المقاتلين الأجانب الأوروبيين للقيام بمهام هجومية معقدة في أوروبا. وعلى هذا النحو، فقد باتت مناطق النزاع الموجودة خارج العالم الإسلامي ملاذات آمنة ومناطق تعزّز مما يتمتع به الجهاديون الأوروبيون من قدرات. ويحظى هذا العمق الإستراتيجي بقيمة خاصة في حقبةٍ باتت فيها المجتمعات الغربية أكثر تنظيماً وتتمتع برقابة جيدة، وهو ما يقطع شوطاً طويلاً في شرح مرونة الحركة الجهادية الأوروبية. ولم تتمتع الحركات المتطرفة الأخرى في أوروبا، كاليمين المتطرف، بنفس العمق الاستراتيجي وبالتالي فقد وجدت نفسها في “مصيدة” في أوروبا، خاصةً في ظل تواجد هياكلها التنظيمية تحت رحمة الأجهزة الأمنية الأوروبية. (وبالمناسبة، قد يكون هذا الجانب من الأسباب التي دفعت بعض النازيين الجدد في أوروبا الغربية إلى القتال مؤخراً في دولٍ أجنبية مثل أوكرانيا، إلا أن أعداد هؤلاء المقاتلين ما تزال صغيرة جدّاً وغير قادرة على إحداث الفارق، خاصةً وأن عددهم يقدّر بالعشرات).

وشهدت السنوات الخمس الماضية ظهور العديد من النزاعات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبشكلٍ خاص في سوريا، وأيضاً في اليمن وشبه جزيرة سيناء، وليبيا، ومالي، وشمال نيجيريا. وفي الوقت نفسه، لم يتم حل سوى القليل من النزاعات – سواءً أكان ذلك في أفغانستان، أو باكستان، أو العراق، أو فلسطين، أو الصومال. وكانت النتيجة وجود حزام من الحروب وحركات التمرد يمتد من مالي وصولاً إلى أفغانستان، حيث يتواجد في كل واحدة من هذه الأزمات مجموعة إسلامية عسكرية أو أكثر. كما كانت هناك زيادة كبيرة في عدد وحجم ونشاط المجموعات الجهادية في المنطقة. وأبرز مثال على ذلك تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي نما في غضون بضعة سنوات من مجموعة صغيرة تتمركز في العراق إلى كيان دولة بدائي يضم في صفوفه عشرات الآلاف من الجنود. ولم يتوقف النشاط الجهادي عند هذا الحد، حيث تنامى هذا النشاط ووصل إلى العديد من المناطق الأخرى. وبحسب قاعدة بيانات الإرهاب العالمي، فقد تصاعد عدد العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا من 3500 عملية في عام 2010 إلى 12000 في عام 2014. وتظهر البيانات المتعلقة بالنزاعات الأخرى توجهات مشابهة.

وفي وقت كتابة هذه المقالة، من غير المتوقع أن تنتهي أي من هذه النزاعات في وقتٍ قريب. وعلى سبيل المثال، فإن الحرب الدائرة في سوريا تتمتع بالعديد من السمات المرتبطة بأدبيات الحرب الأهلية التي يمتد فيها الصراع لفترةٍ طويلة، ومن هذه السمات تشتت المتمردين والتدخل الخارجي. أما في أفغانستان، فقد أحرزت حركة طالبان تقدماً كبيراً خلال السنوات الماضية، وهذا ما يفترض توجه هذا البلد نحو المزيد من الحروب. ومن المتوقع أن تستعيد الحكومة العراقية السيطرة على معظم المناطق التي خسرتها لصالح “تنظيم الدولة الإسلامية” في عام 2014 في غضون عام أو عامين، إلا أن الشكوك ما تزال قائمة حول استقرار هذا البلد على المدى الطويل. من ناحية أخرى، يتسم النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ببرودته من الناحية العسكرية، إلا أنه على أشده من الناحية السياسية. في المقابل، يعيش اليمن حالةً من الفوضى الكاملة. وفي الصومال، استطاعت حركة “الشباب” استعادة شيء من بريقها. ولا تتواجد في ليبيا حكومة مركزية وهي ممزقة بين طرفين متحاربين متوازيي القوة وهي سمة من سمات النزاعات طويلة الأمد.

في غضون ذلك، فإن العديد من الدول الموجودة التي تجنبت أتون الصراع في المنطقة، تواجه مشكلات من أنواع متعددة وهذا ما يدعونا إلى عدم أخذ استقرارها على محمل الجد. وانتقلت بعض هذه الدول، وبشكلٍ خاص مصر، إلى توجهٍ أكثر سلطوية منذ مرحلة “الربيع العربي” في عام 2011. وتواجه العديد من الدول مشكلات اقتصادية حادة، وقد يعود السبب في ذلك لإنخفاض أسعار النفط، أو انخفاض السياحة، أو ما تعانيه هذه الدول من أعباء نتيجة استضافتها للاجئين. وخفّضت حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة منذ عام 2011 من الاستثمار الأجنبي المباشر في العديد من الدول. وتواجه العديد من الدول موجات شبابية كبيرة بالتزامن مع معاناتها من بطالة الشباب المزمنة. وباختصار، فإن العديد من التوترات التي تم التذّرع بها لتبرير الانتفاضات العربية في عام 2011 ما تزال موجودة في يومنا هذا، وفي كثيرٍ من الحالات بدرجةٍ أكبر مما كانت عليه في السابق.

ولا يعني ذلك أن الوضع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا سيتدهور بالضرورة. فقد يتحسن الوضع، لأن العالم لا يمكن التنبؤ به، وهو ما ينطبق بشكلٍ أكبر على هذا الجزء من العالم. ومع ذلك، يستبعد الكاتب أن تشهد المنطقة بأكملها حالة من الاستقرار أو أن يتم تفكيك جميع المجموعات الجهادية الموجودة فيها خلال العقد المقبل. وفي غضون عشر سنوات، من المرجح أن تتواجد بعض النزاعات التي يمكن أن تزدهر فيها المجموعات الجهادية. وقد يكون ذلك كافياً لتزويد الحركة الجهادية الأوروبية بالإلهام السياسي وما تحتاج إليه من فرص التدريب.

الاتجاه الرئيسي الرابع: الحرية التشغيلية المتواصلة على شبكة الإنترنت

Translation- Bernard Cazeneuve
وزير الداخلية الفرنسي السابق برنار كازنوف مع نظيره الألماني توماس دي مايستيره على هامش فعاليات المنتدى الدولي للأمن السيبراني الذي أقيم في مدينة ليل الفرنسية في يناير 2015. المصدر: AFP. ©AFP ⁃ DENIS CHARLET

يكمن الاتجاه الرئيسي الرابع في مستويات الحرية الأكبر التي باتت تتمتع بها الحركات السريّة على شبكة الانترنت. ومن شأن هذا الاتجاه، في حال استمراره، أن يزوّد الجهاديين الأوروبيين بالقدرة على نشر البروباغندا وتجنيد المقاتلين وتخطيط العمليات عبر الشبكة العنكبوتية.

وتوفر شبكة الإنترنت مجموعةً واسعة من الفوائد التي قد تستفيد منها المجموعات الإرهابية. وتعتبر الشبكة العنكبوتية التقنية الأسرع والأرخص والتي تتمتع بمدى أطول وقابلية أكبر للتوسع مقارنةً مع التقنيات الأخرى المماثلة لها. كما تتمتع شبكة الإنترنت بالقدرة على خفض تكاليف المعاملات التي ينبغي على المتمردين دفعها لتنفيذ مهامهم الرئيسية كنشر البروباغندا، وعمليات التجنيد، وجمع الأموال، والاستطلاع، والتنسيق التشغيلي. بيد أن الجماعات الإرهابية لم تكن تتمتع على الإطلاق من الناحية العملية بالقدرة على الاستفادة بشكلٍ كامل من قدرات الإنترنت، خاصةً في ظل ما تقوم به الحكومات من إجراءات مضادة كالحظر، والمراقبة، والتسلل، والرسائل المضادة. ويعاني المتمردون من العديد من المشكلات أثناء مواجهتهم لما يتم فرضه عليهم من إجراءات رادعة، بما في ذلك مشكلة الوصول إلى الشبكة (تأمين عدم حظرهم من الحصول على خدمات الإنترنت) والمشكلات الأمنية (المماثلة لتأمين عدم تنصت الشرطة على الاتصالات) ومشكلة الثقة (التأكد من عدم تسلل المحاورين) ومشكلة التشبع (التأكد من عدم إغراق البروباغندا الخاصة بهم عبر إصدار الرسائل المنافسة). وتعتمد قدرة المجموعات الإرهابية على تجاوز هذه المشكلات في أي وقتٍ من الأوقات على مستوى الإجراءات الرادعة التي يتم اتخاذها وعلى جودة التقنيات المتوفرة. ولأن السياسات تشكل طبيعة الإجراءات الرادعة ولأن التطورات التقنية تأتي ضمن تدفقات متعددة، فقد تباينت قدرة الإرهابيين على استغلال الإنترنت بمرور الوقت. فتارةً، تمتع هؤلاء بحريات أكبر، وتارةً أخرى كانوا يحظون بمستويات أقل من الحرية. وعندما كانت شبكة الإنترنت جديدة إلى حدٍّ ما في بداية الألفية الجديدة، فقد سيطرت المجموعات الجهادية على لعبة “القط والفأر” الدائرة بين الدول والمتمردين. وفي النصف الثاني من العشرية الأولى من الألفية الجديدة، انقلب الحال رأساً على عقب، حيث تمت إعاقة الجهاديين بشكلٍ أكبر أثناء استخدامهم للإنترنت. وتم حظر المواقع المستقرة بالتزامن مع التسلل إلى المنتديات المخصصة لطرح النقاشات الجهادية، وغالباً ما تم اعتراض الاتصالات واعتقال الكثير من الأشخاص نتيجة لذلك، بما في ذلك أولئك الذين تم اعتقالهم على خلفية الجرائم “البسيطة” المماثلة لنشر البروباغندا.

بيد أن الوضع تغيّر من جديد في عام 2010 إلى وصفه هيغهامر سابقاً “بثورة التمكين الرقمي الجهادي”. ونتج ذلك بصورةٍ تدريجية عن مجموعة من التغيرات، أولها ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أعطى الجهاديين تشكيلة أوسع من منصات التواصل سهلة الاستخدام. ومن المفارقات، فقد وفّرت وسائل التواصل الاجتماعي المزيد من الأمان للحركة الجهادية، على الأقل على مستوى المتطرفين الأصغر حجماً. ويعود السبب في ذك إلى عدم قدرة الحكومات على اختراق أو مراقبة موقعي تويتر وفيسبوك بسهولة كما كان عليه الحال مع المنتديات المخصصة لمناقشة القضايا الجهادية في بداية الألفية. ومن العوامل التي غيّرت من وجه المعادلة توافر قدرات التشفير بشكلٍ أكبر، وعلى شكل تطبيقات الرسائل المشفرة والمخصصة للمستخدم النهائي مثل واتساب وتيليغرام. وعزّزت تلك القدرات من إمكانية تخفي العناصر الراغبة بتجنّب المراقبة على شبكة الإنترنت. ويكمن التغيّر الثالث في الزيادة المفرطة في عدد الناشطين الجهاديين بعد عام 2011، سواءً أكان ذلك داخل القارة الأوروبية أو خارجها. وأدى توافر المزيد من أهداف المراقبة والمجموعة الأوسع من منصات التواصل إلى إغراق الجهات الأمنية وإرغامها على الحد من عمليات المراقبة الأمنية التي كانت تقوم بها لجميع المشتبه بهم وقصرها تلك المراقبة على أكثر المشتبه بهم خطورة.

وأسفر ذلك عن التخفيف بصفةٍ عامة من القيود التي أعاقت نشاط الجهاديين في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة؛ وببساطة فقد أفلح الجهاديون في الحصول على أكثر بكثير مما كان يحصلون عليه قبل سنواتٍ بسيطة. ومنذ عام 2010 فصاعداً، استطاعت المجموعات الجهادية نشر البروباغندا الخاصة بها على نطاقٍ أوسع بكثير مما كان متوفراً لها في السابق. كما استطاعت هذه المجموعات نشر معلومات تكتيكية حساسة على المدونات والمواقع الإلكترونية دون أن تتم إزالتها. ونظراً لتوفر قدرة أكبر على التواصل بأمان أكبر بين الأفراد، فقد استطاعت هذه المجموعات القيام بعمليات التجنيد، وجمع الأموال، وحتى تنسيق العمليات عبر شبكة الإنترنت وعلى نطاق أكبر بكثير مما كان عليه الحال خلال العقد الأول من الألفية الجديدة. وعلى سبيل المثال، فقد كان في مقدور المقاتلين الأجانب في عامي 2013 و2014 التواصل مع الأصدقاء في الوطن بسهولة لم يكن المقاتلون الأجانب ليحلموا بها في وزيرستان أو في اليمن في بداية الألفية. وساعدت هذه القدرة الخاصة على زيادة عدد المقاتلين الأجانب، لأنها أتاحت بناء “جسر تأثير” تم استخدامه لإلهام المجندين الموجودين في الوطن، وإقناعهم أو إعادة تطمينهم للذهاب إلى سوريا عبر القيام بمحادثات شخصية مع أصدقاءٍ سبق لهم الذهاب إلى هناك.

وكان التطور الأخير المشؤوم هو الجرأة المتزايدة التي استخدم بها الجهاديون في أوروبا وسائل الاتصال الرقمية في البيئات التشغيلية. وفي العقد الأول من الألفية، تجنّب المهاجمون بصفةٍ عامة مناقشة الأمور التكتيكية عبر الهاتف أو عبر شبكة الإنترنت في المراحل الأخيرة من التخطيط خوفاً من اكتشاف العملية بأكملها. في المقابل، رأينا كيف قام الجهاديون مؤخراً بالتنسيق فيما بينهم عبر الهاتف مباشرةً قبل تنفيذ العملية أو حتى خلالها (على سبيل المثال، تم القيام بذلك في الهجمات التي شهدتها العاصمة الفرنسية في نوفمبر 2015). وعندما كان تنظيم القاعدة يقوم بإرسال فريق ما لتنفيذ الهجمات في أوروبا خلال العقد الأول من الألفية، فقد كان يميل إلى تخفيض التواصل مع هذا الفريق إلى حدّ أدنى بعد مغادرته. في المقابل، قام تنظيم “الدولة الإسلامية” بالتواصل مؤخراً بشكلٍ مكثف مع الناشطين في أوروبا. بل كانت هناك حالات قامت فيها كوادر تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا بتحضير المتعاطفين مع التنظيم في أوروبا عبر شبكة الإنترنت لتنفيذ الهجمات دون أن يكونوا قد قابلوهم في حياتهم الواقعية. وتعكس ندرة القيام بمثل هذا السلوك في العقد الأول من الألفية الجديدة ما كانت تتمتع به الاتصالات الرقمية من أمان. وقد تعود شكوى العديد من القوى الأمنية الأوروبية مؤخراً حول “العمل في الظلام” على أهداف المراقبة لهذا السبب وغيره من الأسباب.

وإذا ما استمر تمتّع المجموعات الجهادية بمستوى مماثل من الحرية على شبكة الإنترنت خلال السنوات العشر المقبلة، فإنه سيكون من السهولة بمكان على أصحاب المشاريع الجهادية الملتزمين بناء الشبكات والتخطيط للعمليات. كما سيكون في مقدور المجموعات الجهادية الموجودة خارج أوروبا تجنيد المقاتلين الأجانب وتنفيذ الهجمات المباشرة في أوروبا. ومن بين التوجهات الأربعة التي تم استعراضها هنا، فإن هذا التوجه هو الأكثر غموضاً، لأنه لا يمكن مواجهته بصورةٍ جزئية إلا من خلال الابتكارات التكنولوجية (التي يصعب التنبؤ بها) أو عبر قرار سياسي يتيح المزيد من المراقبة الرقمية. ومع ذلك، يصعب في هذه اللحظة رؤية كيفية العودة إلى مستويات مراقبة الإنترنت التي كانت موجودة في مرحلة ما قبل عام 2010، نظراً لتزايد عمليات التشفير.

ملاحظة: سيتم نشر هذه الدراسة تباعاً على أربعة أجزاء خلال الأيام المقبلة.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP | ©AFP ⁃ AHMAD ALRUBAYE | ©AFP ⁃ DENIS CHARLET

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • أوروبا وخيارات التعامل مع أزمة معتقلي تنظيم "الدولة الإسلامية" المقيمين في المخيّمات السورية

    يبقى خيار إعادة الأجانب إلى بلادهم هو الأفضل لأنه يعني إغلاق هذا الملف سريعاً. ومع ذلك، ستبقى الأسئلة عما يجب القيام به مع المواطنين العراقيين والسوريين، ناهيك عن الدور الذي ينبغي على الغرب القيام به لحل أوضاعهم. وهنا لا بد من الإشارة إلى وجوب تجنّب القوى الأوروبية للخيار الثالث الذي اتبعته حتى اللحظة ألا وهو السكوت والانتظار إلى حين تغيّر الظروف.
  • المقاتلات الكرديات: من قتال تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى مواجهة الهجوم التركي

    تقاتل نساء كردستان من أجل حياتهن وحريتهن في منطقةٍ تحيط بها التهديدات من كلّ حدبٍ وصوب، ابتداءً بهجمات تركيا، ومروراً بإرهاب تنظيم الدولة الإسلامية ووصولاً إلى السلطة الأبوية الموجودة في الوطن. وبطبيعة الحال، فإن التكلفة مخاضٌ صعب وخطير.
  • الحركات الاحتجاجية في العراق في عصر "مجتمعٍ مدني جديد"

    إذا كان بالإمكان اعتبار حركة 2015 من سمات “المجتمع المدني الجديد”، فإن خصوصيات السياق العراقي المبني على العنف السياسي والطائفي تجعل رفض سياسات الهوية أمراً محورياً، لا سيما الهوية الطائفية والدين. وتعتبر الحرية الفردية عند المتظاهرين العراقيين، لا سيما حرية عدم الانتماء لجماعة دينية وطائفية، ضرورية شأنها في ذلك شأن المساواة الاقتصادية.