تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

مصر: السيسي يوازن بين إصلاحاته وطموحه وملف حقوق الانسان

مصر: السيسي
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستبدل قناع وجهه بعد اجتماع ثلاثي بين اليونان ومصر وقبرص في أثينا في 19 أكتوبر 2021. Photo by ARIS MESSINIS / AFP

خالد محمود

خلافا للمعتاد، لم تعد مصر تتجاهل ملف قضايا حقوق الانسان أو تقلل من شأنه، لكنها أيضا تتعامل مع هذا الملف وفقا لرؤيتها الخاصة، متحدية الضغوط الخارجية.

ربما التعبير الشعبي الأدق هنا هو أن القاهرة لم تعد تشعر بأن ذراعها ملويا، أو أنها معرضة للابتزاز السياسي من حلفائها في الجانب الآخر من العالم، عندما يتعلق الأمر بهذا الملف الشائك والمثير للجدل.

كانت النكتة الدارجة تقول إن واشنطن كلما احتاجت للضغط على القاهرة لتمرير موقف إقليمي معين، فإنها ترفع سماعة الهاتف الساخن المتصل معها والخاص بقضايا حقوق الانسان والأقباط.

لكن الآن، تغير الحال كثيرا.

يعتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأهمية حصول المواطن على حقوقه في التعليم والحياة السليمة والصحة والسكن، إلى جانب رفاهية التعبير عن الرأي أو الانخراط في نشاطات قد لا ترضى عنها الدولة وأجهزتها بالضرورة.

مبادرة طموحة

قدم السيسي مبادرة طموحة تحت عنوان الاستراتيجية المصرية لحقوق الانسان، قبل شهور في محاولة لتطوير أداء التعامل الرسمي والحكومي مع هذا الملف، إلى جانب درء الشبهات عن نظام حكمه بالتكاسل في منع تجاوزات أو ارتكاب انتهاكات تتعلق بحقوق الانسان.

منذ توليه السلطة عام 2014، شرع السيسي في تنفيذ إصلاحات داخلية غير مسبوقة، طالت مختلف نواحي المعيشة بما في ذلك تدشين خارطة جديدة لحركة الانتقال بين مختلف مناطق البلاد، ومشروعات عملاقة للتنمية تشمل انهاء الأزمات المعيشية التقليدية التي عانى منها المصريون في السابق.

ولأن لا صوت يعلو على صوت الرئيس، فان الأخير في سعيه لبناء الجمهورية الجديدة، سرعان ما اصطدم بملف حقوق الانسان، الذي كانت الدولة المصرية فيما سبق تسعى لتجاهل تأثيراته الخطيرة والمقلقة على علاقتها بالرأي العام المحلي وأيضا مع حلفائها في الخارج خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

في كل الأحوال لا تزال القاهرة ترى نفسها شريكا رئيسيا للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال، فالدور الذي تلعبه باستمرار لضبط النزاع الفلسطيني الإسرائيلي نال استحسان واشنطن وإدارة بايدن.

من وجهة النظر الرسمية المصرية، فإن دور القاهرة بالنسبة لواشنطن لا غنى عنه في كثير من الملفات الإقليمية. ولعل هذا ما يدفع صانع القرار الرسمي المصري إلى فصل ملف حقوق الانسان عن العلاقات الثنائية مع أمريكا.

الانتقادات الأمريكية

لكن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لم تفوت الفرصة لانتقاد سجل مصر في مجال حقوق الانسان.

تلك الانتقادات الكلاسيكية الصادرة من العاصمة الأمريكية واشنطن لم تعد تخيف نظيرتها المصرية القاهرة، التي باتت تدرك أن الحديث الأمريكي المتكرر بالخصوص لا يعني بالضرورة تدهور العلاقات المصرية الأمريكية.

مصر: السيسي
صورة تم التقاطها يوم ١٧ مايو ٢٠١٩ للناشط والمدوّن المصري علاء عبد الفتاح أثناء مقابلة تم إجراءها معه في بيته بالعاصمة المصرية القاهرة. وأصدرت مصر حكماً يوم ٢٠ ديسمبر ٢٠٢١ على علاء عبد الفتاح، وهو شخصية قيادية بارزة في ثورة ٢٠١١، بالحبس لمدة خمس سنوات، بالتزامن مع إصدار حكم بسجن ناشطين آخرين لمدة أربع سنوات. وتم توجيه الاتهام لعبد الفتاح، ومحاميه محمد الباقر والمدوّن محمد “أوكسجين” إبراهيم بـ “نشر أخبار كاذبة” في المحاكمة التي أجريت بحقهم في القاهرة. المصدر: Khaled DESOUKI / AFP.

بعد ساعات فقط من حكم بالسجن خمس سنوات أصدرته محكمة مصرية على ثلاثة أبرزهم الناشط علاء عبد الفتاح يوم الاثنين الماضي عبّر نيد برايس المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن شعور بلاده بما وصفه بخيبة أمل.

وبعدما اعتبر أنه يجب أن يكون باستطاعة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ممارسة حريتهم في التعبير دون مواجهة عقوبات جنائية، قال برايس إن المسؤولين الأمريكيين أثاروا قضايا حقوق الإنسان مع نظرائهم المصريين وأبلغوا القاهرة أنه يمكن تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر إذا تم إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان.

لكن رد القاهرة لم يتأخر، وسرعان ما نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية عن أحمد حافظ الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية قوله إنه “ليس من المناسب إطلاقا التعليق بأي شكل على، أو التطرق إلى أحكام تصدر من القضاء تنفيذا لقوانين واستنادا لأدلة وأسانيد دامغة وقاطعة في إطار مسار قضائي عادل ونزيه ومستقل”.

وأضاف: “لا يجوز تناول مثل تلك المسائل القضائية في أي أطر سياسية، أو ربطها بمسار العلاقات بين البلدين”.

هذه اللهجة غير المعتادة للديبلوماسية المصرية تعكس بوضوح، بحسب مراقبين، بالإضافة الى مدى حساسية القاهرة حيال أي انتقادات توجه اليها في ملف حقوق الانسان، المساعي المصرية لإبعاد هذا الملف عن أي تجاذبات سياسية في الداخل أو الخارج.

في تقريرها السنوي حول وضع حقوق الإنسان في مصر، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى “إعدامات خارج إطار القانون” و”اختفاءات قسرية” وانتهاكات لـ “الحق في التجمع وتشكيل جمعيات”.

الانتقادات التي صدرت مؤخرا من الخارجية الأمريكية، في معرض تعليقها على حكم محكمة مصرية قضت بسجن ثلاثة ناشطين من بينهم مدون ومحامي أربع سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة، أثارت غضب واستياء القاهرة.

عبد الفتاح الذي تشكو أسرته من ظروف احتجازه المتشددة تم اعتقاله بعد الافراج عنه عام 2019، علما بأنه نال شهرته خلال أحداث ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك بعد ثلاثة عقود على رأس السلطة.

وكانت إدارة بايدن قد هددت في سبتمبر 2021 بحجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، على أمل أن تتخذ الأخيرة خطوات محددة تتعلق بحقوق الإنسان.

إيطاليا وفرنسا على الخط

السلطات المصرية أفرجت هذا الشهر مؤقتا عن الباحث الحقوقي باتريك زكي، الذي اعتقل العام الماضي لدى عودته من إيطاليا إلى مصر، ويواجه عقوبة بالسجن لفترة تصل إلى خمس سنوات بتهمة “نشر معلومات كاذبة” بسبب مقال ندد فيه بالتمييز ضد الأقلية القبطية في مصر.

وينتظر زكي الذي منحته إيطاليا جنسيتها رسميا في ابريل الماضي، بعد 22 شهرا أمضاها في الحبس الاحتياطي، استئناف محاكمته في فبراير 2022 بتهمة نشر معلومات كاذبة، أمام محكمة جنح أمن الدولة طوارئ المنصورة.

ونجح زكي عبر أسرته في حشد رأى عام إيطالي رسمي لصالحه، تمثل في جمع آلاف التوقيعات على عريضة لطلاق سراحه، وتبنى ماريو دراغي رئيس الحكومة الإيطالية ولويجي دي مايو وزير خارجيتها متابعة القضية.

إيطاليا لا زالت علاقتها مع مصر تعاني بعد مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي عثر على جثته عام 2016 ملقاة عارية وعليها آثار تعذيب شديد في إحدى ضواحي القاهرة، حيث كان يجري بحثا للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة كامبريدج.

وبينما تقدّر المنظمات الحقوقية عدد الموقوفين السياسيين في مصر بنحو 60 ألفا، الحكومة المصرية الاتهامات المتعلقة بأوضاع السجون، كما تنفي قطعياً وجود “سجناء سياسيين”، وتؤكد في المقابل أنّها تخوض حرباً ضدّ الإرهاب وتتصدّى لمحاولات زعزعة استقرار البلاد.

ولا زال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يثير بشكل خجول قضية الناشط السياسي المصري الفلسطيني رامي شعث الموقوف منذ أكثر من عامين.

ومن بين الانتقادات الجديدة لسجل مصر في حقوق الإنسان في عهد السيسي سُجن العديد من الأكاديميين في السنوات القليلة الماضية، حيث حكم على الناشط البارز وعضو البرلمان السابق زياد العليمي خمس سنوات وعلى اثنين آخرين بالسجن أربع سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة، كما اتهمتهم السلطات بالعمل مع جماعة تمولها جماعة الإخوان المسلمين للتحريض على الثورة وارتكاب أعمال عنف.

وبينما تقول جماعات حقوقية إن السلطات اعتقلت عشرات الآلاف، ينفي السيسي وجود سجناء أو معتقلين سياسيين ويقول إن الأمن والاستقرار لهما أهمية قصوى، وهو رأى يحظى بتأييد مناصريه الذين يعتقدون أن هذه الإجراءات ضرورية لتحقيق الاستقرار في البلاد.

استراتيجية وطنية خاصة

في تقديمه للاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان، أكّد السيسي على أنها “نابعة من فلسفة مصرية ذاتية تؤمن بأهمية تحقيق التكامل في عملية الارتقاء بالمجتمع، والتي لا يمكن أن تكتمل دون استراتيجية وطنية واضحة لحقوق الإنسان تعني بالتحديات والتعاطي معها مثلما تراعي مبادئ وقيم المجتمع المصري”.

ويمتد الإطار الزمني لتنفيذ الاستراتيجية لمدة خمس سنوات وتضم أربع محاور عمل أساسية تتعلق بالحقوق المدنية والسياسية بالإضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي القدرات الخاصة والشباب وكبار السن والتثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

في تحليله للاستراتيجية التي أطلقها السيسي في 11 سبتمبر 2021، خلص مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان إلى إنكارها لما وصفه بالواقع الكارثي لأزمة حقوق الإنسان في مصر. واعتبر المركز أن الاستراتيجية تهدف إلى إيهام المجتمع الدولي والدول المانحة بوجود عملية إصلاح سياسي تجري في مصر، ومن ثم تكريس هذا الواقع المأساوي وتحصينه من الانتقاد الدولي.

طبقا لهذا التحليل، فالاستراتيجية التي تقع في 78 صفحة تعتبر أن مصدر مشكلة حقوق الإنسان في مصر هو الشعب ذاته، متمثلا في محدودية وعي المواطنين وتقصير الأحزاب السياسية والمجتمع المدني! وبناءً عليه، لا تتعهد وضع حد للقمع اليومي الضاري بالمخالفة للدستور والقانون واللوائح الحكومية والتزامات مصر الدولية؛ وإنما تكتفي فقط بالتوصية عشرات المرات بتوعية المواطنين.

ويخلص المركز إلى أن هذه الاستراتيجية بحد ذاتها أحدث الدلائل الرسمية على غياب الإرادة السياسية، ما يفسر بحسب رؤيته ما أسماه بالتدهور المريع غير المسبوق في حالة حقوق الإنسان في مصر.

في المقابل، يرى مركز رع للدراسات الاستراتيجية أن إطلاق الاستراتيجية يؤكد إيمان الرئيس السيسي بالحريات والديمقراطية والعمل على تعزيزها بشتى السبل، مع ضمان أمن وسلامة المجتمع وحمايته من الافكار الخبيثة والمتطرفة.

ودعا المركز لإطلاق العديد من الحملات الإعلامية حول قيم ومبادئ حقوق الإنسان خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع تكثيف جهود المؤسسات الدينية والحكومية للتأكيد على قيم المواطنة، والتسامح، والحوار ومكافحة التحريض على العنف والتمييز.

وحرض على التوسع في استخدام التقنيات الحديثة ووسائل التكنولوجيا في تنمية وعي المواطنين بحقـوق الإنسان.

في كل الأحوال، فإن ملف حقوق الانسان لا زال يشكل صداعا للجميع، ما بين إصلاحات السيسي وطموحه لجمهورية جديدة، وبين الدعوات التي تطالبه بأن يوجه نظره حيال الوضع السياسي الداخلي بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

مؤخرا بات السيسي يدرك أهمية التحرك في هذا الاتجاه، لكنه لا يريد أبدا اتاحة الفرصة لتكرار الأخطاء القاتلة التي دفعت المصريين الى الانتفاضة على حكم سلفه الراحل حسنى مبارك.

وما بين الممكن والمأمول، يظل السيسي مسكونا بهواجس أن لا يكون تحسين المناخ السياسي على حساب الدولة أو مصالح الشعب الذي عانى كثيرا في السابق من نخبته السياسية والحزبية التي تتشدق بملف حقوق الانسان وتتجاهل ضرورة تحسين البنية التحتية وتطوير مختلف مؤسسات الدولة لتكون قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية التي تحيط بدولة بحجم مصر.