تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

مغادرة الشباب اللبناني لبلادهم قد تحمل في طياتها فرصةً للمستقبل

الشباب اللبناني
متظاهرة مناهضة للحكومة تحمل العلم اللبناني وتمر من أمام أحد النوافذ المكسورة في وسط العاصمة بيروت، في 24 أكتوبر 2019. Photo: IBRAHIM AMRO / AFP

فلورينس ماسينا

انعدام الاستقرار السياسي والفساد والأزمة الاقتصادية المستمرة التي دفعت بالآلاف إلى الفقر المدقع، وانفجارٌ دمر بعض أشهر أحياء بيروت، تعدّ هذه من بين الأسباب الرئيسية التي تجعل المستقبل بعيداً كل البعد عن تباشير الخير لآلاف الشباب اللبناني الذين باتوا يتخذون اليوم خياراً بالهجرة بعيداً عن أسرهم وديارهم. لكن على المدى الطويل، قد تحمل هذه الفرصة في طياتها تألق لبنان من جديد.

حتى تاريخه، مر عامٌ على معاناة البلاد من أسوء أزمةٍ اقتصادية، المعروفة رسمياً باسم “أزمة السيولة اللبنانية.” لأكثر من عشرين عاماً، تم ربط الليرة اللبنانية بالدولار لمنع التضخم المفرط والانهيار الاقتصادي بعد نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، بسعر صرفٍ ثابتٍ للدولار قدره 1500 ليرة. ومنذ ذلك الحين، انزلق ربط الليرة واختفى المعروض من الدولار في البلاد، إذ فاقم ذلك العقوبات الأمريكية المفروضة على حزب الله المدعوم من إيران وأزمة فيروس كورونا. وعليه، كانت النتيجة إغلاق 785 مطعماً ومقهى بين سبتمبر 2019 وفبراير 2020، مما أدى إلى فقدان 25 ألف موظف وظائفهم، كما ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 58% منذ أكتوبر 2019.

وقبل عام، اجتاحت حركة احتجاجية ضخمة شوارع المدن الرئيسية في لبنان للمطالبة بتغييرٍ حكومي حازم، الذي لا يزال حبراً على ورق حتى الآن على الرغم من تفاقم الأزمة. ففي عام 2019، بلغ معدل البطالة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً 17,61% وفقاً لمنظمة العمل الدولية. وفي ظل هذا المناخ الحالي، لا يزال عدد قليل من الناس يرغبون في التمسك ببلدهم والبقاء، لكن لا خيار أمام الآخرين، بسبب قلة الإمكانيات في الخارج والفقر وقيود السفر.

هذا هو حال كين رحال، فنانٌ يبلغ من العمر 23 عاماً، تقدم بطلب للذهاب إلى أوروبا ولكن تم رفض طلبه الأول بالذهاب إلى فرنسا، وبحسب ما قاله لفَنَك: “قررت المغادرة قبل حدوث الانفجار،” وأضاف “عانيت من مشاكل عاطفية ولم أتمكن من إيجاد مكانٍ لي في مجتمعي وفي بلدي، كما أن عائلتي لا تدعمني. الأمر صعبٌ للغاية، لذلك قررت المغادرة. الأسعار أيضاً خارجة عن السيطرة، لا يزال بإمكاني شراء الطعام ولكن القليل جداً من الأشياء. أتساءل كيف يتعامل الناس مع الأمر، بل أعتقد أنهم لا يستطيعون ذلك. والأهم من موضوع الأسعار، يشعر الناس بالاكتئاب الشديد طوال الوقت، وأشعر بالاكتئاب الشديد أيضاً. سأنتظر وأرى حتى أجد حلاً للمغادرة، لكن يمكنني أن أرى أن كل من حولي محبط وجميع الأشخاص الذين أعرفهم في طريقهم إلى المغادرة.”

بينما يتمتع البعض الآخر بمستوى تعليمي عالٍ ويمكنهم بالتالي التقدم إلى البلدان التي ترغب في قبول المهنيين الشباب. فعلى سبيل المثال، ملحم صليبا، وهو مهندسٌ مدني يبلغ من العمر 30 عاماً، وصديقته، في منتصف طلبهما للانتقال إلى كندا. كلاهما يتحدثان الفرنسية والإنجليزية وهما متفائلان بشأن فرصهما بسبب شهاداتهما. قال صليبا لفَنَك: “سنتزوج ونأمل أن نتمكن من وصول كندا بحلول منتصف عام 2021 أو بحد أقصى نهاية العام المقبل.” وأضاف “بصدق، نريد الخروج بأسرع ما يمكن. لم أكن أرغب في ذلك عند إنتهائي من دراستي، لكن مع مرور السنوات بدأت أعرف المزيد عن البلد والتقيت بصديقتي، وانتهى بنا الأمر إلى إدراك أننا لا نستطيع الحفاظ على حياة حقيقية هنا، حتى وإن كان وضعنا المالي جيد. مع كل ما يحدث والانفجار، قررنا أننا بحاجة إلى المغادرة هذا الصيف.”

أن تترك بلدك يعني أن تترك خلفك أسرتك وأحبائك، وهو قرارٌ لا يتخذه الأشخاص هنا بسهولة، وبحسب ما قاله صليبا “أود البقاء والإعتناء بهم بما أننا لا نحظى بأي أمنٍ أو مساعدةٍ من الحكومة عند تقدمنا بالسن.” وتابع القول “إلا أن والداي من طلبا مني المغاردة. يتوجب علي مساعدتهم من الخارج. عليك أن تفهم أننا لم نتخذ قرار المغادرة بإرادةٍ حرة، فنحن لسنا سعداء بهذا. نشعر وكأنه يتم طردنا من هنا، وإذا ما أردنا أن نحظى بحياةٍ مستقرة فلا بد أن يكون هذا في مكانٍ آخر.”

وبالفعل، غادر شبابٌ آخرون، إما للعمل أو للتعليم، ويواجهون اليوم قراراً بالبقاء في الخارج. ميلاني أبو خليل، 23 عاماً، تخرجت للتو بتخصص العلاقات الإنسانية من مونتريال، حيث غادرت منذ أن كان عمرها 18 عاماً. كان من المفترض أن يكون صيف 2020 هو الوقت الذي ستعود فيه لإيجاد وظيفةٍ في بلدها والبقاء في نهاية المطاف بالقرب من عائلتها بعد خمس سنواتٍ قضتها في الخارج. قالت لفَنَك: “عندما غادرت لأول مرة، شعرت أني بحاجة إلى شيء أكبر، أكثر مما يمكن أن تقدمه لي بلدي في ذلك الوقت.” وأضافت “اعتقدت أنه يمكنني العودة وإحضار ما تعلمته معي، لأفعل شيئاً من أجل بلدي. ولكن مع مرور السنوات، كانت كل زيارة أكثر صعوبة، وأصبح الناس أكثر إحباطًا وأقل سعادة. شعرت أنه حتى لو كان لديك المال، فستظل غير مستقر، بدون أمن أو حكم سليم. وكان هذا الصيف هو الأسوأ، إنه بالفعل كابوس. اعتدت أن أكون مفعمةً بالأمل! الآن أقول للجميع أن يغادروا إذا استطاعوا، فقد فقدت الأمل في بلدي وحكومتي والشعب أيضاً. عندما غادرت في نهاية الصيف، كانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالسعادة لذلك، حتى مع تركي والداي، لأني أشعر أنني أستطيع مساعدتهم بشكل أفضل من الخارج.”

يمكن أن يكون لمساعدة لبنان من الخارج تأثيرٌ إيجابي على المدى الطويل، كما اختارت الدكتورة هناء آدم الغالي، مديرة برامج التعليم والشباب في معهد عصام فارس، أن تصدق. فقد كانت بالفعل جزءاً من حدثٍ تم في فبراير 2020 حول احتجاجات أكتوبر وسأل أحد المشاركين المتحدثين، التي كانت أحدهم: “هل ستخبرون الشباب بالبقاء أو مغادرة لبنان؟”.”لقد كان سؤالاً عاطفياً للغاية،” على حد تعبير الغالي، التي أضافت “بالطبع، إنه موضوع يتردد صداه منذ الحرب الأهلية: الناس يغادرون البلاد على أساس منتظم. أنا نفسي غادرت وعدت. ما لاحظناه هو أنه كان هناك هجرة هائلة للأدمغة خلال 2019، خاصة مع تأثر الطبقة الوسطى مالياً. لدي زميل يستطيع تحمل نفقات المدارس الخاصة لابنه وابنته، حيث اضطر كليهما إلى ترك المدرسة، وبينما تمكنت ابنته من العثور على مدرسة في ألمانيا، لا يزال يبحث عن حلٍ لابنه. الأشخاص الذين يمكنهم متابعة التعليم والأشخاص الحاصلين على تعليم عال هم الأكثر احتمالاً للمغادرة اليوم. لدينا انخفاض كبير في معدلات الالتحاق بالجامعات، لكن لن يكشف أحد عن الأرقام.”

وبدلاً من الشعور بالحزن حيال ذلك، اختارت الغالي أن ترى الوضع على أنه فرصة للبلاد: “آمل أن تأخذ الأمور مجرى ما حصل بعد الحرب الأهلية، عندما بدأ الناس في إرسال الأموال إلى لبنان. لذا ربما يجب أن ننظر إليه على أنه شيء إيجابي؟ ربما تأتي الاستثمارات بهذه الطريقة على المدى الطويل.”

على الرغم من الخسائر والأزمة، لا تزال حقيقة أن جزءاً من سكان لبنان يتمتعون بفرصٍ لخلق حياةٍ وتطوير مشوارٍ مهني وإرسال الأموال إلى الوطن وسيلةً للبقاء على قيد الحياة على المدى الطويل. ودون أي حل آخر، قد يكون الاستثمار في المستقبل أحد الطرق الوحيدة لابتداع ما هو أفضل في غضون عقد أو عقدين من الزمان. لكن لا ينبغي أن يقوم هذا الأمل على تمزيق أواصر الأسر.

written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles